ملخص
يبدو كير ستارمر آخر نموذج لرئيس وزراء بريطاني تقليدي بعيد من عالم الإنترنت، في وقت بات فيه منافسوه الشعبويون أكثر قدرة على مخاطبة الناخبين عبر المنصات الرقمية. لكن زلة فاراج الأخيرة تكشف أن البراعة الرقمية قد تنقلب عبئاً سياسياً حين تجعل صاحبها أسير الغضب المتداول في الهامش الإلكتروني.
غالباً ما يُنظر إلى كير ستارمر على أنه سياسي تقليدي في عصر رقمي، وربما يكون آخر زعيم بريطاني بعيد تماماً من عالم الإنترنت. فمن المرجح أن نراه ينتقد منصات التواصل الاجتماعي أكثر مما نراه يحصد الإعجابات والتفاعلات على منصات مثل "تيك توك" أو "إكس". وتبدو بصمته الرقمية مختلفة تماماً عن بصمات منافسيه، ومن بينهم نايجل فاراج الذي يتجاوز وسائل الإعلام التقليدية بانتظام ليخاطب الناخبين مباشرة، وزعيم حزب الخضر زاك بولانسكي الذي تحول أيضاً إلى مقدم مدونة صوتية، وحزب "استعادة بريطانيا" اليميني المتشدد المدعوم من ماسك، بل حتى حزب المحافظين الذي عزز حضوره على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة ملحوظة خلال العام الماضي.
هناك جانبان للحضور على الإنترنت كثيراً ما يجري الخلط بينهما. الأول هو طريقة استخدام السياسيين وسائل التواصل الاجتماعي لمخاطبة الجمهور، والثاني هو مدى اعتمادهم عليها لقياس المزاج العام وتكوين تصور عما يدور في البلاد، وكذلك لاستلهام رسائلهم السياسية.
بالنسبة إلى أي زعيم يسعى إلى بناء تحالفات واسعة تتيح له الوصول إلى السلطة، يبدو الجانب الأول ضرورياً لتحقيق مهمته. ففي أيامنا هذه، لم يعُد ممكناً بناء علاقة مستدامة مع الناخبين عبر وسائل الإعلام التقليدية وحدها. لكن أحداث الأسبوع الماضي أظهرت أن في الجانب الثاني فخاً حقيقياً. فقد كشفت مداخلات فاراج حول مقتل هنري نواك إلى أي مدى يمكن للسياسي أن يصبح أسير عالم الإنترنت.
غالباً ما تأتي إطلالات ستارمر على وسائل التواصل الاجتماعي متكلفة ومحرجة. فهو يبدو جامداً ومصطنعاً، كأنه يقرأ نصاً من شاشة تلقين أمام الكاميرا، في نقيض تام لما يفترض أن تكون عليه اللقطة السريعة الناجحة على هذه المنصات. ولا تبدو المشكلة محصورة في وسائل التواصل الاجتماعي، فستارمر لا يتمتع عموماً بأسلوب تواصل طبيعي. فأثناء خطاباته الرسمية ومقابلاته التلفزيونية، لم ينجح حتى الآن في إظهار الدفء والعفوية، مما ينعكس في استطلاعات الرأي. ويعود ذلك أيضاً لطريقة إعداد مقاطعه وتسجيلها.
ربما يرى فريقه المسؤول عن وسائل التواصل الاجتماعي أن أسلوب تصوير الفيديو الذاتي أثناء المشي والحديث الذي بدأنا نراه أكثر فأكثر لدى نواب الصف الأمامي في حزب المحافظين، لن يناسبه هو أيضاً. وفي كل الأحوال، فإن مشاهدة مقطع لستارمر على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو درساً في أن عدم فعل شيء أحياناً أفضل من فعل شيء يجعلك تبدو غير مرتاح ومحرجاً. فهو يبدو أكثر ارتياحاً حين ينتقد تدخل إيلون ماسك في السياسة البريطانية مما يبدو عليه حين يحاول استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتقرب من الناخبين.
لكن للابتعاد من وسائل التواصل الاجتماعي بعض المزايا. فلا يخطر للمرء أن ستارمر يقضي وقته في التصفح القهري أو في البحث عما يقوله الناس عنه على الإنترنت. أما زعيم مثل فاراج، فيعطي انطباعاً مختلفاً تماماً. فأخطار قضاء وقت مفرط على الإنترنت تنطبق على السياسيين بقدر ما تنطبق على سائر الناس. والسياسيون عرضة بالقدر نفسه للوقوع في أسر التفكير الجماعي المستقطب على الإنترنت، وللاعتقاد بأن مجتمعات رقمية منعزلة تمثل بطريقة ما النقاش العام الأوسع.
وكان رد فاراج على مقتل نواك، حين استخدم بثاً عبر الإنترنت ليدعو البلاد إلى الرد بـ"غضب بارد محض"، سوء تقدير فادحاً. فقد كانت طريقة تعامل الشرطة مع نواك، وهو ضحية طعن، في لحظاته الأخيرة مروعة، إذ أخذت الشرطة رواية الجاني عما حدث على محمل الجد، وقيدت نواك واعتقلته حتى وهو يقول للضباط إنه يعتقد بأنه تعرض للطعن وإنه لا يستطيع التنفس. وهناك أسئلة مشروعة ينبغي طرحها حول سبب تصرف هؤلاء الضباط بهذه القسوة، بما في ذلك ما إذا كانت التوجيهات الخاصة بمراعاة الخلفيات العرقية والإثنية والدينية والمساواة داخل الشرطة، وحقيقة أن نواك كان أبيض وأن قاتله آسيوي، أدت دوراً في حجم التقصير الاستثنائي الذي تعرض له.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن رد فاراج على الحادثة كان قائماً على الجزم بأن الشرطة تصرفت بدافع من "عنصرية معكوسة" وتعاطف في غير محله مع قاتل آسيوي. ولم يبقَ هذا الرد محصوراً في وسائل التواصل الاجتماعي، بل وصل أيضاً إلى قنوات البث التقليدية. وكان مستنداً إلى النقاش الذي دار على الإنترنت حول الجريمة، ولا سيما على منصات مثل "إكس"، قبل رفع القيود المفروضة على التغطية الإعلامية. أما اتهاماته بوجود تعامل شرطي "بمعيارين"، فجاءت بلغة مألوفة لمن يتابعون حسابات اليمين المتشدد على هذه المنصات، لكنها لا تجد صدى يذكر خارج ذلك الوسط.
وفتحت دعوته غير الموفقة إلى الغضب الباب أمام ستارمر وكيمي بادينوك لمهاجمته، واتهامه بإثارة الانقسام وتسييس جريمة قتل خلافاً لرغبة عائلة نواك. وهذا يضع فاراج في موقع أقرب إلى شخصية مثل إيلون ماسك، أحد أبرز منتقديه وداعم حزب "استعادة بريطانيا" الذي ظل يثير الجدل عبر الإنترنت حول هذه الجريمة طوال أيام، منه إلى زعيم يطمح إلى رئاسة الوزراء. ويكشف ذلك أيضاً عن أخطار أن يعمي السياسيون أنفسهم بنقاشات الإنترنت الهامشية، بطريقة لا تساعدهم في كسب الناخبين المترددين الذين يحتاجون إليهم للفوز في الانتخابات.
لقد تركت وسائل التواصل الاجتماعي أثراً مدمراً في خطابنا السياسي. صحيح أن لها بعض الفوائد، إذ يستطيع السياسيون تجاوز وسائل إعلام لها تحيزاتها وميولها الخاصة لمخاطبة الناخبين مباشرة، لكنها من الممكن أن تدفع القادة السياسيين إلى تفضيل العبارات القصيرة الجذابة والخالية من المضمون على الحوار الأعمق أو الفعل الحقيقي. وتمنح مليارديرات التكنولوجيا من اليمين المتشدد مثل ماسك، قدرة على الترويج لحزب عنصري هامشي مثل "استعادة بريطانيا".
الشعبويون، من فاراج إلى بولانسكي وروبرت لوي، أكثر نشاطاً بكثير على الإنترنت مما اعتاده السياسيون التقليديون. لكن زلة فاراج هذا الأسبوع تكشف عن أن الانغماس أكثر مما ينبغي في العالم الرقمي يحمل هو أيضاً أخطاراً على السياسيين.
في كل الأحوال، يبدو ستارمر آخر نموذج من سلالة آخذة في الانقراض: رئيس الوزراء البعيد تماماً من عالم الإنترنت. ومن غير المرجح أن نرى مثله مرة أخرى. وللحصول على لمحة مما ينتظرنا، يكفي أن ننظر إلى المحتوى الرديء المولد بالذكاء الاصطناعي الذي يضخه حزب مثل "ريفورم". ومن المحتمل أن يأتي يوم نفتقد فيه السياسي التقليدي خلال الأعوام المقبلة.
© The Independent