Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردن يعيد هندسة اللجوء السوري بـ"العودة الاستكشافية"

200 ألف لاجئ غادروا في 18 شهراً وربع العائدين من مخيمات اللجوء وعمان تراهن على تصفير الأزمة بـ"الاستجابة الواقعية"

طفلان سوريان في مخيم الزعتري للاجئين بالأردن (مفوضية اللاجئين)

ملخص

يقول مراقبون إن الأسباب التي دفعت كثيراً من اللاجئين إلى النظر إلى فكرة العودة كخيار وحيد، هي تبخر الدعم الدولي ووصول نسبة العجز في تمويل خطة الاستجابة للأزمة السورية إلى مستويات كارثية، إذ لم يتم تأمين سوى 30 في المئة من الحاجات المطلوبة لعام 2025.

مع تراجع صخب الأزمة السورية في أروقة الدبلوماسية الدولية، وبدء تبخر موازنات الإغاثة العالمية تحت ضغط الأزمات المستجدة، يقف الأردن أمام لحظة فارقة في التعامل مع أزمة اللاجئين، إذ استضافت أراضيه نحو مليون وربع المليون لاجئ لم يعد منهم حتى اليوم سوى نحو ربع مليون.

ولم تعد المسألة بالنسبة إلى الأردن وفق مراقبين مجرد "إدارة أزمة"، بل تحولت إلى محاولة لهندسة واقع جديد يتكيف مع تحدي عدم العودة الطوعية لهؤلاء اللاجئين إلى بلادهم. في رسالة مفادها أن عمان لم تعد تنتظر "الحل الشامل" المعطل دولياً، بل بدأت في صياغة "عودة واقعية" تضمن الكرامة للاجئ والاستقرار للدولة المستضيفة.

ديناميكية جديدة

تقود السلطات الأردنية منذ أشهر ديناميكية صامتة للتغلب على تحديات اللجوء السوري، عبر مسارات مدروسة للعودة الطوعية التي تمنح اللاجئ مفتاح العودة من دون أن تغلق خلفه أبواب الأمان، في محاولة لحل إشكالية استعصت على الحل طوال 15 عاماً وألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد الأردني وبناه التحتية.

ويبدو أن ثمة ما تغير في حسابات عمان لتدفع بملف اللجوء السوري نحو مسارات غير مسبوقة، من بينها الاستجابة لواقع ديموغرافي ضاغط، والتأسيس لمرحلة جديدة تعيد تعريف العلاقة بين اللاجئ، وبلده، والدولة المستضيفة.

وعلى رغم أننا أمام مشهد تقلص فيه اللجوء السوري في الأردن بنسبة تقارب 30 في المئة في غضون عام ونصف العام فحسب، انتقلت الحكومة الأردنية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة "تصفية التبعات" مع الحفاظ على شعرة معاوية مع المجتمع الدولي عبر تأكيد "طواعية العودة".

 أرقام العودة متواضعة

على أثر التغيرات السياسية الكبيرة في سوريا منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، تسارعت وتيرة العودة بشكل غير مسبوق وبلغ إجمال العائدين، وفق وزير الاتصال الحكومي، الدكتور محمد المومني، 200 ألف لاجئ سوري غادروا الأردن طوعاً باتجاه بلادهم منذ الثامن من ديسمبر 2024 وحتى مطلع مايو (أيار) 2026.

وكانت وتيرة المغادرة متذبذبة إذ شهد عام 2025 ذروة التحول، فبعدما كانت الحدود تشهد عبور المئات يومياً، تراجعت الأرقام نسبياً في الأشهر الأخيرة لتصل إلى نحو 350-1000 لاجئ أسبوعياً.

وانخفض عدد اللاجئين السوريين المسجلين رسمياً لدى مفوضية الأمم المتحدة في الأردن إلى نحو 388500 لاجئ، بعدما كان الرقم يتجاوز 670 ألفاً في أعوام الذروة.

يقول مراقبون إن الأسباب التي دفعت كثيراً من اللاجئين إلى النظر إلى فكرة العودة كخيار وحيد، هي تبخر الدعم الدولي ووصول نسبة العجز في تمويل خطة الاستجابة للأزمة السورية إلى مستويات كارثية، إذ لم يتم تأمين سوى 30 في المئة من الحاجات المطلوبة لعام 2025، مما أدى إلى قطع المساعدات النقدية عن آلاف العائلات.

على جانب آخر أظهرت استطلاعات لمفوضية اللاجئين أن 70 في المئة من اللاجئين العائدين شعروا بالأمان في مناطقهم الأصلية، وهو ما شجع المترددين منهم.

 

لكن السبب الأبرز هي السياسة الأردنية الجديدة والتي تقوم على تعليق الملف وإعطاء اللاجئ "شبكة أمان"، بحيث إذا وجد أن الوضع في سوريا غير آمن أو مناسب للاستقرار، فإنه لا يزال يملك صفة قانونية موقتة في الأردن، وهذا ما رفع نسبة الإقبال على تجربة العودة بنسبة 40 في المئة.

وتقوم هذه الفكرة على مسار "الخروج والعودة"، بحيث يتم السماح للاجئين بتجربة "العودة الاستكشافية"، وتفقد ممتلكاته في سوريا من دون أن يفقد صفة "لاجئ" فوراً، مما يزيل "فوبيا اللاعودة" التي كانت تمنع الآلاف من اتخاذ القرار. في السياق ذاته ربط الأردن العودة الطوعية بتسهيلات لوجيستية عبر المعابر الحدودية.

معوقات العودة

في المقابل ثمة تحديات وأرقام مقلقة تقف في طريق كثيرين ممن يفكرون بالعودة إلى بلدهم، إذ تشير تقارير إلى أن 36 في المئة من اللاجئين الذين يرفضون العودة حتى الآن يبررون ذلك بـدمار منازلهم بالكامل، بينما يخشى 23 في المئة من انعدام فرص العمل في الداخل السوري.

وبينما تتحدث الأرقام عن 388 ألف مسجل رسمياً، تشير التقديرات الحكومية إلى وجود قرابة 700 ألف سوري آخرين في الأردن غير مسجلين كلاجئين، وهؤلاء عودتهم تتم بصورة غير مرصودة بدقة من قبل المنظمات الدولية.

إلى ذلك بدأت المنظمات الدولية (مثل برنامج الغذاء العالمي) بتقليص الدعم النقدي بصورة حادة، مما وضع آلاف الأسر السورية أمام خيارين: الفقر المدقع في الأردن، أو العودة إلى المجهول في سوريا.

ويعد الأردن ثاني أفقر دولة في العالم مائياً، وأدى الضغط السكاني المفاجئ إلى استنزاف كبير للمياه الجوفية والخدمات التعليمية والصحية التي لم تعد تحتمل الوضع الراهن إلى الأبد.

وتدرك عمان أن استقرار "الجنوب السوري" وعودة السكان إلى مدنهم هو الضمانة الوحيدة لوقف تدفق عمليات التهريب الممنهجة التي تستنزف الجيش العربي الأردني.

أرقام تتحدث

بدأت القصة عام 2011 وهي مرحلة الاستجابة الإنسانية القصوى وفتح الحدود على مصراعيها، لاحقاً وفي الأعوام 2014 – 2017 تم بناء المخيمات الكبرى (الزعتري والأزرق) ومأسسة اللجوء.

وبين عامي 2018 – 2022 كانت مرحلة خطة الاستجابة الأردنية والضغط الدولي لتوفير الدعم مع بدء تراجع التمويل العالمي، لكن ومنذ عام 2024 بدأت ملامح التحول نحو المبادرة الأردنية للعودة الطوعية، وربط الملف بالتعافي المبكر في الداخل السوري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضع الأرقام الرسمية حول اللجوء السوري السلطات أمام واقع ضاغط لا يمكن تجاهله، فالعدد الكلي لمن استضافهم الأردن من لاجئين بلغ 1.3 مليون سوري، يقطن 10 في المئة منهم فقط في المخيمات.

من ناحية ثانية بلغت الفجوة التمويلية لخطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية عام 2025 ما يقارب 70 في المئة، مما يعني أن المجتمع الدولي بدأ "ينفض يده" من المسؤولية.

وعلى صعيد سوق العمل الأردنية تم إصدار أكثر من 400 ألف تصريح عمل للاجئين السوريين منذ عام 2016، مما جعلهم جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي المحلي.

دعم نقدي للعائدين

في سياق متصل، تقول المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن لديها برنامجاً تجريبياً بمثابة جسر عبور آمن لمن اتخذ قرار العودة طوعاً، إذ بدأت المفوضية منذ سبتمبر (أيلول) 2025 بتقديم دعم نقدي أساسي قدره (100 دولار) للفرد، وفي أبريل (نيسان) الماضي أضيفت حزمة دعم استثنائية تصل إلى 300 دولار للأسر "الأكثر هشاشة"، وذلك لردم الفجوة بين الرغبة في العودة والكلف المرهقة.

وحددت المفوضية بدقة الفئات المستحقة لهذا الدعم الإضافي، لتشمل الأسر التي تعيلها نساء، أو التي تضم أفراداً من ذوي الإعاقة والحالات الطبية الحرجة، إضافة إلى العائلات الكبيرة من ناحية عدد الأفراد، في خطوة تهدف إلى ضمان حماية الفئات الهشة خلال رحلة العودة.

وتؤكد المفوضية أن هذا البرنامج يقتصر حالياً على قاطني مخيمي الزعتري والأزرق ولا يروج للعودة الجماعية.

عودة عائلية

يؤكد المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن يوسف طه، أن 16 ألف لاجئ سوري عادوا إلى موطنهم منذ مطلع العام الحالي، موضحاً أن 58 في المئة من العائدين إلى سوريا عادوا إلى بلادهم كعائلات، بينما كان 42 في المئة منهم أفراداً وكان 24 في المئة من مجموع العائدين من مخيمات اللجوء.

ووفق المتحدث فإن العدد الحالي للاجئين السوريين في مخيمي الزعتري والأزرق بلغ 81 ألف لاجئ، مشيراً إلى أن عدد العائدين المستفيدين من المساعدات النقدية التي تسهل عملية العودة يبلغ نحو 6500 لاجئ سوري.

في المقابل تقول منظمة كير العالمية في الأردن إنها تقدم برامج تعمل على تشبيك اللاجئين العائدين مع عائلات مقيمة في مناطقهم الأصلية، مع الإشارة إلى أن معظم اللاجئين السوريين الموجودين في الأردن ليس لديهم أرض مملوكة أو منزل، وعليهم أن يبدأوا حياتهم من الصفر في ظل انخفاض كبير في التمويل لتغطية الاستجابة لأزمات اللجوء.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير