ملخص
"الفنجان" و"الشماغ" و"بيت الشعر" تفاصيل الموروث الأردني من الأرض إلى الشاشة.
كانت الدولة الأردنية أعلنت رسمياً إلغاء القانون العشائري منذ عام 1976 لمصلحة المحاكم المدنية. لكن حتى اليوم ثمة ديمومة للقانون القبلي الذي تعقد بموجبه الجاهات والعطوات وكل أنواع العرف العشائري.
تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الأردن موجة لافتة تقودها أجيال شابة، تسعى إلى إعادة إحياء الموروث البدوي والتقاليد العشائرية وقوالبها الثقافية، عبر استغلال الفضاء الرقمي لتحويل التراث إلى "هوية بصرية ورقمية" عابرة للمدن والمحافظات، في بيئة إعلامية أردنية اعتادت تغطية التقاليد البدوية بعيون الآخرين.
ظاهرة المؤثر البدوي
سائد السردي ومحمد العجارمة وهيا الدعجة وآخرون، نماذج لصناع محتوى من الشباب، أخذوا على عاتقهم إحياء التراث والتقاليد البدوية الأصيلة التي شهدت تراجعاً منذ مطلع الألفية.
ويركز صناع المحتوى هؤلاء على تقديم تفاصيل الحياة اليومية في البادية مثل طقوس إعداد القهوة العربية ودلالات صبّها وحركاتها، وآداب "المجلس" أو الديوان، وفنون الفروسية وركوب الخيل وهجن البادية، إضافة إلى يوميات الجدات الأردنيات قديماً من قبيل الطعام واللباس التقليدي وبعض العادات الموسمية.
وتحولت منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" إلى منابر رئيسة لإلقاء الشعر النبطي والمساجلات، حيث تدمج هذه المقاطع بموسيقى تصويرية حديثة أو إيقاعات (الشيلات) لجذب الفئات العمرية الأصغر سناً، مما أعاد الروح للغة البادية المحكية.
على جانب آخر، لم يعُد الشماغ الأردني أو العباءة وثياب البادية مجرد أزياء للمناسبات الرسمية أو الحفلات التراثية، بل تحولت إلى "ترند" رقمي يُستعرض بفخر في مقاطع الفيديو القصيرة كأداة للتعبير عن الجذور والانتماء.
وفي محاولة لمقاومة الذوبان الرقمي، يرى كثير من الشباب في إبراز العادات البدوية والتقاليد وسيلة للتميز الثقافي ومواجهة حال السيولة الثقافية التي تفرضها العولمة ومنصات التواصل الغربية، إذ أسهم هذا المحتوى في تحويل مناطق البادية ووادي رم إلى وجهات جاذبة بصورة أكبر، حيث يدمج صناع المحتوى بين الترويج لجمال الطبيعة الأردنية واستعراض قيم الضيافة البدوية الأصيلة، مما يخلق فرصاً اقتصادية محلية ويعزز السياحة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه إلى انتقال منظومة التواصل العشائري جزئياً إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث تدار مبادرات شبابية وتوثق عطوات الصلح العشائري، ويعبر من خلالها عن التكافل المجتمعي بسرعة وكفاءة تتجاوز قيود الجغرافيا.
وعلى رغم بعض الانتقادات الموجهة لهؤلاء المؤثرين، كتحويل بعض العادات الأصيلة في بعض الأحيان إلى أدوات لزيادة المشاهدات، فإن ذلك لا يقف في طريقهم نحو إيصال الثقافة البدوية من الأرض إلى الشاشة.
حفّاظ الذاكرة الرقميون
يقدم سائد السردي التراث البدوي كاستعراض بصري، ويعتمد على الكاريزما الهادئة ولغة الجسد الرصينة، متخذاً من "بيت الشعر" أو دلال القهوة خلفية ثابتة تمنح المتلقي إيحاءً بالزمان والمكان.
ويحاول هذا الشاب الذي درس هندسة الميكانيك، التركيز على سلوكيات البادية قديماً مثل دلالات لغة الفناجين وقوانين القضاء العشائري وقصص الدخالة والوجاهة، في محاولة لإعادة إنتاج "المضافة" التقليدية في فضاء افتراضي، وتذكير الأجيال الشابة بالعمق الأخلاقي لهذه التقاليد.
ويقوم الشاب سائد السردي بدور "حكواتي الصحراء" بزي بدوي ومفردات بدوية قد تبدو غريبة على جيل عمان الغربية، لكنه يعيد إحياءها بذكاء.
وتحاول الإعلامية الشابة هيا الدعجة أنسنة التراث والمنظور البصري للمرأة البدوية، وتقدم نمطاً مختلفاً تماماً ينتمي لمدرسة "أسلوب الحياة لكسر الصورة النمطية التي حصرت صناعة المحتوى البدوي في قوالب ذكورية"، معتمدة على التفاعل المباشر مع الأرض والطبيعة، واستعراض تفاصيل الحياة اليومية للمرأة البدوية كصناعة الجميد، وخبز الشراك وإعداد المنسف والتعامل مع الثروة الحيوانية.
ونجحت الدعجة في "تفكيك النمطية" حول المرأة البدوية، وقدمتها كعنصر إنتاجي وقائد مجتمعي في بيئتها. فلباس نساء بني صخر وثوب محافظة معان ولباس قبيلة الحويطات وحرفة النسيج عند نساء بني حميدة، كلها موسوعة غير معلنة عن التنوع الجغرافي البدوي في الأردن.
أما محمد العجارمة، الملقب بـ"راعي الجريدة"، فيحاول شبك التراث بالواقع الذي يعيشه الأردنيون يومياً، متكئاً على الفصاحة البدوية وتوظيف النقد الاجتماعي اللاذع والمباشر والرموز البدوية كأداة وعي سياسي واجتماعي، مسقطاً قيم البادية الأصيلة (كالشهامة وقول الحق ونصرة المظلوم) على قضايا الحاضر. ويقدم برنامج "حكي القرايا" على إحدى المحطات التلفزيونية المحلية مستلهماً العادات والتقاليد والتاريخ القديم للبدو.
صناعة "المضافة الافتراضية"
ومع انحسار المضافة التقليدية في القرية أو البادية نتيجة التمدد العمراني والنزوح نحو العاصمة والمدن الكبرى، لم تختفِ العشيرة بفعل هذا الانحسار، لكنها بحثت عن سقف بديل وجده الجيل الجديد في "خوارزميات" وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي وقت تسجل مراكز الدراسات الاجتماعية انحساراً تدريجياً للمضافات التقليدية في القرى والأرياف الأردنية لمصلحة نمط الحياة المدني، ثمة مضافات رقمية.
واليوم ثمة تحول هائل يمكن لمسه من خلال مؤثرين شباب من جذور بدوية، باتوا قادرين على توجيه الرأي العام العشائري وتكريس قيم البداوة، فقط لأنهم يتقنون لغة المنصات وإعادة إنتاج البداوة.
ويقول مراقبون ومهتمون بالتراث البدوي "بتنا نرى اليوم حسابات لشباب يفتحون بثاً مباشراً لمناقشة قضايا صلح، أو لتقريب وجهات النظر في خلافات شبابية، أو حتى لإعلان ’عطوة‘ افتراضية إعلامية لتهدئة النفوس، وكأن هذه المنصات أصبحت أداة ضبط اجتماعي".
وبالنسبة إلى الجيل الجديد، باتت مشاركة مقطع عن أعراف البادية بمثابة إعلان هوية وانتماء، ورسالة مبطنة مفادها "نحن هنا، ولدينا جذور ضاربة في عمق الأرض".
إعادة هيكلة للذاكرة
على "فيسبوك"، كان موسم قصاص الغنم عند البدو في البادية الأردنية عنواناً لفيديو نشره سائد السردي، ابن بادية المفرق البوابة الشرقية للأردن، حصد آلاف المشاهدات من أناس لم يروا يوماً غنماً في حياتهم.
والعام الماضي جلس السردي أمام كاميرا هاتفه ليشرح بنبرة العارف معنى حركة واحدة وهي ربط طرف الشماغ، في مقطع حظي بآلاف المشاهدات.
في الوقت ذاته تقريباً، كرست هيا الدعجة، خريجة الجامعة الأردنية، وقتها لإشهار كتابها "المزيونة" كأول توثيق شامل للأزياء التقليدية لنساء الأردن عبر محافظاته وقبائله كلها.
لكن الأردن الذي ينتمي إليه هذان المؤثران اليوم ليس الأردن الذي وصفه الرحّالة والمستشرقون منذ قرن. فوفق بيانات البنك الدولي وإحصاءات الأمم المتحدة، تجاوزت نسبة سكان المدن في الأردن 92 في المئة من إجمال 11.6 مليون نسمة عام 2025، مقابل بلد كان نصف سكانه يمارسون الرعي المتنقل في مطلع القرن الـ20.
هذا الانقلاب الديموغرافي الهائل جرى في غمضة عين تاريخية وبضعة عقود، والأثر الاجتماعي لهذا التحول ليس مجرد تغيير مكاني، بل هو إعادة هيكلة كاملة للوعي والذاكرة الجماعية، مما دفع بعض المؤثرين الأردنيين إلى التوثيق في سباق حميم مع النسيان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مجتمع عشائري رقمي
ووفق إحصاء دقيق لحسابات بعض هؤلاء المؤثرين، فإن جمهورهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول أردنيون من أصول بدوية وعشائرية، نشأوا في المدن، يتابعون هذا المحتوى بمشاعر مركّبة من الاعتزاز والشوق للتعرف إلى عادات رأوها في طفولتهم، أو سمعوا بها من الأجداد. أما الجمهور الثاني فهم شبان أردنيون وعرب لم تكُن لهم علاقة بهذه التقاليد، يكتشفونها للمرة الأولى.
ثم الجمهور الثالث فهم الأجداد وكبار السن الذين وجدوا في هذا المحتوى توثيقاً لما عاشوه، وكثيراً ما يتركون تعليقات تصحيحية أو إضافية تُثري المحتوى ذاته.
ويروي المؤرخون الاجتماعيون أن الأردن كان في مطلع القرن الـ20 واحداً من أبرز مناطق البداوة في الشرق الأوسط، حيث إن ما يقارب نصف سكانه كانوا يعيشون على الرعي المتنقل، ويرسمون حياتهم وفق القانون القبلي، وتشكل العشيرة النسيج الأساس للحياة الاجتماعية والاقتصادية والقضائية، لكن المشهد اليوم مختلف تماماً.
وكانت الدولة الأردنية أعلنت رسمياً إلغاء القانون العشائري منذ عام 1976 لمصلحة المحاكم المدنية. لكن حتى اليوم ثمة ديمومة للقانون القبلي الذي تعقد بموجبه الجاهات والعطوات وكل أنواع العرف العشائري.
ومع ذلك لا يزال الأردن يصف نفسه في خطابه الرسمي بالمجتمع القبلي والعشائري، على رغم أنه بات واحداً من أعلى مجتمعات المنطقة انغماساً رقمياً.