ملخص
يواجه عمال وشباب غزة في سوق العمل الحر تحديات استثنائية تصنف كأقسى بيئة عمل للمستقلين حول العالم، وفي الوقت نفسه صنعوا واحدة من أكبر عمليات الرقمنة القسرية لسوق عمل في العصر الحديث.
في زاوية ضيقة داخل مركز إيواء مكتظ، يجلس بلال ممسكاً بهاتفه الذكي الذي بات يمثل نافذته الوحيدة على العالم، وجسر عبوره نحو النجاة من مقصلة الفقر والتعطل القسري.
قبل الحرب، كان بلال يعيش حياة مستقرة، يقف بكل فخر يومياً أمام تلاميذه كمعلم للغة الإنجليزية في إحدى المدارس الخاصة بمدينة غزة، يرى في عيون طلابه مستقبلاً يبنيه بالكلمات والقواعد.
لكن القتال بين حركة "حماس" وإسرائيل لم يترك للفخر مكاناً، فتحولت مدرسته إلى كومة ركام، وتطايرت معها دفاتر تحضير الدروس، وفقد بلال وظيفته ومصدر رزقه الوحيد في لحظة واحدة.
ظروف إجبارية
وجد بلال نفسه مسؤولاً عن عائلة كبيرة وسط غلاء معيشي فاحش وتضخم غير مسبوق، إذ إن أسعار المواد الغذائية الشحيحة قفزت إلى أرقام جنونية لا يتخيلها عقل.
وكان الجلوس وانتظار السلال الإغاثية خياراً يرفضه كبرياؤه المهني، وقرر أن مهنته وتخصصه في اللغة الإنجليزية يجب أن يتحولا من مادة تُدرّس في الفصول، إلى أداة إنتاجية فورية لإنقاذ عائلته من العوز.
وبسبب فقدانه لحاسوبه المحمول أثناء النزوح العنيف، لم يكُن يملك سوى هاتف ذكي ببطارية متهالكة، أما المعضلة الأكبر، فكانت الشلل التام الذي أصاب شبكات الاتصالات والإنترنت الأرضية في القطاع.
بدأ بلال رحلة الابتكار، تمكن بمساعدة أصدقاء في الخارج من تفعيل شريحة اتصال إلكترونية دولية (eSIM) على هاتفه، ولم يكُن الأمر سهلاً، فكي يلتقط إشارة الشبكات الخليوية الدولية الآتية من خلف الحدود، كان الشاب يضطر إلى تسلق مرتفعات خطرة والوقوف لساعات طويلة فوق تلال الركام تحت أشعة الشمس الحارقة وعيون الطائرات المسيّرة، باحثاً عن إرسال يمكنه من فتح بريده الإلكتروني.
وبمجرد الحصول على الإشارة، انغمس بلال في سوق العمل الحر عبر الإنترنت، تواصل مع مواقع إلكترونية دولية ودور نشر تبحث عن مترجمين ومعدي تقارير ومدققين لغويين مصممين على العمل تحت الضغط.
تحول هاتف بلال الصغير إلى غرفة عمل متكاملة، كان يكتب الترجمات ويدقق النصوص مستخدماً إبهامه على شاشة الهاتف الصغيرة وهو يجلس في عتمة الليل، مستمعاً إلى أصوات الانفجارات التي تكاد تصم الآذان، ومحارباً الوقت لرفع الملفات للعملاء قبل أن تنفد بطارية الهاتف أو تختفي شبكة الـ eSIM.
وتحول بلال من معلم لغة يلقن الدروس في بيئة آمنة، إلى باحث رقمي يترجم الحروف من قلب الكارثة، وهو واحد من آلاف في غزة لجأوا بصورة واسعة إلى العمل عن بعد كخيار اضطراري للتغلب على أزمة البطالة المرتفعة وتداعيات الحرب الكارثية.
بيانات صاعقة
تسببت الحرب في انهيار المنظومة الاقتصادية التقليدية، وتدمير شبه كامل لسوق العمل في قطاع غزة، مما جعل البطالة تُعد حال تعطل قسري جماعي عن العمل نتيجة التدمير الهيكلي للمنشآت.
وبحسب بيانات منظمة العمل الدولية، فإن غزة فقدت أكثر من 201 ألف وظيفة بصورة مباشرة خلال الأشهر الأولى للحرب، مما كان يمثل ثلثي إجمال القوة العاملة في غزة.
وانخفض عدد المشتغلين من 292 ألف عامل قبل الحرب، لتتوقف الغالبية العظمى منهم تماماً عن العمل، وكنتيجة لذلك ارتفعت البطالة لتصل إلى 80 في المئة، مما يعني خروج معظم القوى البشرية من الدورة الإنتاجية.
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن 90 في المئة من المنشآت والمباني التجارية والبنى التحتية التي كانت المحرك الرئيس للتشغيل وتسهم بنحو 52 في المئة من التوظيف المحلي تدمرت خلال الحرب.
وتقدّر الخسائر الاقتصادية الإجمالية في القطاع بنحو 70 مليار دولار، ترافقها خسارة يومية فادحة في دخل العمال بالملايين، وتقول رئيسة الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني علا عوض إن "غزة خسرت 84 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، مما يعكس الشلل الكامل للأنشطة الاقتصادية وتآكل القاعدة الإنتاجية تماماً".
وتضيف عوض أن "الحرب تسببت في قفزة تاريخية بمعدلات الفقر لتشمل أكثر من 90 في المئة من سكان القطاع الذين باتوا بلا أي مصدر دخل مستدام، ونتيجة لفقدان هذه الوظائف وتدمير الأسواق أصبحت 95 في المئة من الأسر في غزة تعتمد بالكامل على المساعدات للبقاء على قيد الحياة، بعد أن كانوا يتدبرون قوتهم من عملهم اليومي".
أحدثت الحرب نزوحاً مهنياً كاملاً، إذ تحول العمال والمستجدون في سوق العمل قسراً من العمل البدني والميكانيكي داخل الورش والمصانع، إلى العمل الرقمي والذهني خلف شاشات الحواسيب والهواتف المحمولة.
خيار اضطراري
يقول المدير السابق لبرامج حاضنات الأعمال الرقمية والتشغيل عن بعد في غزة طارق ثابت، "في الحرب اضطر العامل إلى تغيير هويته الحرفية، فالعامل الذي كان ينتج بيده في معمل خياطة أصبح يبحث عن تعلم مهارات رقمية سريعة، أو يستعين بذكائه في إدارة المشاريع والتسويق ليعيل أسرته".
ويضيف أن "العامل في غزة بات يبحث عن الأمان المالي، وفهم أن العمل داخل ورشة محلية مهدد بالتوقف في أية لحظة وبأجور زهيدة، بينما العمل عن بعد مع شركات خارجية يوفر تدفقاً مالياً يساعد العائلات في مجابهة غلاء الأسعار الجنوني داخل القطاع".
ويشير ثابت إلى أن "ما يحدث في غزة يمثل واحدة من أكبر عمليات الرقمنة القسرية لسوق عمل في العصر الحديث بسبب الحروب".
ويقول رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال سامي العمصي "لم يعد العمل الحر رفاهية أو خياراً تكميلياً، بل تحول إلى طوق النجاة الوحيد للهروب من البطالة بعد التدمير الكامل للهياكل الاقتصادية والمنشآت"، مضيفاً أن "وصول نسبة البطالة إلى 90 في المئة يجعل العثور على وظيفة تقليدية داخل غزة أمراً مستحيلاً، مما يدفع السكان قسراً نحو الفضاء الرقمي والعمل المستقل، وأيضاً أسهم هدم المنشآت والورش التي كانوا يعتمدون عليها في النزوح للعمل عبر الإنترنت الذي بات الركيزة الأساسية لحماية الأسر من العوز المطلق وتوفير حد أدنى من العمل اللائق وسط انسداد الأفق التشغيلي التقليدي".
خريطة المهارات
في ظل الحصار المشدد وإغلاق المعابر، كسر الإنترنت الحدود الجغرافية وسمح لشباب غزة ببيع مهاراتهم إلى عملاء في مختلف دول العالم ومكنهم من إنجاز وظائفهم من داخل مخيمات اللجوء ومراكز الإيواء.
وتوجه عمال وشباب غزة نحو الخدمات الرقمية والتكنولوجية وعملوا في تطوير البرمجيات والتطبيقات وتصميم الغرافيك والترجمة الفورية والتحرير وكتابة المحتوى والتدوين وصياغة المقالات وكتابة السيناريوهات لفيديوهات الـ"يوتيوب" وإعداد المحتوى الإعلاني لصفحات التجارة الإلكترونية العربية.
كذلك، طرق الغزيون باب إدارة منصات التواصل الاجتماعي والتسويق الإلكتروني وتحسين محركات البحث والاستشارات المهنية وصناعة المحتوى المرئي وتوثيق الواقع وإدارة متاجر إلكترونية والترويج لمنتجات وخدمات شركات.
وانغمس عمال غزة في أبعاد مهنية مبتكرة وقطاعات غير نمطية عبر الإنترنت مثل الاستشارات الهندسية والمعمارية والتصميم الهندسي والمخططات والديكور والتصميم الداخلي ومسك الدفاتر والمحاسبة السحابية وتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها.
تدفق مالي
حقق الغزيون الذين توجهوا للعمل عن بعد فرقاً في الأجور المالية وكان ذلك من أبرز فوائد هذا التحول الرقمي القسري، فقبل الحرب كان الحد الأدنى للأجور في قطاع غزة يبلغ 500 دولار أميركي، والآن عندما يتقاضى العامل المستقل متوسط 1000 دولار شهرياً من العمل عن بعد، فإن هذا الدخل يحقق له التحصن ضد التضخم.
ويقول الباحث في الاقتصاد الفلسطيني نصر عبدالكريم، "في أدبيات الاقتصاد يسمى هذا التحول ’الانتقال من السوق المحلية المغلقة والمنهارة إلى سوق العمل العالمية المفتوحة‘، مما يمنح المستقلين تفوقاً مالياً كبيراً على رغم قسوة الظروف المحيطة بهم"، مضيفاً أن "تدفق الأموال من خلال الشباب العاملين عن بعد يمثل شريان الحياة المالي الباقي لآلاف الأسر في غزة، وفارق الأجر بين ما تعرضه السوق المحلية المنهارة وما تقدمه الشركات الخارجية يسمح لهذه العائلات بالصمود الاقتصادي وتحمل الكلف الباهظة للمعيشة والرعاية الصحية داخل مخيمات النزوح".
عوامل مهدت الطريق
على رغم الظروف الكارثية للحرب، هناك عوامل مهدت الطريق لشباب غزة للالتحاق بالأعمال الحرة، ويشرح المدير التنفيذي لحاضنة "طاقات" في غزة شريف نعيم أن "قطاع غزة يمتلك نسبة مرتفعة جداً من الخريجين في تخصصات الهندسة وتكنولوجيا المعلومات واللغات والآداب، هذا الأساس العلمي سهّل عملية الانتقال السريع نحو توظيف المهارات عبر الإنترنت من دون الحاجة إلى تعليمهم من الصفر".
ويقول "عاش شباب غزة لأعوام طويلة قبل الحرب تحت حصار خانق وقيود على السفر، مما جعل شريحة واسعة منهم تمتلك معرفة مسبقة بأساسيات العمل الحر ومنصاته الدولية كخيار بديل منذ ما قبل الحرب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع نعيم "برزت مبادرات لإنشاء مساحات عمل مشتركة مجهزة بدعم من حاضنات أعمال وفرت هذه المساحات للمستقلين من مكاتب وكراسٍ مريحة وإنترنت سريع ومستقر وكهرباء بديلة، مما أتاح لهم بيئة تركيز تنعدم تماماً داخل خيام النزوح المكتظة".
ويستذكر نعيم، "حين بدأنا مع 'طاقات' لم تكُن مجرد مبادرة عابرة، بل استجابة لحاجة الشباب، لقد اعتمدنا على شبكات طاقة شمسية ومولدات بديلة، وعقدنا شراكات مع شركات اتصالات لتوفير خطوط إنترنت عالية السرعة، هذه البيئة والمكاتب المجهزة منحت أكثر من 500 عامل مستقل الملاذ والقدرة على التركيز وتأمين عقودهم الرقمية العالمية من قلب الخيام ومناطق النزوح المدمرة".
بيئة العمل الأقسى عالمياً
يواجه عمال وشباب غزة في سوق العمل الحر تحديات استثنائية تصنّف كأقسى بيئة عمل للمستقلين حول العالم، إذ يتداخل فيها انقطاع مقومات الحياة الأساسية مع القيود المالية. ويقول هاني ثريا، وهو ممثل مؤسسات تشغيل رقمي، "تغيب الكهرباء عن القطاع، مما يجبر المستقلين على الاعتماد على بطاريات صغيرة أو ألواح طاقة شمسية متهالكة، ويهدد بإغلاق حواسيبهم في منتصف تسليم المشاريع".
ويضيف أن "العمال يعتمدون على شبكات إنترنت هوائية غير مستقرة، وتكلف مبالغ باهظة جداً مقارنة بالدخل، كما يواجهون صعوبة بالغة في استقبال أموالهم من المنصات العالمية ويضطر العمال للجوء إلى مكاتب صرافة بديلة أو وسطاء لسحب أموالهم".
اعتمد شباب غزة على شرائح الاتصال الإلكترونية (eSIM) لالتقاط إشارات شبكات خليوية قريبة من الحدود ومتابعة الرسائل وتسليم المهمات العاجلة، وحوّلوا ألواح الطاقة الشمسية الفردية إلى المصدر الأساس لتوليد الطاقة، واستخدموا تطبيقات العمل من دون إنترنت لتجاوز العقبات.
الاقتصاد المقبل
"ستؤدي هذه التجربة القسرية إلى إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد الرقمي وهيكلية سوق العمل في قطاع غزة بصورة جذرية بعد انتهاء الحرب"، تقول الباحثة رند صافي، مضيفة أن "الاعتماد القسري الحالي على المهارات الرقمية ولّد جيلاً كاملاً من الشباب والعمال الذين كسروا قيود الجغرافيا والحصار المادي على نحو نهائي، وبعد الحرب لن ينتظر هؤلاء الشباب إعادة بناء الورش والمصانع التقليدية التي قد تستغرق أعواماً، بل سيتجهون مباشرةً لتوسيع أعمالهم الحرة مع الشركات الدولية من قلب غزة، مما يجعل الاقتصاد الرقمي هو المحرك الأساس والأسرع للنمو".
وتردف صافي أن "التجربة القاسية الحالية ستفرض على المخططين والمستثمرين لإعادة إعمار غزة التركيز على بناء بنية تحتية مرنة ومقاومة للصدمات، وسيتصدر الاستثمار في شبكات الطاقة الشمسية المستقلة ومحطات الإنترنت الفضائي واللاسلكي المتطورة، وإنشاء مراكز تكنولوجية ومساحات عمل مشتركة".