ملخص
مقتل هنري نواك فتح جرحاً عميقاً يتقاطع مع ذاكرة جورج فلويد وصرخة "لا أستطيع التنفس"، لكنه سرعان ما تحول إلى مادة يستثمرها اليمين الشعبوي لإثارة الغضب العرقي. استغلال المآسي لا يصنع عدالة للضحايا، بل يمنح المحرضين فرصة لتحويل الحزن إلى شغب والكراهية إلى مكسب سياسي.
إذا نظرنا إلى ما أثارته الجريمتان، بحق، من غضب واسع وشعور عميق بالظلم وبعض الاضطرابات المدنية، أمكننا أن نرى أوجه شبه بين مقتل هنري نواك وجورج فلويد.
وبعد ست سنوات بالضبط من اندلاع أعمال الشغب في بريستول عقب تلك الجريمة المروعة في أميركا، تحمل عبارة "لا أستطيع التنفس"، التي تفوه بها هنري يائساً في لحظاته الأخيرة، وقعاً عاطفياً خاصاً وصدى مروعاً لوفاة فلويد.
في الحادثتين بعد عرقي لا يمكن تجاهله، وهو ما يجعلهما قابلتين دائماً لإثارة القلق والتوتر. وحين تسعى شخصيات مثل نايجل فاراج وتومي روبنسون إلى استغلال مآسٍ كهذه، يصبح العنف احتمالاً واقعياً، ويتحول الغضب المفهوم على مقتل هنري، بفعل تحريض متعمد، إلى حال من الغليان والاحتقان الأعمى، في حلقة خطرة يصنع فيها المحرضون العنف الذي يدعون التحذير منه.
كان على فاراج، بالطبع، أن يدعو إلى الهدوء، وأن يطلب من الناس انتظار مزيد من التحقيق في سلوك الشرطة ليلة وقوع الجريمة. وكان بإمكانه أيضاً أن يقر بأن العدالة تحققت لهنري، ولو إلى حد ما، إذ حكم على قاتله بالسجن مدى الحياة، وخلافاً لبعض المزاعم، لم يعامل بتساهل.
ولحسن الحظ، ليس كل السياسيين على شاكلة فاراج وروبنسون، وليس كل بريطاني يظن أن العدالة لضحية جريمة قتل تتحقق بمهاجمة الشرطة ورمي حاويات القمامة. فقد دان كير ستارمر وشابانا محمود وكيمي بادينوك وآخرون، حتى روبرت لوي، زعيم حزب "استعادة بريطانيا" المتطرف، محاولة فاراج تحدي رغبة عائلة هنري وتحويل حزنها إلى مكسب سياسي.
وفي مقطع فيديو قصير يفيض بالكراهية، انتقل فاراج من الإشادة بالموقف البالغ الوقار لمارك نواك، والد هنري، إلى دعوة "بقيتنا"، ضمناً، إلى ترجمة غضبنا المكتوم إلى أفعال. ولهذا السبب، عمد فاراج بخبث إلى ربط جريمة القتل بملفات لا علاقة لها بالقضية من قريب أو بعيد، كحديثه عن العنصرية "المناهضة للبيض"، ومزاعمه عن وجود "مجتمع من درجتين"، و"الهجرة الجماعية". ولم تكن هذه الحادثة استثناءً، فقد استغل اليمين المتطرف مآسي مشابهة أخرى بالطريقة ذاتها وحولها إلى سلاح سياسي، بما في ذلك حوادث معاداة السامية، وجرائم ساوثبورت، وقضية كالاكون، وهجمات قطار هنتينغدون، والإرهاب، ومقتل لي ريغبي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لا تثبت جريمة قتل هنري نواك أياً من الأمور التي يدعيها فاراج. فلا يوجد دليل واضح، حتى الآن في الأقل، على طبيعة الخلل الذي شاب استجابة الشرطة، ولا على ما إذا كان ذلك مرتبطاً فعلاً بالتوجيهات الخاصة بالعرق والعمل الشرطي، وهي مسألة تخضع الآن لتحقيق هادئ ورصين. وينطبق الأمر نفسه على الصلة المزعومة بالهجرة، وعلى الربط الأوسع بجالية السيخ. فهذا لا يقل عبثية عن تحميل كل مسلم مسؤولية تفجير مانشستر أرينا، أو تحميل كل ضابط شرطة في البلاد مسؤولية ما قد يكون قد أخطأ فيه من حضروا مسرح مقتل هنري.
أرى أن معظم الناس يدركون جيداً ما يصبو إليه فاراج، ويقرأون ما بين سطور تحركاته بوضوح. فهو يتراجع حالياً في استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الفرعية في دائرة "ميكرفيلد"، لكونه دفع مجدداً بمرشح ضعيف لا وزن له، فضلاً عن أنه يجد نفسه عموماً مطوقاً ومحاصراً من جهة اليمين بظهور"'القوميين العرقيين" الأكثر راديكالية. وعلى رغم كونه يتحرج من إعلان تأييده لروبنسون علناً، فإنه يعلم يقيناً أن حركة "وحدوا المملكة" التي يتزعمها الأخير تعد ورقة رابحة لإثارة شعور زائف بحالة الطوارئ والمظلومية لدى المجتمعات البيضاء التي تتوهم تعرضها للتمييز. ومع ذلك، لا يزال البريطانيون يتحلون بالواقعية الكافية لإدراك أن إحراق الفنادق المخصصة للاجئين أو الاعتداء على عناصر الشرطة لن يحقق عدالة اجتماعية، ولن يدفع عجلة النمو الاقتصادي إلى الأمام.
ربما تستطيع الشرطة أن تطبق توجيهاتها على نحو أفضل، وربما ستظل الأخطاء الميدانية واردة دائماً، لكن الشغب لن يغير في الأمر شيئاً [ولن يحسن الأمور].. لقد عرفنا من قبل أمثال فاراج وروبنسون ولوي، ونعرف أنهم لا يملكون الإجابات، بل إنهم، في الواقع، هم المشكلة الحقيقية.
© The Independent