ملخص
يرى مختصون أن ما يواجه دجلة اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات طويلة ارتبطت بالنمو السكاني والتوسع العمراني وضعف البنى التحتية، الأمر الذي جعل أحد أهم الرموز الحضارية للعراق أمام تحديات بيئية غير مسبوقة.
لم يعد تلوث نهر دجلة في بغداد ملفاً بيئياً فحسب، بل تحول إلى قضية وطنية تتقاطع فيها الجوانب الصحية والخدمية والاقتصادية، وسط تحركات حكومية متسارعة لإنقاذ النهر من التدهور المتواصل، ومطالبات متزايدة من الأوساط الإعلامية والبيئية بضرورة الانتقال من الحلول الموقتة إلى استراتيجية شاملة تعالج تراكمات عقود طويلة.
خلال الأيام الماضية، شهد الملف زخماً لافتاً مع إعلان أمانة بغداد ووزارة البيئة جملة من الإجراءات والمشاريع الجديدة، بالتزامن مع إطلاق مجموعة من الصحافيين والإعلاميين العراقيين مناشدة وطنية طالبت السلطات التنفيذية والرقابية والقضائية بالتحرك العاجل لوقف تصريف المياه الثقيلة والمخلفات غير المعالجة إلى مجرى النهر.
ويرى مختصون أن ما يواجه دجلة اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات طويلة ارتبطت بالنمو السكاني والتوسع العمراني وضعف البنى التحتية، الأمر الذي جعل أحد أهم الرموز الحضارية للعراق أمام تحديات بيئية غير مسبوقة.
مشاريع حكومية وخريطة طريق
في إطار التحركات الحكومية، عقد وكيل أمانة بغداد للشؤون الفنية الدكتور علي حسن لفتة اجتماعاً ضم ممثلين عن وزارة البيئة ودائرة مجاري بغداد والجهات المختصة، فضلاً عن شركات متخصصة بمعالجة المياه، لبحث واقع التلوث ووضع حلول آنية وأخرى استراتيجية للحد من تدفق الملوثات إلى النهر.
وتركزت المناقشات على استمرار تنفيذ المشاريع البيئية والاستراتيجية، ومن بينها إنجاز سبع وحدات معالجة، وإنشاء محطات رفع ووحدات معالجة ضمن الخط الناقل الشمالي الشرقي (الخنساء)، فضلاً عن توسعة مشروع معالجة مجاري الكرخ – البوعيثة، وإنشاء محطة رفع ووحدة معالجة ضمن الخط الاستراتيجي البديل عن قناة الشرطة.
وناقش الاجتماع إمكانية اعتماد وحدات معالجة مدمجة في المواقع الحرجة بوصفها حلولاً سريعة لتخفيف الأحمال عن المنظومات الحالية وتقليل كمية التصاريف الملوثة قبل وصولها إلى نهر دجلة.
واتفقت أمانة بغداد ووزارة البيئة على وضع خريطة طريق لمعالجة التلوث على مراحل، مع استحصال الموافقات الأصولية اللازمة لتنفيذ المقترحات المطروحة.
تراكمات عمرها عقود
بدوره، قال المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل، إن جزءاً كبيراً من المشكلة الحالية يعود إلى شبكات قديمة أُنشئت في الأساس لتصريف مياه الأمطار، قبل أن تتحول بفعل التجاوزات والربط غير القانوني إلى منافذ لتصريف مياه الصرف الصحي.
وأكد الجنديل، في تصريح صحافي، أن هذه المنافذ تعود إلى عقود طويلة، ومع التوسع السكاني والنمو العمراني غير المنظم جرى ربط عديد من شبكات الصرف الصحي المنزلية بها، الأمر الذي تسبب بزيادة كميات المياه الملوثة المتجهة إلى نهر دجلة. وأضاف أن الملف يمثل تراكمات ممتدة عبر أعوام طويلة، وقد وضعته أمانة العاصمة ضمن أولوياتها، من خلال تنفيذ مشاريع استراتيجية لمعالجة الخلل في المنظومة الخدمية.
وكشف أن محطة الرستمية ستدخل الخدمة قريباً بطاقة تصل إلى 105 آلاف متر مكعب يومياً، فيما يجري تنفيذ محطة جديدة في جانب الرصافة بطاقة 200 ألف متر مكعب يومياً، إضافة إلى مشروع محطة جانب الكرخ بطاقة 351 ألف متر مكعب يومياً.
قراءة في الطرح الحكومي
من جانبه، رأى الاختصاصي في شؤون الإدارة المحلية أحمد الساعدي، أن حديث أمانة بغداد يعكس اعترافاً رسمياً بأن المشكلة ذات طبيعة بنيوية وليست ظرفية، مشيراً إلى أن الأزمة الحالية تمثل نتيجة تراكمات امتدت لعقود.
وقال الساعدي، إن الرهان على مشاريع محطات المعالجة الجديدة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي بمفرده، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بقدرات المعالجة، بل بوجود شبكات متهالكة وتجاوزات مستمرة وضعف في الرقابة.
وأشار إلى أن المشكلة تتطلب إعادة هيكلة كاملة لمنظومة الصرف الصحي، بالتوازي مع تشديد الإجراءات ضد حالات الربط غير القانوني، فضلاً عن التنسيق بين أمانة بغداد والوزارات المعنية والحكومات المحلية، لافتاً الانتباه إلى أن نجاح أي خطة حكومية يبقى مرتبطاً بسرعة الإنجاز، لأن استمرار التلوث سيجعل كلفة الإصلاح أكبر في المستقبل.
تعدد مصادر التلوث
بدورها، أوضحت المتخصصة في الشأن البيئي، إقبال لطيف جابر، أن أزمة دجلة تتجاوز حدود مياه الصرف الصحي، مشيرة إلى وجود مصادر متعددة للتلوث تشمل المخلفات الصناعية والزراعية وضعف كفاءة بعض محطات المعالجة.
وقالت جابر، إن نهر دجلة يواجه ضغوطاً بيئية خطرة نتيجة تعدد مصادر التلوث، فضلاً عن توقف بعض محطات المعالجة أو انخفاض كفاءتها، الأمر الذي يؤدي إلى تصريف المياه الخام مباشرة إلى النهر. وأضافت أن التلوث لم يعد يقتصر على نوعية المياه، بل امتد إلى الثروة السمكية والزراعة والمياه الجوفية، نتيجة تراكم العناصر الثقيلة والملوثات الكيماوية.
وأكدت أن الحلول الحقيقية تتطلب تحديث البنى التحتية ووضع خطة وطنية طويلة الأمد لإدارة ملف المياه، لأن المعالجات الجزئية لن تكون كافية لإنهاء الأزمة.
في حين، أعرب المتخصص في الشأن البيئي الدكتور نزار الخفاجي عن اعتقاده بأن أزمة نهر دجلة ترتبط بغياب الإدارة المتكاملة للموارد المائية، موضحاً أن العراق لا يواجه أزمة تلوث فقط، بل أزمة إدارة للملف المائي برمته، فهناك ضغوط ناجمة عن التغير المناخي وتراجع الإطلاقات المائية وارتفاع درجات الحرارة، مما يجعل قدرة النهر على تخفيف تركيز الملوثات أقل مما كانت عليه في السابق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونبه إلى أن الاعتماد على محطات المعالجة وحدها لن يكون كافياً، لأن المشكلة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الرقابة البيئية، وتنظيم النشاط الصناعي، ومنع التجاوزات، وتطوير التشريعات الخاصة بحماية الموارد المائية، موضحاً أن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة سيؤدي إلى مضاعفة الأضرار البيئية والصحية والاقتصادية.
إجراءات قانونية
وزيرة البيئة العراقية سروة عبدالواحد سبق وأعلنت من جانبها اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق الجهات المتسببة بتلوث نهر دجلة، مؤكدة أن التجاوزات التي جرى رصدها تمثل تهديداً مباشراً للموارد المائية وصحة المواطنين.
ووجهت الوزيرة الدائرة القانونية ومديرية بيئة بغداد باتخاذ أقصى الإجراءات بحق المخالفين مع استمرار الجولات الميدانية في بغداد والمحافظات، فضلاً عن تكثيف التنسيق مع أمانة بغداد لاستكمال مشاريع خطوط ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
نداء إعلامي لإنقاذ دجلة
وفي موازاة التحركات الرسمية، أطلق عدد من الصحافيين والإعلاميين العراقيين مناشدة وطنية دعوا فيها إلى وقف مصادر التلوث وتسريع تشغيل وتطوير محطات المعالجة، وإعداد خطة وطنية شاملة لحماية نهري دجلة والفرات.
وطالب التجمع بفتح تحقيقات عاجلة لتحديد الجهات المسؤولة عن الانتهاكات البيئية، وتحميلها المسؤولية القانونية، فضلاً عن مواصلة وسائل الإعلام تسليط الضوء على التجاوزات التي تهدد النهر.
وأكد البيان أن إنقاذ دجلة لم يعد مطلباً بيئياً فقط، بل مسؤولية وطنية تتعلق بحماية تاريخ العراق وحاضره ومستقبله، محذراً من أن تأخير المعالجات سيجعل كلفة الإصلاح أكثر صعوبة في الأعوام المقبلة.
وبينما تتواصل التحركات الحكومية والضغوط المجتمعية، يرى محللون أنها تعتمد على قدرة الدولة للانتقال من سياسة ردود الأفعال والحلول الموقتة إلى مشروع وطني طويل الأمد، يضع حماية الأنهار العراقية ضمن أولويات الأمن البيئي والمائي للبلاد.