Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المأساة ماثلة... جفاف دجلة يكشف آثارا لقرية عراقية مطمورة

ظهورها يوضح كيف تغيرت جغرافيا الموصل مع بناء السدود وتحول مجرى النهر

ظهور هذه القرية يكشف كيف تغيرت جغرافيا الموصل مع بناء السدود (مواقع التواصل)

ملخص

بات انحسار المياه يضرب الزراعة العراقية بقوة، حيث يقول المزارع أبوعلي من محافظة واسط، "أرضي كانت تنتج القمح والشعير. اليوم صارت قاحلة، لم يعد يصل إلينا ماء كاف من النهر. اضطررت لترك الزراعة والبحث عن عمل آخر".

في الأيام الماضية، فوجئ سكان مدينة الموصل بظهور قرية مطمورة تحت مياه نهر دجلة، بعدما انحسرت مناسيب النهر بصورة كبيرة بسبب موجة جفاف غير مسبوقة. الجدران الحجرية والطينية، والمسجد الصغير، وحتى بعض الأزقة القديمة، عادت إلى السطح وكأنها رسالة من الماضي تذكر العراقيين بما كان وما هو قادم.

لكن المشهد الذي أثار فضول الأهالي والباحثين لم يكن مجرد حدث محلي، بل علامة على أزمة وطنية كبرى تضرب العراق من شماله إلى جنوبه، إذ يهدد الجفاف نهري دجلة والفرات، ويكشف عن عمق أزمة المياه التي قد تغير شكل الحياة في البلاد.

قرية منسية تطفو على السطح

في الضفة الغربية للموصل، وقف السكان مذهولين أمام القرية التي ظهرت فجأة. يقول الباحث في الآثار الدكتور محمد الحمداني، "المعالم التي برزت تشير إلى قرية قديمة تعود لعقود طويلة من الزمن. بعض الجدران بنيت بالحجر الجيري، وأساسات مسجد صغير لا تزال واضحة بصورة تثير الدهشة. إنها فرصة نادرة لقراءة تاريخ ظل مدفوناً تحت المياه لعقود".

يؤكد الحمداني أن ظهور هذه القرية يكشف أيضاً كيف تغيرت جغرافيا الموصل مع بناء السدود وتحول مجرى النهر. "لكن الأهم أن هذه الظاهرة لم تكن لتحدث لولا التراجع الحاد في مناسيب دجلة"، بحسب الحمداني.

أزمة وطنية من دجلة إلى الفرات

المشهد في الموصل ليس معزولاً، بل يتكرر في أنحاء العراق. في الجنوب، بدأت الجزر تظهر وسط نهر الفرات قرب الناصرية والديوانية، وتحولت مجاري الأنهار الفرعية إلى أراض جرداء.

 

يشرح المتخصص المائي الدكتور ضياء الربيعي قائلاً "العراق اليوم يفقد نسباً عالية من موارده المائية بسبب السدود في تركيا وإيران، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار، ما نراه من قرى مطمورة في الموصل قد يتكرر في مواقع أخرى، وقد نرى خلال أعوام مدناً صغيرة مهددة بالزوال إذا استمر الجفاف".

تداعيات على الزراعة والأمن الغذائي

بات انحسار المياه يضرب الزراعة العراقية بقوة، حيث يقول المزارع أبوعلي من محافظة واسط، "أرضي كانت تنتج القمح والشعير. اليوم صارت قاحلة، لم يعد يصل إلينا ماء كاف من النهر. اضطررت لترك الزراعة والبحث عن عمل آخر".

ويحذر المتخصص البيئي الدكتور فارس الإبراهيمي من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الغذائي، "العراق يعتمد على نهريه لتأمين أكثر من 70 في المئة من موارده الزراعية. إذا فقدنا هذه المياه، سنعتمد كلياً على الاستيراد، وهذا كارثي على المدى البعيد".

الأبعاد الاجتماعية... النزوح والعطش

مع تراجع المياه، بدأت بعض القرى في الأنبار وذي قار تفقد مقومات الحياة. تقول أم علاء من ريف الناصرية، "كنا نعتمد على نهر الفرات للشرب والزراعة. الآن ننتظر صهاريج الماء التي تجلبها المحافظة. نفكر بترك القرية والانتقال إلى المدينة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الباحث الاجتماعي الدكتور خالد العرداوي يرى أن أزمة المياه ليست بيئية فحسب، بل تهديد اجتماعي، "عندما تفقد القرى مصادر المياه، يبدأ النزوح نحو المدن، مما يخلق ضغطاً عمرانياً وخدماتياً هائلاً. الأزمة المائية قد تتحول إلى أزمة سكانية وأمنية".

آثار مدفونة تعود للسطح

الجفاف كشف أيضاً عن مواقع أثرية غارقة. ففي مناطق قريبة من سد الموصل، ظهرت قرية تعود إلى عشرات السنين، بينما في الجنوب برزت بقايا مواقع طينية قديمة.

تقول الباحثة الأثرية ليلى الحيدري، "ظهور هذه المواقع فرصة كبيرة للبحث العلمي، لكنها في الوقت نفسه مأساة لأنها تكشف ثمن الجفاف. يجب توثيقها بسرعة قبل أن تتعرض للتلف أو النهب".

البعد الإقليمي والسياسي

الأزمة المائية في العراق مرتبطة أيضاً بالسياسة الإقليمية. يقول المتخصص في العلاقات الدولية الدكتور علي السامرائي، "تركيا تعد دجلة والفرات نهرين عابرين للحدود وليسا دوليين، وهذا يسمح لها ببناء السدود وتقليص حصة العراق. أما إيران فحولت مسارات بعض الروافد. الحل لا يمكن أن يكون محلياً فحسب، بل عبر مفاوضات إقليمية وضغط دولي".

 

ويضيف السامرائي، "العراق في حاجة إلى اتفاقات طويلة الأمد تضمن حصصه المائية، وإلا فإن السنوات المقبلة ستكون أصعب".

بين الماضي والمستقبل: ذاكرة الماء

القرية المطمورة التي ظهرت في الموصل ليست سوى وجه واحد من وجوه الأزمة. فهي تربط بين الماضي الذي غمرته مياه النهر، والحاضر الذي يجف فيه النهر، والمستقبل الذي لا يبدو مطمئناً.

"نحن أمام مفارقة حزينة". يقول الباحث في الآثار محمد الحمداني "المياه التي غمرت القرى في الماضي هي نفسها التي نفتقدها اليوم".

وشدد على أن ظهور قرية مطمورة تحت نهر دجلة في الموصل أعاد للأذهان قصص الغرق القديمة، لكنه في الوقت نفسه فتح أعين العراقيين على كارثة الجفاف المقبلة، ما جرى ليس حدثاً أثرياً فحسب، بل جرس إنذار بأن العراق يدخل مرحلة عطش تهدد تاريخه وحاضره ومستقبله.

واختتم الحمداني "العراق اليوم يقف أمام سؤال مصيري: هل سيبقى بلد الرافدين بلداً للنهرين، أم إن دجلة والفرات سيتحولان إلى ذكريات غابرة مثل القرى المطمورة؟".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات