Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرن وربع بلا زعيمة لـ"العمال" البريطاني.. لماذا؟

دعوات إلى حظر ترشح الذكور لرئاسة الحزب الحاكم في الاستحقاق المقبل تثير انقساماً داخليا

حزب العمال البريطاني لم يعرف القيادة النسائية طوال تاريخه (غيتي) 

ملخص

دعوة جديدة أطلقتها شخصية عمالية بارزة في بريطانيا لمنع الرجال من الترشح لزعامة الحزب في أي استحقاق مقبل، بعد وصول آندي بيرنهام إلى رئاسة الوزراء من دون منافس. الدعوة أعادت فتح ملف قديم يتعلق بعجز أقدم حزب عمالي في أوروبا الغربية عن انتخاب امرأة على رأسه منذ تأسيسه، في وقت سبقه خصمه المحافظ بأربع زعيمات وثلاث رئيسات للوزراء. وبين من يرى في التمييز الإيجابي علاجاً لخلل بنيوي، ومن يعده هروباً من المنافسة الحقيقية، ينقسم العماليون على أنفسهم مجدداً.

في حديث مع شبكة "سكاي نيوز" الإنجليزية، قالت البارونة هارييت هارمان إن حزب العمال البريطاني ينبغي أن يمنع الرجال من خوض انتخابات الزعامة المقبلة، موضحة أن السبيل الوحيد لوصول امرأة إلى قيادة "العمال" في المستقبل القريب هو بدء نقاش حقيقي فحواه منع الرجال من الترشح.

وهارمان نائبة عمالية سابقة شغلت منصب نائبة زعيم الحزب وتولت قيادته بالوكالة مرتين في 2010 و2015، هي من أبرز المدافعات تاريخياً عن سياسات التمييز الإيجابي داخل الحزب، وتشغل حالياً مقعداً في مجلس اللوردات.

ستشجع هارمان النجوم الصاعدين من الرجال في الحزب، لكنها ستسألهم أولاً عما إذا كانوا سيدعمون امرأة أم سيضعون أنفسهم في المقدمة، لأن كل رجل يصل إلى الزعامة إنما يدفع بامرأة إلى المرتبة الثانية خلفه، على حد تعبيرها.

وتأتي دعوة هارمان بعد أسابيع قليلة من تسليم مفاتيح "داونينغ ستريت" إلى رجل جديد، حيث وصل آندي بيرنهام إلى زعامة "العمال" ورئاسة الحكومة البريطانية من دون منافسة ليخلف رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر.

لم ينتخب حزب العمال امرأة زعيمة منذ تأسيسه عام 1900، واكتفى بامرأتين تولتا القيادة بالوكالة هما مارغريت بيكيت وهارمان نفسها، إضافة إلى أربع نائبات لزعيم الحزب آخرهن لوسي باول الحالية. وفي المقابل تعد كيمي بادينوك رابع امرأة تتزعم "المحافظين" بعد مارغريت ثاتشر وتيريزا ماي وليز تراس.

المفارقة أن "العجز العمالي" يتعايش مع حضور نسائي كثيف في صفوف الحزب. إذ يضم مجلس العموم حالياً 266 نائبة من أصل 650، منهن 186 نائبة عمالية يشكلن 46 في المئة من كتلة الحزب البرلمانية. أي أن الحزب الذي أرسى قواعد التمثيل النسائي في البرلمان البريطاني ظل عاجزاً عن ترجمة ذلك إلى قمة هرمه.

المحاولات لم تكن غائبة لكنها كانت تنتهي بخيبة أمل غالباً، فقد خسرت باربرا كاسل سباق نيابة الزعامة في عام 1961، وتبعتها شيرلي ويليامز ثم غوينيث دنوودي عام 1983، قبل أن تصبح بيكيت أول نائبة لزعيم الحزب وتخفق في السباق الأكبر عام 1994.

في 2010 حلت "أم البرلمان" النائبة ديان أبوت في المركز الأخير في المنافسة على زعامة "العمال"، وفي 2015 جاءت ليز كيندال أخيرة وإيفيت كوبر قبلها. أما في 2020 فحصلت ريبيكا لونغ بيلي على 27.6 في المئة وليزا ناندي على 16.2 في المئة، مقابل 56.2 في المئة لكير ستارمر، فيما أخفقت إميلي ثورنبيري في تجاوز عتبة الترشح، وانسحبت جيس فيليبس على رغم حصولها على تزكيات كافية من النواب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التفسيرات تتوزع بين البنيوي والثقافي، فترى جوني لوفندوسكي، المتخصصة في "شؤون النوع الاجتماعي والسياسة" بجامعة لندن، أن الأمر محير، إذ تبنى حزب العمال "قوائم الترشيح النسائية الخالصة" منذ 1993 خلافاً للمحافظين ومع ذلك لم يصل الأمر إلى القمة، وتعزو ذلك إلى إعطاء الحزب أولوية لمنطق الطبقة على حساب النوع، مضيفة أن ثقافة مقر رئاسة الحكومة ظلت تاريخياً ذكورية بصرف النظر عن الحزب الحاكم.

و"قوائم الترشيح النسائية الخالصة" آلية تحصر التنافس على ترشيح الحزب في دوائر بعينها بالنساء فقط، اكتسبت غطاء قانونياً عبر قانون "التمييز الجنسي" لعام 2002، والذي مُدد مفعوله حتى 2030 بموجب قانون "المساواة" لعام 2010.

وجاء إقرار هذه الآلية في مؤتمر 1993 ضمن حزمة قدمها جون سميث، وأثار رفضاً علنياً من الزعيم السابق نيل كينوك ونائبه روي هاترسلي، وقد اعترفت هارمان نفسها عام 2014 بأن "أحداً لا يحب هذه القوائم، وأنها تشعر بعدم ارتياح حيالها، لكن الحزب لجأ إليها بعدما جرب كل الوسائل الأخرى من دون نتيجة".

النائبات المتمردات

قبل تولي بيرنهام منصبه، وجهت مجموعة النائبات العماليات في البرلمان رسالة إليه تتضمن خطة من 13 نقطة. طالبت فيها بمناصفة في التشكيلة الوزارية وطاقم مقر رئاسة الحكومة، وبتعيين امرأة نائبة لرئيس الوزراء، وباستحداث منصب وزيرة أولى لشؤون المرأة، وبسياسة عدم تسامح مطلق مع التنمر والكراهية للنساء.

وجاء في مسودة رسالة النائبات أن الحزب الحاكم يطلب من زعيمه الجديد إظهار هذا التغيير من اليوم الأول ومعالجة السمية والكراهية داخل الحزب والحكومة. كذلك تحدثت النائبات عن رواية تقول إن غرف اتخاذ القرار مغلقة أمامهن، ما يخلق نقاطاً عمياء في التعيينات ورسم السياسات، وفق نص الرسالة.

في التشكيلة الوزارية حقق بيرنهام المناصفة النسائية، ولكنه أقال رايتشل ريفز من وزارة المالية، وهي أول امرأة تتولى المنصب في التاريخ البريطاني، وعين مكانها جون هيلي. ولم يعين نائباً لرئيس الوزراء أصلاً، فيما اعتبرت لويز هيغ، التي تولت منصب الوزيرة الأولى ووزيرة دوقية لانكستر، نائبة له بالأمر الواقع. ثم عين بريجيت فيليبسون رئيسة للحزب في 27 يوليو (تموز) الماضي، وكان قد طمأن النائبات في لقاء سابق بأنه حليف لهن، متعهداً بإقالة أي موظف في فريقه يقوض النساء.

قالت جيس فيليبس، التي شاركت في لقاء المجموعة مع بيرنهام، "إن النساء يمثلن أكثر من نصف الكفاءات، وإن وجودهن في الغرفة لا يكفي ما لم يمتلكن مواقع القرار". وكانت فيليبس التي استقالت قبل أشهر من منصب وزيرة مكافحة العنف ضد النساء والفتيات، قد وصفت حزبها في مهرجان "هاي" الأدبي بأنه "متحيز جنسياً بعض الشيء".

 

تحفظات وتحديات

داخل صفوف المطالبات بالتغيير، ثمة تحفظ على اختزال القضية في هوية شاغل المنصب، إذ قالت فيليبس إنها لا تسلم بفكرة أن مجرد وصول امرأة إلى الحكم يحسن أوضاع النساء، مستشهدة بتجربة رئيسة الوزراء المحافظة ليز تراس. أما ليزا ناندي فقالت لـ"سكاي نيوز" إن زعامة نسائية للحزب "تأخرت كثيراً"، لكنها أبدت انزعاجها من أن يطلب منها التعليق على تنافس الرجال، مؤكدة أنها ليست ناطقة باسم أي منهم.

الاعتراضات لم تأت من خارج الحزب فحسب. فقد كتبت بادينوك في صحيفة "التايمز" أن الدعوة إلى المناصفة في حكومة بيرنهام دليل على "سياسات الهوية الفاشلة" التي تعرقل البلاد، وطالبت العماليات بالتوقف عن التذمر وخوض السباق فعلياً إذا أردن السلطة.

عملياً، تصطدم فكرة حظر ترشح الرجال بعقبتين. الأولى تنظيمية، إذ تتطلب تعديلاً في النظام الداخلي للحزب يقره المؤتمر السنوي، في وقت تشترط القواعد الحالية على أي مرشح للزعامة الحصول على تزكية 20 في المئة من الكتلة البرلمانية، أي 81 نائباً، وهو سقف يصعب على المرشحات تجاوزه في أجواء الحسم المبكر.

أما الثانية فقانونية. فالمادة 104 من قانون المساواة لعام 2010 تجيز للأحزاب اعتماد قوائم أحادية الجنس عند اختيار المرشحين لانتخابات البرلمان والحكم المحلي والبرلمانين الأسكتلندي والويلزي، ما يعني أن انتخابات الزعامة الداخلية تقع خارج نطاق هذا النص الصريح، وأن أي ترتيب من هذا النوع سيبقى شأناً تنظيمياً داخلياً معرضاً للطعن.

وترى سارة تشايلدز، الأكاديمية المتخصصة في تمثيل النساء السياسي بجامعة إدنبرة، أن حكومة بيرنهام قد تشكل نقطة تحول. غير أن الاختبار الحقيقي، كما يقول أنصار طرح هارمان، لن يكون في عدد الحقائب النسائية في حكومة يرأسها رجل، بل في ما إذا كان الحزب مستعداً لتغيير قواعده قبل الاستحقاق المقبل، أم أنه سيكتفي مجدداً بتأجيل السؤال إلى دورة أخرى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير