ملخص
تسرع الصين دمج الذكاء الاصطناعي في جيشها لبناء قوة قتالية تعتمد الأنظمة الذاتية واتخاذ القرار الخوارزمي والحرب المعلوماتية، في مسعى لتقويض التفوق العسكري الأميركي. ومع تسارع التجارب والتبني العسكري، تتجه المنافسة بين بكين وواشنطن نحو سباق تكنولوجي حاسم قد يعيد تشكيل حروب المستقبل.
في عرض الصين العسكري بمناسبة يوم النصر في سبتمبر (أيلول) 2025، لم تكن الأضواء مسلطة على الجنود أو الدبابات، بل على أنظمة الأسلحة المتطورة التي كُشف عنها. مركبات أرضية غير مأهولة، وطائرات مسيرة بحرية وجوية، وطائرات قتالية تعاونية - طائرات ذاتية القيادة تحلق إلى جانب الطائرات المأهولة لمساندة المهمات - قُدمت باعتبارها عناصر أساسية في قوة الصين القتالية المستقبلية. وقد وجه استعراض هذه الأنظمة رسالة واضحة حول كيفية سعي جيش التحرير الشعبي إلى تسخير التقنيات الناشئة لتعزيز تفوقه في ساحات القتال. ومن منظور واشنطن، أكد العرض طموح بكين إلى تقويض التفوق التكنولوجي الأميركي.
تقول الصين إن برنامجها الطويل الأمد لتحديث جيشها سيمر عبر ثلاث مراحل متداخلة: الميكنة، أي اعتماد الآليات والمعدات الحديثة؛ ثم المعلوماتية، أي دمج تقنيات المعلومات المتقدمة والشبكات السيبرانية لربط المنصات العسكرية وتمكين تبادل المعلومات في الوقت الفعلي؛ ثم "التذكية"، أي تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العمليات ودعم اتخاذ القرار. وقد حققت بكين حتى الآن تقدماً كبيراً في المرحلتين الأوليين، إذ وفرت الميكنة للجيش الصيني السفن والدبابات والطائرات التي كان يفتقر إليها، فيما ربطت المعلوماتية هذه المنصات وأجهزة الاستشعار عبر شبكات بيانات واتصالات رقمية.
وفي إطار بحث أجريناه في "مركز الأمن والتقنيات الناشئة" في جامعة جورجتاون، درسنا آلاف طلبات الشراء العسكرية التي نشرها جيش التحرير الشعبي خلال السنوات الثلاث الماضية. وتُظهر هذه الوثائق أن الصين تدفع بقوة نحو المرحلة الثالثة من التحديث. فالمدى الواسع لجهود دمج الذكاء الاصطناعي في الجيش الصيني وسرعة التجارب التي تجريها لافتان جداً. إذ يعمل الجيش على تطوير قدرات تعتمد الذكاء الاصطناعي لقيادة المركبات القتالية غير المأهولة، واكتشاف الهجمات السيبرانية والتصدي لها، وتعقب السفن في البحار، وتحديد الأهداف وضربها في البر والبحر والفضاء. كما يطور أنظمة تعالج وتحلل وتُضخم كميات ضخمة من البيانات لتعزيز القرارات التكتيكية والاستراتيجية، إلى جانب أدوات لصناعة صور وفيديوهات التزييف العميق لاستخدامها في حملات التضليل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وباختصار، يعمل جيش التحرير الشعبي على بناء منظومة متكاملة للتطوير السريع للذكاء الاصطناعي تربط بين الأبحاث الجديدة والتطبيقات العملياتية المباشرة. وفي المقابل، أعلنت الولايات المتحدة أن شركة "أنتروبيك" للذكاء الاصطناعي تمثل خطراً على سلسلة التوريد، مانعة بذلك إحدى الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي المتقدم من دعم الحكومة الأميركية. ولا يزال الجيش الأميركي يحتفظ بأفضلية حاسمة في قدرات الحوسبة والكفاءات التقنية والخبرة العملياتية، لكن للحفاظ على تقدمه على بكين، ستحتاج واشنطن إلى إدارة هذه المزايا بعناية، وتسريع وتيرة التجارب، والأهم من ذلك توسيع نطاق أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تمنحها تفوقاً في ميدان القتال.
التفكير الحاذق
تماماً كما غيرت الميكنة طبيعة الحروب خلال الحرب العالمية الثانية، يرى الاستراتيجيون الصينيون أن الذكاء الاصطناعي سيقود ثورة جديدة في الشؤون العسكرية. فهم يعتقدون أن حروب المستقبل ستتحول إلى مواجهات بين "أنظمة مترابطة"، تستهدف فيها الجيوش العقد الحيوية في منظومات خصومها المتشابكة. وسيعتمد تحقيق النصر على قدرة جيش التحرير الشعبي على إضعاف مراكز القيادة والسيطرة لدى العدو أو شلها، إضافة إلى ضرب مراكز الإمداد وقدرات الهجوم. وسيمكن الذكاء الاصطناعي هذا التصور، لأنه يساعد المشغلين على كشف نقاط الضعف النظامية واستهدافها، ويعزز سرعة وكفاءة اتخاذ القرار العسكري. وبناء على ذلك، تؤمن بكين بأن الجيش الذي يطور الذكاء الاصطناعي ويتبناه على نحو أفضل سيحظى بأكبر تفوق في حروب المستقبل.
وفي بعض المجالات، لطالما كانت طموحات جيش التحرير الشعبي في مجال الذكاء الاصطناعي واضحة. فقد شدد القادة الصينيون مراراً على أهمية "التذكية"، فيما تنشر وسائل الإعلام الرسمية تحديثات متحمسة حول المركبات الجوية والبرية وتحت الماء غير المأهولة أو الذاتية. وعلى الرغم من احتمال مبالغة هذه التقارير في تصوير قدرات تلك الأنظمة، تُظهر تحليلاتنا أن الجيش الصيني يحقق بالفعل تقدماً ملموساً. فهو يطور أسراباً من الطائرات المسيرة القادرة على رصد العدو وتعقبه وتنسيق الهجمات عليه. ويطلب من شركات الدفاع والباحثين تطوير منصات روبوتية متنوعة، تشمل الأجهزة والبرمجيات الخاصة بـ"الكلاب الروبوتية" والروبوتات الشبيهة بالبشر.
وتكشف وثائق المشتريات عن اهتمام متزايد لدى بكين بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تساعد على تسريع عملية اتخاذ القرار. فالقادة السياسيون والعسكريون في الصين لا يثقون بسلسلة القيادة العسكرية الحالية ويخشون أن تكون عاجزة في ظل صراع يتطور بسرعة. ويمكن لأنظمة دعم القرار المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مساعدتهم على فهم تحركات الخصم والتنبؤ بها، مما قد يتيح لهم تجاوز نقص خبراتهم القتالية الميدانية.
تعتزم الصين تطوير ذكاء اصطناعي لتحقيق تفوق عسكري على الولايات المتحدة
وتمتد اختبارات الجيش الصيني في الذكاء الاصطناعي إلى العمليات السيبرانية والمعلوماتية. فهو يطور أدوات تعتمد الذكاء الاصطناعي لرصد الاختراقات تلقائياً داخل شبكاته الحاسوبية، وتعزيز مرونة اتصالاته العسكرية، وتوسيع قدراته في العمليات السيبرانية. كذلك تولي الصين أولوية لتطوير تقنيات "الحرب الإدراكية"، إذ تكشف عدة وثائق عن طلبات لتقنيات التزييف العميق، حيث ترى المؤسسة العسكرية أن الصور والفيديوهات والأصوات المولدة بالذكاء الاصطناعي أدوات شديدة التأثير في تشكيل الرأي العام والتلاعب بإدراك الخصم وقراراته خلال الصراع. وفي موازاة ذلك، يستخدم ضباط وجنود الجيش الصيني أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمحاكاة ميادين قتال افتراضية ونمذجة سلوك الخصوم، مما يعزز استعداداتهم لحروب المستقبل.
ويطبق الجيش الصيني الذكاء الاصطناعي لكبح التفوق الأميركي في الفضاء والبحار. فهو يسعى علناً إلى تطوير خوارزميات لاستهداف الأقمار الاصطناعية، إلى جانب أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، تتضمن بعضها روبوتات صغيرة قادرة على التشبث بمنصات الخصم الفضائية وتعطيلها. وفي المجال البحري، يختبر الجيش مجموعة واسعة من المركبات الذاتية تحت الماء. وقد نشرت بكين بالفعل أجهزة استشعار متطورة في المحيطات والفضاء لرصد النشاط تحت سطح البحر، بهدف تعقب الغواصات الأميركية حول العالم مستقبلاً.
وتشكل هذه المشاريع، التي تُعد جزءاً من استراتيجية "التذكية"، تحولاً شاملاً في بنية القوة الصينية، لا مجرد برامج شراء منفصلة. وتسعى الصين إلى بناء جيش قادر على استخدام التقنيات المتقدمة للتعلم والتكيف واتخاذ القرارات بسرعة ودقة عبر جميع مجالات القتال.
ولا تقف الصين ساكنة بانتظار تحقيق اختراقات في الذكاء الاصطناعي. وبدلاً من ذلك، تدأب على خوض تجاربها مع ما يتوافر حاضراً منه، مع المراهنة على مراكمة التقدم تلو الآخر كي تصنع الفارق مع مرور الوقت. وفي كثرة من الوثائق التي تفحصها بحثنا، ترتسم صورة جداول زمنية قصيرة في التطوير، مما يتيح تجربة المنتجات المُطورَة بسرعة وبكلفة منخفضة نسبياً، مع اختبارها أيضاً عبر تطبيقات ومجالات متنوعة. كما تقدم بكين إعانات وحوافز ضريبية وامتيازات أخرى لتشجيع شركات التكنولوجيا المحلية على إعادة توظيف منتجاتها للأغراض الدفاعية. ويسمح دمج المنتجات المدنية في التطبيقات العسكرية لجيش التحرير الشعبي بالاستفادة من قطاع التكنولوجيا التجارية المتطور في الصين وقدراتها الصناعية المتقدمة، حيث أسهمت وتيرة التحديث والتجريب السريع في دفع تقدم مجالات مثل التصنيع الذكي والروبوتات وتقنيات البطاريات. ومن شأن هذا النهج أن يسهم في تدفق أحدث التقنيات إلى المؤسسة العسكرية.
تقليد أم منافسة؟
تشبه مجموعة من أفكار جيش التحرير الشعبي بشأن تبني الذكاء الاصطناعي برامج عسكرية أميركية كبرى. فالبنتاغون يعمل على تطوير مركبات غير مأهولة وذاتية التشغيل، ونماذج للرؤية الحاسوبية تحلل كميات هائلة من الصور والفيديوهات التي تجمعها الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة والكاميرات الأرضية لرصد الأهداف وتعقبها، إضافة إلى الصيانة التنبؤية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لاستشراف الأعطال قبل وقوعها. وعلى غرار خطة وزارة الدفاع الأميركية لاقتناء آلاف الطائرات المسيرة منخفضة الكلفة وقابلة للاستهلاك ضمن "مبادرة ريبليكيتور"، يطلب جيش التحرير الشعبي كميات كبيرة من المسيرات الصغيرة والرخيصة للحروب المقبلة. كما راجعنا طلبات عروض صينية بدت مشابهة بشكل لافت لمبادرة "القيادة والسيطرة المشتركة متعددة المجالات" في البنتاغون، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والشبكات الحاسوبية لربط مراكز القيادة والقوات والأسلحة التابعة لفروع الجيش المختلفة في ساحة قتال حديثة.
ويبدو أن بعض هذه التشابهات - ومنها الاختبارات المتوازية على خوارزميات الاستهداف والعمليات السيبرانية - تهيئ واشنطن وبكين للدخول في دورة سريعة من التطوير التقني المتتابع. وسيعتمد حسم المنافسة على الطرف الذي يستطيع تطوير وتوسيع قدرات جديدة وتحسينات عملياتية بوتيرة أسرع. ونظراً للتطور السريع في التكنولوجيا الدفاعية، قد تكون الأفضلية التقنية صعبة الاكتساب وقصيرة العمر.
وقد يلجأ جيش التحرير الشعبي إلى الذكاء الاصطناعي كبديل لنقص خبراته القيادية
لكن ليست كل مقاربات الجيش الصيني في الحرب المعززة بالذكاء الاصطناعي نسخة عن التجارب الأميركية. فكثير من المبادرات الأميركية المتعلقة باتخاذ القرار المدعوم بالذكاء الاصطناعي تركز على التخطيط وإدارة القوات، مثل مشروع "ثاندر فورج" Thunderforge لوضع الخطط العملياتية المشتركة، ونظام مافن سمارت Maven Smart من شركة بالانتير Palantir للاستهداف والوعي الميداني، وشبكة "جويت فايرز نتوورك" Joint Fires Network التابعة لقيادة المحيطين الهندي والهادئ. وإلى جانب ذلك، يطور جيش التحرير الشعبي أنظمة ذكاء اصطناعي لرصد الأخبار العالمية، وتحليل التوجهات السياسية للشعوب الأجنبية، والتنبؤ بالاضطرابات الاجتماعية، والتلاعب بإدراك الخصوم ووعيهم وقراراتهم.
وقد يكون التوازن بين القرار البشري والقرار الخوارزمي العامل الحاسم في هذه المنافسة. ففي حين يشترط الجيش الأميركي أن تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي ضمن "مستوى مناسب من الإشراف البشري" من قبل أفراد مدربين وذوي خبرة، قد يُغري الذكاءُ الاصطناعي جيشَ التحرير الشعبي كي يعتمد عليه بديلاً عن ضباطه ضعيفي الخبرة. لكن الاعتماد المفرط على تحليلات تنتجها الخوارزميات قد يقود إلى سوء فهم للإشارات العسكرية والدبلوماسية، واتخاذ قرارات عملياتية غير سليمة.
وتعتمد بعض تقنيات اتخاذ القرار التي طلبها الجيش الصيني، وفق وثائق المشتريات التي راجعناها، على بيانات مفتوحة المصدر. وقد يشجع ذلك الجيوش على التلاعب ببيئة المعلومات، مثل إغراق وسائل التواصل بإشارات مضللة أو تعطيل مزودي صور الأقمار الاصطناعية التجارية، بهدف تعزيز قدرات الحرب المعلوماتية. وتستهدف هذه الهجمات إرباك خصمهم وخداعه وإضعاف أدوات الذكاء الاصطناعي لديه، مما قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود.
التفوّق عبر الحوسبة
لا شك أن طريق الصين نحو تحقيق عملية التذكية لن يكون سهلاً. فلا يزال جيش التحرير الشعبي يواجه عقبات في إدماج الذكاء الاصطناعي عبر قواته وفي عملياته. وبحسب ما برهنت عليه الحرب في أوكرانيا، ثمة فارق بين تطوير تقنيات كالمسيرات المؤتمتة وتوظيفها بشكل فاعل في القتال للسيطرة على أراض متنازع عليها. فسرعة تدريب مشغلي الطائرات المسيرة، ووضع خطط الهجوم، وتجنب تدمير طائرة مسيرة صديقة عن طريق الخطأ، تُعد عوامل مهمة لا تقل عن القدرات التقنية للطائرات نفسها. وستكون وتيرة التبني عاملاً حاسماً في هذه المنافسة. علاوة على ذلك، يتطلب تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية بيانات هائلة لا تتوافر بسهولة على الإنترنت، مثل صور سرية للمنصات العسكرية أو البصمات الكهرومغناطيسية للرادارات والأسلحة المختلفة. ويعاني جيش التحرير الشعبي من محدودية الخبرة القتالية وافتقاره لكثير من هذه البيانات.
ومع ذلك، حتى لو فشلت بعض الأنظمة، فإن سرعة النمذجة الأولية والتجريب ستسرع عملية التعلم والتحسين لدى الجيش الصيني. وتستعد بكين لتبني ونشر أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية عملياتية بسرعة وفاعلية، ما يساعدها في تقليص الفجوة مع الجيش الأميركي. وينبغي لواشنطن أن تستلهم من هذا الجهد وتطور آليات أكثر مرونة للتجريب العسكري والمشتريات والتبني. فمنذ سنوات طويلة، تتحرك منظومة المشتريات الدفاعية الأميركية بوتيرة بطيئة جداً. وقد بدأ الكونغرس وإدارة ترمب معالجة هذا الخلل: إذ تضمن "قانون تفويض الدفاع للعام 2026" مجموعة إصلاحات لتقليص التأخيرات غير الضرورية، وتوسيع مسارات الشراء التجاري، ومنح المتعاقدين مرونة أكبر عند ظهور تقنيات جديدة. كما أصدر البيت الأبيض سلسلة أوامر تنفيذية لتسريع المشتريات من خلال الحد من الازدواجية وتركيز اتخاذ القرار. ووجه وزير الدفاع بيت هيغسيث البنتاغون إلى اعتماد "نهج زمن الحرب" في مواجهة العوائق التي تؤخر تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي ونشرها.
أولت الصين اهتماماً خاصاً بتطوير تقنيات الحرب الإدراكية
لكن إصلاح المشتريات وحده لا يكفي. فهناك حاجة ملحة لتثقيف المشغلين العسكريين حول مزايا الذكاء الاصطناعي ونقاط ضعفه المحتملة، لا سيما الأدوات المخصصة لاتخاذ القرار. وإضافة إلى التدريب، يحتاج المشغلون إلى إرشادات حول كيفية استخدام هذه الأنظمة بفعالية، وهو أمر صعب نظراً للتطور السريع لهذه التقنيات. وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك كثير من العمل المطلوب لضمان موثوقية هذه الأنظمة وشفافيتها وأمنها السيبراني، قبل أن يتمكن القادة من الاعتماد عليها بشكل ثابت. ويجب أن يدفع ذلك البنتاغون نحو علاقة أوثق مع مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، الخبراء العالميين في هذا المجال، وأن يتعاقد ليس فقط على التراخيص التقنية، بل على مهندسي حقول وعلماء بيانات لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي بشكل آمن وفعال. ولهذا السبب، يُعد فشل المفاوضات مع شركة "أنتروبيك" أمراً مقلقاً؛ إذ إن تعزيز الأمن القومي الأميركي يتطلب توثيق مثل هذه الشراكات، لا الدخول في صدامات علنية معها.
وفي السياق نفسه، يجب على قادة الأوساط الأكاديمية والصناعية والحكومية الاستعداد لمستقبل تسود فيه عمليات التضليل المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي تهدد المدنيين والعسكريين على حد سواء. وينبغي لواشنطن إعطاء الأولوية لوضع معايير وتنظيمات لإدارة المنافسة المعلوماتية، مع الحفاظ على القيم الديمقراطية وحرية التعبير. وسيكون تطوير أدوات للكشف عن المحتوى المزيف والرد عليه أمراً ضرورياً لضمان وصول القادة العسكريين إلى معلومات دقيقة عند اتخاذ قرارات مصيرية. وقد يتطلب ذلك إنشاء مؤسسات جديدة للبحث والتطوير والتعليم في مجال الحرب المعلوماتية. وفي غضون ذلك، تبقى القنوات الدبلوماسية والمحادثات غير الحكومية (Track II) مسارات أساسية لترسيخ معايير الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي العسكري.
لقد قطع جيش التحرير الشعبي شوطاً كبيراً في المرحلة الثالثة من تحديثه العسكري، وهو مصمم على تطوير الذكاء الاصطناعي لتحقيق تفوق عسكري على الولايات المتحدة. ورغم أن كثيراً من تجاربه ليست مفاجئة، فإن بعض التطبيقات المقترحة، خصوصاً أنظمة دعم القرار المعقدة وأدوات الحرب الإدراكية، تعزز مخاطر سوء التقدير وزعزعة الاستقرار. ومع استمرار الصين في تحديث جيشها عبر تبني التقنيات الناشئة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تلتزم هي الأخرى بالتجريب السريع للذكاء الاصطناعي، والتجريب المسؤول، والشراكات التجارية الذكية للحفاظ على تفوقها.
سام بريسنيك هو باحث زميل برنامج "أندرو دبليو مارشال" البحثي في "مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون.
إميليا بروباسكو هي باحثة بارزة في "مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة" بجامعة جورج تاون.
كول ماكفول هو باحث ومحلل بارز في "برنامج أندرو دبليو مارشال" في "مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة" بجامعة جورج تاون.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 2 مارس (آذار) 2026