ملخص
فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تأشيرات بعض قادة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" متهمةً إياهم بعرقلة جهود السلام، فيما رفضت الجبهة القرار واعتبرته منحازاً للحكومة الإثيوبية ومتجاهلاً إخفاقاتها في تنفيذ اتفاق بريتوريا. ويختلف المحللون حول دلالات الخطوة الأميركية؛ فبينما يراها البعض مؤشراً إلى تحميل الجبهة مسؤولية تصاعد التوترات، يعتبرها آخرون أداة ضغط محدودة لدفع الطرفين نحو استئناف الحوار وتنفيذ الاتفاقية.
رفضت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF) قرار وزارة الخارجية الأميركية بحظر تأشيرات دخول بعض مسؤوليها إلى الولايات المتحدة الأميركية، واصفةً إياه بأنه "قاسٍ وغير متوازن".
وفي بيان رسمي صدر يوم الجمعة 19 يونيو (حزيران) 2026، اتهمت الجبهة الولايات المتحدة بعدم مراعاة الواقع في تيغراي وإعفاء الحكومة الإثيوبية من المسؤولية.
وانتقدت القرار قائلة "نشعر بقلق بالغ إزاء حظر التأشيرات الأخير، الذي يستند إلى تقييم خاطئ وغير متوازن للوضع، ويتجاهل استمرار تقاعس الحكومة الفيدرالية الإثيوبية عن تنفيذ التزاماتها بموجب اتفاقية بريتوريا، محملةً ‘جبهة تحرير شعب تيغراي‘ وحدها المسؤولية"، بعد رفض منح التأشيرات يوم 18 يونيو لبعض مسؤولي الحزب وعائلاتهم.
وكانت الوزارة الأميركية قد أكدت أن "تصاعد التوترات بين الحكومة الإثيوبية و‘الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي‘ قد يُشعل فتيل صراع يُهدد السلام والأمن في شمال إثيوبيا والمنطقة بأسرها". وجاء في البيان، الصادر عن المتحدث باسم الوزارة، توماس بيغوت، أن قيود التأشيرات "تستهدف الأفراد الذين يعملون على عرقلة حل الأزمة في إقليم تيغراي أو الذين يتعاونون معهم".
إدراك أميركي
من جهته، قال مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون القرن الأفريقي، غيتاشيو رضا، (الرئيس السابق لحكومة تيغراي) إن العقوبات التي فرضتها واشنطن على أعضاء الجبهة وأفراد أسرهم، تؤكد الإدراك الأميركي للواقع السياسي في إثيوبيا، وتكشف أن الإدارة الأميركية تحمل قادة الجبهة مسؤولية تصاعد التوترات في شمال إثيوبيا.
فيما لم يعلق مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي أو وزارة الخارجية الإثيوبية على الإجراءات المتخذة من قبل واشنطن.
يتزامن ذلك مع تحركات يرعاها الاتحاد الأفريقي لإطلاق مفاوضات بين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، للتباحث حول سبل تطبيق اتفاقية بريتوريا للسلام، في الوقت الذي أعلنت فيه الجبهة تجميدها بنود الاتفاقية، متهمة الحكومة الفيدرالية بتعمد عرقلة تطبيقها بطريقة ممنهجة، ومنع حصول الإقليم على الموازنة السنوية، إضافة إلى تمديد رئيس الوزراء آبي أحمد، فترة رئاسة الجنرال تادسي وردي على رأس حكومة تيغراي من دون التقيد بالالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية. فيما تتهم الحكومة الفيدرالية، قيادة جبهة التيغراي، بالتنسيق مع جهات أجنبية على رأسها إريتريا، لتعطيل الاتفاقية والاستعداد لجولة جديدة من النزاع المسلح.
فهل انحازت واشنطن لسردية أديس أبابا، مقابل سردية مقلي؟ وهل فرض حظر التأشيرات على بعض القادة في "جبهة تحرير تيغراي" يمثل مقدمة لموقف أميركي يهدف للضغط على الجبهة، من أجل التراجع عن تدابير تجميد الاتفاقية؟
إدانة مسبقة
بدوره، يرى المتخصص في الشؤون الإثيوبية بيهون غيداون، أن الموقف الأميركي يضع علامات واضحة للجهة المتسببة في توتير الأوضاع في تيغراي، بخاصة وأنه حدد شخصيات بعينها من الجبهة يتهمها بالتسبب في العبث بالاتفاقية، واتخاذ مواقف متشددة ضد الحكومة المركزية.
ويرى أن "الجبهة التي طالما حظيت بالتأييد والرعاية الأميركيتين، بخاصة أثناء حكمها لإثيوبيا، ثم أثناء فترة الحرب في الإقليم (2020- 2022)، تواجه الآن انتقاداً رسمياً أميركياً، وتحميلاً للمسؤولية"، مشيراً إلى أن "حلفاء الجبهة في واشنطن بمعظمهم هم من المعسكر الديمقراطي، وأن الإدارة الجمهورية الحاكمة الآن في واشنطن تعيد دراسة الأمور بصورة موضوعية، بعيداً من عامل التحالف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويُقدر المتخصص في الشؤون الإثيوبية أن تشهد الفترة المقبلة ضغوطاً تتخطى حظر التأشيرات وربما تصل إلى تجميد الحسابات البنكية لقيادات نافذة داخل الجبهة، لا سيما العسكريين الذي يسهمون بصورة كبيرة في توتير علاقات الإقليم مع أديس أبابا، في حين لا يخفون تحالفهم مع النظام الإريتري.
وينوه غيدوان إلى أن الجهود الدبلوماسية الإثيوبية بدأت تؤتي ثمارها الآن، وأن الإدارة الأميركية تنظر إلى ما يسمى بـ "تحالف تيسمدو" بين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" والنظام الإريتري وبعض التنظيمات المسلحة في إقليم أمهرة، بنوع من الريبة والشك.
أوراق أسمرة الرابحة
ويرجح أن يكون مشروع "تيسمدو" ضمن أجندات الحوار الأميركي - الإريتري المرتقب، بخاصة بعد تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سعي حكومته لإعادة تقييم العلاقات مع أسمرة وفتح صفحة جديدة، مشيراً إلى أن المساعي الأميركية قد تفضي في نهاية المطاف إلى دفع كل من أسمرة وأديس أبابا إلى حوار مباشر حول كافة القضايا العالقة، ومن ثم فإن من الرجاحة أن تفكر "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في استباق مثل هذا المسار عبر قبول مسار الحوار الثنائي مع إثيوبيا والذي اقترحه الاتحاد الأفريقي، عوض أن تتحول إلى "ورقة ضغط " للنظام الإريتري في حواره المحتمل مع أديس أبابا.
ويرجح غيداون أن تعمل أسمرة على استثمار تحالفاتها مع القوى الإثيوبية في تيغراي وأمهرة لتحسين علاقاتها مع واشنطن.
عقوبات محتملة
ويتوقع المتحدث ذاته أن تشهد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" صراعات داخلية نتيجة القرار الأميركي الأخير، بين جناح متضرر من العقوبات وآخر يحاول النفاذ منها، بخاصة في ظل تردد معلومات عن امتلاك عدد من قادة الجبهة حسابات بنكية طائلة في واشنطن ونيويورك، وهي معلومات تتجاوز خانة الاتهامات، إذ أكدت لجان مراقبة شكلتها حكومة التغيير في عام 2018، أن ثمة حسابات في عواصم غربية، من بينها واشنطن، تابعة لمسؤولين إثيوبيين سابقين، جرى تحويل أموال طائلة إليها خلال العقود الثلاثة التي أدارت فيها الجبهة الشعبية الحكم في أديس أبابا.
ويضيف "وكانت الجبهة خلال فترة حكمها لإثيوبيا تدفع أموالاً طائلة للوبيات أميركية ظلت تسوق سرديتها السياسية، وتبرر انتهاكاتها الواسعة"، مشيراً إلى أن "ابتعادها عن مراكز القرار منذ عام 2020 أفقدها الموارد المالية، وتأثيرها في صناعة القرار المتعلق بإثيوبيا".
تدابير محدودة
من جهته، يرى المحلل السياسي التيغراوي محاري سلمون أن "التدابير الأميركية المتعلقة بحظر التأشيرات لبعض قادة الجبهة، لا ينبغي تفسيره باعتباره موقفاً أميركياً منحازاً إلى سردية أديس أبابا بشأن أسباب التوتر بين المركز والإقليم، بل كمحاولة محدودة للضغط على أشخاص نافذين داخل الجبهة في سبيل إطلاق مبادرات للحوار".
وأشار إلى أن "واشنطن لم تصدر أي بيان رسمي يتضمن دعمها للموقف الإثيوبي، بل على العكس من ذلك ثمة تصريحات صادرة من أعلى هرم في السلطة الأميركية تنتقد المواقف الرسمية الإثيوبية، من بينها تصريح الرئيس ترمب بشأن سد النهضة والنزاعات القائمة في الإقليم، ومن ثم فإن محاولة تصوير الأمر على أنه أشبه بمعاقبة طرف ومكافأة طرف آخر تصور خاطئ".
وينوه سلمون إلى أن "العلاقات بين أديس أبابا وواشنطن تشهد فتوراً واضحاً وأزمة حقيقية، إذ أعلنت أميركا على لسان رئيسها أنها تقف إلى جانب مصر ضد إثيوبيا، كما حدث في لقاء ترمب السيسي الأخير".
ولفت إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تكشف فيها إدارة أميركية بطريقة علنية أن "إثيوبيا عاملت مصر بطريقة غير منصفة"، وأن واشنطن ستعمل على حل هذه المسألة، مما يؤشر على حجم الأزمة في العلاقات التاريخية بين إثيوبيا وأميركا.
ويتابع سلمون أن "تدابير حظر التأشيرات التي اتخذتها وزارة الخارجية الأميركية تجاه بعض الأفراد داخل الجبهة الشعبية لا يمثل تحدياً كبيراً، قياساً بحجم التحدي الذي تواجهه حكومة أديس أبابا في ملفات أخرى مع واشنطن، وبوجه خاص ملف النيل".
مصلحة التدويل
ويرى المتخصص في الشأن التيغراوي أن ثمة قنوات مباشرة للحوار بين الجبهة وواشنطن قد تسمح بإعادة تقييم الأمور بصورة منصفة، مشيراً إلى أن "رد الجبهة الشعبية على التدابير الأميركية بدا هادئاً ومتوازناً، مما يكشف هشاشة التصور الذي يجري تسويقه من قبل إثيوبيا عن وجود أزمة في علاقات الإقليم مع الولايات المتحدة".
ويرى سلمون أن من مصلحة تيغراي دخول واشنطن على خط تصحيح المسار بشأن آليات تطبيق اتفاقية بريتوريا، لجهة النفوذ الذي تتمتع به لدى الطرفين.
ونوه أن إعلان الجبهة "تعليق العمل بالاتفاقية" يهدف بالأساس إلى لفت انتباه المجتمع الدولي والولايات المتحدة بصورة خاصة، للتحديات التي تواجه عملية تنفيذ الاتفاق، بخاصة في ظل انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى مثل الحرب في إيران وأوكرانيا وغزة وغيرها.
وختم إفادته قائلاً إن "تدويل الأزمة في مصلحة تيغراي وليس العكس، إذ إن مصلحة التيغراويين هي التطبيق الأمثل للاتفاقية، في حين أن أديس أبابا تتجه للمماطلة في تنفيذ الالتزامات من خلال عودة النازحين وإشراك الجبهة في اختيار حكومة الإقليم وإطلاق الموازنة السنوية وتوفير المواد الأساسية".