ملخص
حادثتان هزتا الأردن خلال الأسابيع الماضية تمحورت أحداثهما حول استدراج الأطفال والاعتداء عليهم جنسياً أو التحرش بهم، فلم تعد جدران المنازل تحمي اليافعين من صيادين مجهولين يستهدفون براءة الأطفال في الفضاء الأزرق.
لم يكد يستوعب الأردنيون صدمة القضية التي اتهم فيها طبيب باستدراج قاصرين والاعتداء عليهم جنسياً، حتى عادت المخاوف ذاتها مع قضية أخرى طاولت مؤثراً مشهوراً اتهم بالتحرش الجنسي بالأطفال عبر منصات التواصل.
وفتحت الحادثتان اللتان أثارتا الرأي العام الأردني خلال الأسابيع الماضية باب النقاش حول ضرورة تعزيز التوعية بأخطار الاستدراج الإلكتروني للأطفال عبر المنصات والألعاب.
ووجد الأردنيون أنفسهم أمام تحد جديد يتمثل في إيجاد توازن بين الاستفادة من مزايا التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وبين توفير بيئة رقمية آمنة للأطفال، تحميهم من الاستغلال.
ثغرة المنصات
وعلى رغم اختلاف تفاصيل القضيتين، فإن القاسم المشترك بينهما يتمثل في استغلال الثقة والفضاء الإلكتروني للوصول إلى الضحايا، مما أعاد طرح تساؤلات حول مدى وعي الأطفال وأسرهم بأخطار استغلال المتحرشين لوسائل التواصل الاجتماعي.
إذ يؤكد متخصصون أن هؤلاء المتحرشين يعتمدون على ثغرة اجتماعية تتمثل بقضاء الأطفال والمراهقين ساعات طويلة على التطبيقات والمنصات الرقمية، مما يجعلهم أكثر عرضة لمحاولات الاستدراج من قبل أشخاص يستغلون هويات مزيفة أو شهرتهم وتأثيرهم لكسب ثقة الضحايا.
في السياق ذاته تصاعدت الدعوات إلى إطلاق برامج توعوية منظمة داخل المدارس بالتعاون مع وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام، بهدف تعريف الطلبة بمفهوم الاستدراج الإلكتروني، وطرق الإبلاغ عن أي محاولات مشبوهة، وكيفية حماية خصوصيتهم أثناء استخدام الإنترنت.
في حين يطالب تربويون وأولياء أمور بإدراج مفاهيم السلامة الرقمية ضمن الأنشطة المدرسية، وتدريب الطلبة على التعرف إلى المؤشرات المبكرة لمحاولات التحرش أو الابتزاز الإلكتروني، بما يسهم في بناء جيل أكثر وعياً وقدرة على حماية نفسه.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن المسؤولية لا تقتصر على التوعية فقط، بل تمتد إلى ضرورة تعزيز الرقابة على المنصات الرقمية التي قد تُستغل في استهداف الأطفال، والتأكد من سرعة الاستجابة للبلاغات المتعلقة بالمحتوى أو الحسابات المشبوهة.
ذئاب رقمية
تجاوزت الجريمتان الأخيرتان المفهوم التقليدي للتحرش، فالأولى كسرت هيبة مهنة إنسانية، الطب، لاستدراج الضحايا، والثانية كشفت عن الوجه المظلم لـ"عالم الشهرة الزائفة" على "السوشيال ميديا".
يصف مراقبون هذه الظاهرة بأنها اقتحام لغرف نوم أطفالنا عبر تطبيقات الهواتف الذكية، ففي الحالتين، كان القاسم المشترك هو الاستدراج الممنهج وكسب ثقة الأطفال واليافعين قبل الإيقاع بهم.
ولم تعد الدعوات مقتصرة على توعية الضحايا، بل امتدت لتطالب بـتشديد الرقابة الرقمية، إذ يؤكد خبراء أمن سيبراني لـ"اندبندنت عربية" أن الخوارزميات الحالية لبعض المنصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"سناب شات" تسهل وصول البالغين إلى القاصرين عبر خاصية الرسائل المباشرة (DM) دون قيود صارمة، ويطالب هؤلاء بضرورة إيجاد صيغة تشريعية أو بروتوكولات تعاون تلزم الشركات المشغلة لهذه المنصات بفرض قيود صارمة على الحسابات التي تتواصل مع الأطفال في الأردن، وتشديد العقوبات في قانون الجرائم الإلكترونية على كل من يستغل "الفضاء الرقمي" لاستهداف اليافعين.
ويطالب آخرون بإدراج محاضرات دورية في المدارس الحكومية والخاصة لتوعية الطلاب بمفهوم "الاستدراج الإلكتروني" وكيفية حماية خصوصيتهم، وتفعيل خطوط ساخنة وبثقة تامة للإبلاغ عن أي محاولة ابتزاز أو تحرش رقمي دون خوف من اللوم الاجتماعي، عدا عن دمج مفاهيم "الأمان الرقمي" في المناهج المدرسية الحديثة.
الأرقام تتحدث
وعلى رغم وجود جهات رقابية وتوعوية فاعلة في الأردن كالأمن العام ووحدة الجرائم الإلكترونية التي تنفذ حملات في المدارس، وعلى رغم ارتفاع منسوب الوعي لدى الجيل الحالي، فإن ظاهرة الاستدراج الإلكتروني آخذة في التزايد.
ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن مديرية الأمن العام ووحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، فإن القضايا المتعلقة بالجرائم الرقمية في تصاعد مستمر، إذ قفزت الجرائم الإلكترونية في الأردن بصورة ملحوظة خلال الأعوام الأخيرة لتتجاوز حاجز الـ20 ألف قضية سنوياً، تشكل قضايا الابتزاز والتحرش واستدراج القاصرين والنساء النسبة الأكبر منها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتظهر الإحصاءات أن الفئة العمرية ما بين (12 - 18 سنة) هي الأكثر عرضة لمحاولات الاستدراج الإلكتروني، نظراً إلى قضائهم ساعات طويلة على منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"سناب شات" دون رقابة كافية.
ويغلظ قانون الجرائم الإلكترونية الأردني العقوبات بصورة صارمة على الجرائم التي تستهدف القاصرين، حيث نص القانون على عقوبات مشددة تصل إلى الأشغال الشاقة الموقتة وغرامات مالية هائلة لكل من يستغل الوسائل الإلكترونية في استغلال أو توجيه أو تحرش جنسي بمن هم دون السن القانونية.
خطوط دفاع
ولا تقف الجهات الرسمية في الأردن مكتوفة الأيدي، إذ تتضافر جهود جهات كثيرة كوحدة الجرائم الإلكترونية وإدارة حماية الأسرة والأحداث التي تتعامل مع قضايا استدراج الأطفال بسرية تامة وبطرق تضمن الحماية النفسية للطفل الضحية، والتحقيق مع الجناة بأساليب فنية رقمية متطورة لتتبع "البصمة الرقمية" للمعتدين حتى وإن استخدموا حسابات وهمية.
على صعيد متصل ثمة مبادرات مجتمعية لمحاربة الظاهرة، من بينها مبادرتا "كفى" و"تحصين" اللتان أطلقتا من قبل مديرية الأمن العام بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم للتوعية في المدارس، ويقوم خلالها ضباط من الجرائم الإلكترونية بزيارات ميدانية للمدارس لإعطاء محاضرات حول "الاستخدام الآمن للإنترنت".
وأتاحت مديرية الأمن العام عبر تطبيقها الهاتفي خيارات سهلة للمواطنين للإبلاغ وإرسال الشكاوى واللقطات عن أي محاولات ابتزاز أو تحرش رقمي يتعرض لها الأطفال، مع ضمان السرية المطلقة لعدم إحجام الأهالي عن التبليغ خوفاً من الوصمة الاجتماعية.
خطر صامت
ويحذر متخصصون من أن الاستدراج الإلكتروني غالباً ما يبدأ بخطوات تبدو عادية، كرسالة ودية، أو متابعة عبر منصة اجتماعية، أو محاولة لكسب الثقة من خلال الإعجاب والاهتمام، قبل أن يتطور إلى طلب معلومات شخصية أو صور أو لقاءات مباشرة.
بينما يعمد آخرون إلى استدراج الأطفال عبر وعود كاذبة بتوفير عملات رقمية مجانية أو إضافات وهدايا في ألعاب الفيديو الشهيرة مثل "روبلوكس" أو "ببجي"، وهو ما يجعل الأسرة خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الأخطار، التي جعلت الوصول إلى الضحايا ممكناً بضغطة زر عبر شاشة هاتف محمول.
تغييرات سلوكية
ويعمد المتحرشون إلى استغلال غرف الدردشة داخل الألعاب للتواصل مع القاصرين وطلب صور أو معلومات، بينما يستغل بعض مشاهير منصات التواصل الاجتماعي شهرتهم في استدراج المراهقين وابتزازهم.
تقول المرشدة الأسرية لينا شبروقة، إن الخطر الرقمي اليوم لا يقتصر على الفتيات وحسب، بل بات يستهدف الذكور والإناث على حد سواء، وحول أبرز أساليب المستدرجين، تضيف أن البالغين والمبتزين يلجأون غالباً إلى "انتحال هويات أطفال أو مراهقين" لكسب ثقة الضحية المستهدفة، ودفعها تدرجاً لمشاركة معلومات شخصية حساسة أو صور خاصة، وصولاً إلى جرّها نحو سلوكيات غير مناسبة.
وعزت المرشدة الأسرية استجابة اليافعين (في أعمار 10 إلى 14 سنة) لهؤلاء الغرباء إلى غياب "القدوة الصحيحة" في حياتهم الواقعية، أو رغبتهم في إشباع الفضول، ودراسة المبتزين العميقة لاهتمامات المراهقين وطرق محاكاتهم.
ودعت شبروقة أولياء الأمور والمعلمين إلى مراقبة أي تغيرات سلوكية مفاجئة تخرج عن الحد المنطقي لخصائص النمو الطبيعية، وحددت أبرز "العلامات التحذيرية" في الانعزالية التامة والقلق والتوتر الدائمين، ومحاولة إخفاء شاشة الهاتف أو الكمبيوتر بصورة مريبة بمجرد اقتراب أحد الوالدين واضطرابات ملحوظة في النوم والطعام، عدا عن التراجع المفاجئ في التحصيل الدراسي وتقلبات مزاجية حادة وغير معتادة.
ودعت المرشدة الأسرية الأهالي في حال اكتشاف تعرض الطفل للابتزاز، إلى ضبط النفس وتجنب ردود الفعل العنيفة أو توجيه اللوم لأن ذلك يزرع الخوف ويدفع الطفل إلى الإنكار والمواجهة بمفرده.
ووجهت إلى ضرورة التوثيق الفوري وحفظ الرسائل والمحادثات المشبوهة كدليل قانوني لحفظ حق الطفل، إضافة إلى حظر الحسابات المسيئة ومراجعة إعدادات الأمان والخصوصية، ومن ثم التواصل مع الجهات المختصة.
استغلال الحداثة التكنولوجية
تشير دراسة لعماد الفريحات في "مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية" إلى كيفية استغلال المنحرفين جنسياً ومتصيدي الأطفال الحداثة التكنولوجية، وسهولة طمس الأدلة الرقمية، للتغلغل عبر الإنترنت واستدراج الضحايا دون سن الـ18.
وعلى رغم الحماية القانونية والجزائية التي وفرها قانون الجرائم الإلكترونية والتشريعات الأردنية ذات العلاقة لتجريم هذه الأفعال، فإن البحث يضع اليد على ثغرة تشريعية مهمة تتمثل في افتقار المنظومة القانونية لنصوص خاصة ومستقلة تنظم وتحدد نطاق المسؤولية الجزائية لـ"مقدمي وموردي ومتعهدي خدمات الشبكة المعلوماتية" عن المواد والانتهاكات المنشورة عبر منصاتهم.
تخلص الدراسة إلى ضرورة سد الفجوات القانونية المرتبطة بالناشرين والشركات المزودة للإنترنت، وإدخال تعديلات تشريعية عاجلة تُلزم موردي وناشطي الشبكات المعلوماتية بآليات رقابية وتنظيمية صارمة تُسهم في كشف وتتبع محاولات الاستغلال ومنع انتشارها، وتحميل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مسؤولية تضامنية لتوفير بيئة تصفح آمنة تحمي الطفولة من التصيد والشذوذ الإلكتروني.