Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حد الكفاف يفرض نفسه على معيشة السودانيين

الغلاء يسحق قدرتهم الشرائية والفقر والعوز يطاردان 73% من السكان

يشهد السودان موجة متواصلة من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية والغذاء (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

يؤكد وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم أن تدهور سعر صرف العملة الوطنية انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة.

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع حرب السودان، يبدو أن المعركة انتقلت من ميادين ومحاور القتال إلى داخل البيوت والمطابخ الخاوية، بموجة متواصلة من ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية والغذاء، ومع الانهيار غير المسبوق والمتواصل في سعر صرف وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام خيارات العيش على حد الكفاف، في معركتهم من أجل البقاء في ظل أسواق مشتعلة وعملة متهاوية وقدرة شرائية تتلاشى يوماً بعد يوم.

تقليص الاحتياجات

مع التدهور الحاد في المستوى المعيشي واتساع رقعة العوز، انعكست الأزمة على أنماط حياة الأسر، ولجأت بعضها إلى تقليص احتياجاتها الغذائية، بينما يعيش كثيرون على وجبة واحدة، وارتفع عدد المترددين على التكايا والمطابخ المجتمعية بصورة غير مسبوقة.

في السياق يستصرخ المواطن (المعلم) حسن أبو زيد الحكومة في سرعة التحرك، لأن قدرة الناس على التحمل قد استنفدت بالكامل ولم يعد بمقدورهم التحمل أكثر، فهو بات يسأل عن سعر الصرف كل صباح قبل أن يذهب إلى السوق ليشتري السكر أو الدقيق أو الزيت أو غيرها من احتياجاته الأساسية، بعيداً من تكاليف الصحة والتعليم والتنقل.

عناء الوجبة

يوضح أبوزيد أنه لم يستلم مستحقاته المالية منذ أشهر، وحتى عند استلام راتبه فهو لم يعد يغطي كلفة المعيشة لثلاثة أيام، مبيناً أن هذا الوضع لا يقتصر على المعلمين فقط، بل يتجاوزهم إلى كل العاملين بالقطاع العام، إذ لم تعد الأجور تغطي ثلاثة في المئة من تكاليف المعيشة الأساسية نتيجة للغلاء الجامح، بينما سحقت شريحة المعاشيين بضغوط تجعل الحياة أمراً شبه مستحيل.

يردف المتحدث "أصبحت كلفة تدبير وجبة واحدة متواضعة تتجاوز متوسط دخل كثيرين، مما دفع عدداً من العائلات كانت قبل الحرب تعتبر من الطبقة المتوسطة إلى شراء كميات متناهية التواضع أو اللجوء إلى (التكايا) المطابخ الجماعية، في انحدار اقتصادي واجتماعي محزن سحق تلك الطبقة نهائياً".

باقات الكفاف

على نحو متصل يقول تاجر الجملة بسوق أم درمان أحمد العطا أن الأسواق شبه مغلقة، بعد أن أوقف عدداً كبيراً من التجار البيع، انتظاراً لاستقرار سعر الجنيه تفادياً للخسائر.

تماشياً مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، بدأ التجار التجزئة يجترحون (باقات) مصغرة من السلع بحسب الحوجة، تشمل كل (حزمة) مقادير صغيرة متنوعة تكفي لإعداد وجبة واحدة للأسرة مثل (ربع كيلوغرام عدس، كيس زيت صغير، ثلاث بصلات، مظروف صلصة صغير)، كأقل حزمة بنحو 25 ألف جنيه، (الدولار يعادل 8 آلاف جنيه سوداني بالموازي)، مشيراً إلى أنه وللمرة الأولى يلجأ الناس إلى شراء قطعة طعمية أو طماطم أو ليمونة واحدة.

ومع الركود وضعف المشتريات ابتدع الجزارون أيضاً وزناً صغيراً من اللحم، وهو نصف وزن ربع الكيلوغرام، أي "ثمن كيلوغرام"، وأطلقوا عليه مصطلح "المسكول" المستوحى من رنة الهاتف القصيرة لتنبيه الطرف الآخر بمكالمة فائتة، وذلك بعدما تجاوز سعر الكيلوغرام الكامل مبلغ 50 ألف جنيه وبات صعب المنال.

يوضح الجزار ياسر المعز، أن الفكرة جاءت تقديراً للظروف التي يمر بها الناس ومن أجل إنعاش حركة الشراء في الوقت نفسه، وقد وجدت إقبالاً وحققت نجاحاً جيداً، لأن "المسكول" يبدو سعره في متناول بعض الأسر التي كانت من قبل تشترى أوزاناً أكبر، بينما لا تزال بعض العائلات لا تقوى حتى على شراء هذه الكمية.

البيع المخفض

ضمن أبرز الحلول التي اقترحتها الحكومة لمكافحة الغلاء الفاحش، فتح ما يعرف بمنافذ للبيع (المخفض) للمواطنين، وهي محال لبيع السلع من المصنع مباشرة إلى الجمهور بأسعار أقل قليلاً من السوق.

وكان اجتماعاً وزارياً موسعاً برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس ناقش تدابير لتخفيف أعباء المعيشة على المواطن، ووجه بالإسراع في تفعيل مراكز البيع المخفض بالعاصمة والولايات لمقابلة احتياجات المواطنين من السلع الاستهلاكية بأسعار مخفضة.

يعلق التاجر التجزئة العطا فتح منافذ للبيع المخفض، بأن المشكلة أصبحت أكبر من ذلك كونها مجرد معالجات وحلول موقتة، بينما تظل الأسباب الحقيقية وراء الارتفاع المطرد في الأسعار قائمة من دون حلول، لأن هذه المنافذ نفسها تتعرض لزيادات في الأسعار من منشأها داخل المصانع.

يشير العطا إلى أن الأمر لا يتوقف عند ارتفاع أسعار السلع وحدها، بل هو ارتباك مصحوب بفوضى عارمة في البيع والتسعير وانعدام السيولة وتعطل التطبيقات البنكية المتكرر، حتى أن السلعة نفسها يصبح لها أكثر من سعر في اليوم الواحد ومن متجر إلى آخر، لأن أسباب الغلاء أصبحت متجذرة في صلب اقتصاد البلاد.

الحرب والأزمة

على الصعيد ذاته يرجع المحلل الاقتصادي أزهري عبدالمجيد الأسباب الرئيسة للغلاء إلى الأزمة الاقتصادية  العامة واختلال الميزان الخارجي والمضاربات في سوق العملات وما أفرزته من ارتفاع كبير في الطلب على النقد الأجنبي، مما تسبب في انهيار تاريخي لقيمة العملة المحلية وتفاقم التضخم، مضافاً إليه تداعيات الحرب والشلل الواسع الذي ضرب قطاعات الإنتاج، ودمر سلاسل الإمداد، وطرق التجارة الداخلية والخارجية.

 

 

وفق عبدالمجيد لعبت السياسات الجبائية دوراً في استفحال أزمة الغلاء والضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة على المستويات المركزية والولائية والمحلية في سياق البحث عن موارد لتغطية العجز، شكل عبئاً إضافياً على التجار وانعكس بالتالي على المستهلكين.

طالب المحلل الحكومة بالبحث عن معالجة الأسباب الجذرية لارتفاع معدلات التضخم وخلل ميزان المدفوعات، فضلاً عن أن العامل الحاسم يبقى في ضرورة توقف الحرب يحرر عملات حرة كانت تستخدم في توفير مدخلات القتال، وهو عبء ضخم يرهق الموازنة الدولة ولا يترك نصيباً للخدمات والمعيشة.

مبررات رسمية

رسمياً يقر وزير المالية جبريل إبراهيم أن تدهور سعر صرف العملة الوطنية انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة.

عزا إبراهيم التراجع المطرد في سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، وأن زيادة حجم الواردات مقارنة بالصادرات تمثل أحد أهم أسباب ارتفاع الدولار، إلى جانب تسبب أزمة مضيق هرمز في رفع فاتورة الواردات.

وعلى رغم تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني لحاجز 8 آلاف في مقابل الدولار الأميركي الواحد في السوق الموازية، إلا أن إبراهيم يبدو متفائلاً بقدرة الاقتصاد السوداني على الصمود، ويعتقد أن هناك حرباً أخرى تتمثل في مضاربات سوق النقد التي تستهدف إضعاف الدولة وتركيعها.

ملاذ التكايا

في هذا الوقت ومع ازدياد الضغوط المعيشية وحالة العوز يندفع مزيد من الناس نحو التكايا، باعتبارها الملاذ الأخير الذي يمكن أن يعين الضعفاء على الصمود.

يقول الريح عبدالقادر، أحد مشرفي تكية "ميدان البليلة" أنها تشهد صفوفاً غير مسبوقة منذ الصباح الباكر، في انتظار توزيع مواد تموينية ضئيلة، لذلك فهم يقضون الليل في ميدان البليلة لكيلا يفوتهم التوزيع فجراً.

وللمرة الأولى منذ أكثر من عامين، وفق عبدالقادر، أصبح الناس يفدون إلى الميدان منذ الساعة الثانية فجراً ويقضون بقية ليلتهم هناك للظفر بموقع متقدم في الطابور، على رغم أن التوزيع لا يبدأ إلا بعد الساعة السابعة صباحاً.

يردف المتحدث "من الموجع جداً أن ترى أماً بلا عائل أو عمل وهي تعيل أيتاماً، تقضي ليلها في ميدان البليلة لتؤمن حجز مكانها في الطابور، كونها لا تحتمل أن يفوتها الدور في التوزيع وتعتمد اعتماداً تاماً على ما تحصل عليه من التكية".

ضغوط وتقلص

لكن المطابخ الخيرية والتكايا باتت تواجه هي نفسها أزمة بقاء نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وتآكل القدرة الشرائية لقيمة التبرعات التي تصل إليها وتراجع دعم الخيرين نفسه، مما يعني أن الأموال التي كانت تكفي لإطعام مئات الأشخاص باتت بالكاد تغطي حاجة عشرات.

ومع تزايد الطلب والضغوط اضطر كثير منها، إما إلى التوقف أو تقليص حجم الوجبة المقدمة لكل أسرة مسجلة لديها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشير مشرف التكية إلى أنه وفي الآونة ألأخيرة وبسبب ارتفاع الأسعار الجنوني، تقلصت قدرات التكية ولم يعد حتى أصحاب الديباجات المعتمدون لدى التكية يضمنون الحصول على حصتهم من الوجبات أو المواد التموينية بحسب الحال، ناهيك بأصحاب الديباجات الاحتياطية، الذين يأتي دورهم بعد المجموعة الأولى، كما أن هناك أعداداً متزايدة من غير الحاصلين على أي ديباجات، ينتظرون ما يفيض من الفئات المعتمدة.

في تكية الجريف شرق الخرطوم تزايدت أعداد من يطلبون الوجبة بصورة لافتة، وزاد طول الطوابير المصطفة.

وبث ناشطون مقطع فيديو لتطاول طابور الانتظار المتزايد، سعياً وراء الحصول على وجبة عدس من المطبخ الخيري بالمنطقة.

أعداد متزايدة

يقول عمر عبدالحفيظ خلف الله، من متطوعي تكية البليلة بغرب أم درمان، أن الزيادة المطردة في الأسعار، خصوصاً في سلعة العدس التي تعتمد عليها كوجبة رئيسة بجانب الرز، الذي ولا أستطيع أن أتنبأ بما سيحدث في الأسابيع المقبلة.

أما بخصوص الزيادة في أعداد المترددين على التكية وفق خلف الله، فهناك زيادة في عدد الأسر، إذ فاقت الدباجات التي نوزعها 900 بطاقة، وهو رقم كبير مقارنة مع الإمداد، وهناك أسر حجمها كبير تعيش في بيت واحد لا يكفيها نصف أو أقل من كيلوغرام رز أو عدس على رغم أننا نتعامل مع الأسرة بمتوسط خمسة أفراد، لكن هناك أسر من دارفور وكردفان تفوق 10 أشخاص ولا بديل لهم سوى التكية مما زاد الضغط عليها.

فقر متفاقم

بحسب برنامج الغذاء العالمي، فإن تقاطع أزمة التدهور المعيشي مع الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي ونقص الوقود وتراجع الإنتاج المحلي نتيجة شلل القطاع الزراعي، تسبب في رفع أسعار الطعام إلى مستويات قياسية وعمق من حدة المجاعة.

ووفقاً لتقارير رسمية، قفزت نسبة الفقر في السودان لتصل إلى 73 في المئة، مقارنة بـ21 في المئة فقط قبل الحرب، مما يعني أن نحو 24 مليون مواطن يعيشون حالياً تحت خط الفقر، كما أظهرت مسوح الفقر متعدد الأبعاد أن الأزمة توغلت لعمق المدن لتسجل نسبة الفقر في الحضر نحو 69.4 في المئة، بينما بلغت ذروتها القاسية في مناطق الريف ومخيمات النزوح لتلامس 99 في المئة.

ويحذر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، من أن أكثر من 19.5 مليون شخصاً يشكلون نحو 40 في المئة من السكان، يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير