ملخص
تترقب الأسواق الأميركية طروحات أولية ضخمة لأسهم "سبيس إكس" و"أنثروبيك" و"أوبن أي آي" بقيمة تقارب 200 مليار دولار، وسط توقعات بزيادة تركز مؤشرات الأسهم في شركات التكنولوجيا ومخاوف من ضغوط مستقبلية على السوق بسبب تضخم التقييمات وكثافة السيولة المتدفقة إلى هذه الأسهم.
تنتظر الأسواق هذا الشهر الطرح الأولي لأسهم ثلاث شركات كبرى قد تضيف ما يصل إلى 4 تريليونات دولار إلى قيمة سوق الأسهم الأميركية في غضون أشهر من طرح أسهمها للمرة الأولى.
فقبل منتصف الشهر الجاري ستطرح شركة "سبيس إكس" لصناعات صواريخ الفضاء التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك ما قيمته 75 مليار دولار من أسهمها في "وول ستريت" بنيويورك، ليبدأ تداول أسهمها على مؤشر "ناسداك" في اليوم التالي.
وبعد الطرح الأولي لشركة الصواريخ، ستطرح شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، وكذلك منافستها "أوبن أي آي"، جزءاً من أسهمهما أيضاً للتداول بعدما تقدمتا بأوراقهما للطرح الأولي للسوق مطلع الشهر الجاري، وتستهدف الشركتان طرح أسهم بمقدار 60 مليار دولار لكل منهما.
ومع أن الطرح الأولي للأسهم للشركات الثلاث لا يمثل نسبة كبيرة من قيمتها السوقية المقدرة، إلا أن حجم الطرح الأولي يزيد من تركيز قيمة مؤشرات الأسهم للأسواق في مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجيا.
ويمثل ذلك تحدياً ليس نتيجة التركز وحسب، بل أيضاً لاعتبارات قدرة السوق على "هضم" تلك الطروحات الكبيرة دفعة واحدة، كما يخلص تحليل لمجلة "ذا إيكونوميست" هذا الأسبوع.
ويتوقع أن تشهد الأسواق "حمى" تداول على الأسهم المطروحة من الشركات الثلاث، إضافة إلى ما سيُطرح من أسهمها في ما بعد الطرح الأولي.
أخطار محتملة
ويحاول تحليل المجلة الإجابة عن السؤال الأهم وهو "كيف ستتعامل البورصة مع هذا الطرح الكبير؟"، ويحذر كبير الاستراتيجيين في شركة "إنترأكتيف بروكرز"، واحدة من أكبر منصات التداول عبر الإنترنت في العالم، ستيف سوسنيك مما يعتبره "خطراً وجودياً" يمكن أن ينجم عن الطروحات الأولية للأسهم.
وستمنح سلطات التسجيل في سوق الأسهم الشركات الثلاث "جواز مرور سريعاً" إلى المؤشرات الكبرى، مما سيجعل صناديق تتبع الأسهم التي لديها أصول بتريليونات الدولارات، تشتري أسهم الشركات المطروحة بكثافة من اليوم الأول لتسجيلها.
بعد ذلك يبقى المستثمرون والمتعاملون ممن لديهم سيولة كبيرة، أي إن السوق سـ"تبتلع" أسهم الطروحات الجديدة دفعة واحدة، لذا يتوقع أن تعاني السوق "عسر الهضم" خلال الأعوام التالية.
ولوضع الطرح الأولي للأسهم للشركات الثلاث في سياقه، يشير تقرير المجلة إلى أن أكبر طرح أولي للأسهم كان طرح نسبة بسيطة من أسهم عملاق الطاقة السعودي "أرامكو" في سوق الرياض عام 2019 بقيمة 29 مليار دولار (38 مليار دولار بأسعار اليوم).
أما الشركات الثلاث "سبيس إكس" و"أنثروبيك" و"أوبن أي آي"، فتستهدف مجتمعة نحو 200 مليار دولار من الطرح الأولي هذا الشهر.
وقياساً على حجم السوق الأميركية، لا يُعد الرقم كبيراً بأية صورة من الصور، فالحجم الإجمالي لمؤشر "راسل 3000" الذي يضم غالبية الشركات الأميركية المسجلة في البورصة، تصل قيمته السوقية إلى 79 تريليون دولار.
أما المؤشر الأدق تعبيراً عن السوق، والأكثر متابعة من الصناديق، وهو "أس أند بي 500"، فتصل قيمته السوقية إلى 69 تريليون دولار.
بالتالي لن يلحظ المستثمرون في الصناديق التي تتابع مؤشرات الأسهم تغييراً كبيراً في محافظهم، على رغم أن مؤشر "ناسداك" عدّل الفترة ما بين طرح الأسهم وتسجيلها في المؤشر لمتابعتها إلى أسبوعين وحسب، بينما قصّر "فوتسي راسل" المدة إلى خمسة أيام فقظ.
وتُقدر قيمة الشركات على المؤشر مقابل الأسهم التي تطرحها وحسب، وليس قيمتها السوقية الكلية، أي تكون القيمة السوقية على المؤشر للأسهم المتاحة للتداول في السوق وحسب.
بالتالي، مع استهداف شركة "سبيس إكس" طرح ما يساوي 75 مليار دولار من الأسهم، سيكون "وزن قيمة السهم" على مؤشر "أس أند بي 500" بنسبة 0.1 في المئة فقط.
أما مؤشر "ناسداك" فيُعد استثناءً، إذ غيّر قواعده ليكون وزن الشركة المسجلة على المؤشر يساوي ثلاثة أضعاف قيمة الأسهم المطروحة، في محاولته جذب إيلون ماسك ليسجل شركته على المؤشر الذي تبلغ قيمته السوقية 40 تريليون دولار. ومع ذلك سيكون وزن قيمة سهم "سبيس إكس" على مؤشر "ناسداك" عند نسبة 0.5 في المئة.
وزن أسهم الشركات على المؤشرات
ومن المتوقع أن يتغير ذلك مع طرح مزيد من أسهم الشركات في السوق بعد الطرح الأولي بفترة، أما وزن سهم الشركة فهو نسبة القيمة السوقية للأسهم المطروحة من الشركة إلى القيمة السوقية الإجمالية للمؤشر كله. وباستثناء شركة واحدة، فإن شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة لديها أسهم مطروحة للتداول تساوي أكثر من 85 في المئة من قيمة الشركة.
فعلى سبيل المثال، إن نسبة 100 في المئة من شركة "مايكروسوفت" مطروحة كأسهم للتداول في السوق، تليها شركة "أبل"، وأقلها شركة "ميتا"" مالكة "فيسبوك"، إذ يظل مؤسسها مارك زوكربيرغ يملك نسبة 13 في المئة من الشركة.
وبحسب أوراق الطرح الأولي للأسهم المقدمة إلى السوق، فإن الشركات الثلاث تحظر على حملة الأسهم من موظفيها الكبار ومن المستثمرين الأساسيين فيها بيع حصصهم في السوق بما يزيد نسبة المطروح للتداول لفترات محددة بعد الطرح.
لكن ذلك سيتغير بانتهاء مدة الحظر، مما يعني دخول أسهم بتريليونات الدولارات إلى السوق في ما بعد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعتزم "سبيس إكس" رفع الحظر عن بيع حصص مستثمريها وموظفيها على مراحل، فإذا كان طرح "سبيس إكس" الأولي يستهدف 75 مليار دولار، مع تقييم الشركة، بحسب ما تدعي، عند 1.75 تريليون دولار، فإن نسبة الأسهم المطروحة للتداول بداية ستكون أربعة في المئة من الشركة.
وبحسب أوراق الطرح، فإن حصة إيلون ماسك التي تصل إلى نحو نصف الشركة، لا يمكن طرحها كأسهم حرة للتداول قبل عام، وينطبق الحظر أيضاً على حصص "مستثمرين مهمين" في الشركة.
أما الحظر على النصف الباقي من الشركة، فستنتهي مدته خلال فترة أقصر من ذلك، فبعد إفصاح أول ربع سنوي بعد الطرح، أي ربما في أغسطس (آب) أو سبتمبر (أيلول) المقبلين، يمكن لكبار موظفيها بيع نسبة 20 في المئة من حصصهم في الشركة كأسهم حرة للتداول في السوق.
ويمكنهم بيع نسبة 10 في المئة إضافية إذا كان يجري تداول أسهم الشركة عند سعر يزيد على 30 في المئة من السعر عند الطرح الأولي للأسهم. وبعد إفصاح ثاني ربع سنوي عقب الطرح، ينتهي الحظر على نسب أخرى من حصص الموظفين والمستثمرين.
الطروحات الكبرى ووضع السوق
هذه هي الحال بالنسبة إلى الشركتين الأخريين، مع أنه ليس لزاماً على مالكي الحصص طرح تلك النسب من حصصهم كأسهم تداول حر حين ينتهي الحظر، فإيلون ماسك مثلاً سيحتفظ على الأرجح بحصته لما لها من قوة تصويتية في إدارة الشركة، وربما هذه هي الحال أيضاً بالنسبة إلى "أنثروبيك" و""أوبن أي آي". لكن مع دخول تلك الأسهم الإضافية إلى السوق، ستكون هي المتاحة أمام بقية المتعاملين بعد اقتناص الصناديق وكبار المستثمرين أسهم الطرح الأولي.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن من يشترون تلك الأسهم في ما بعد يكونون عرضة للإحباط من أدائها، إذ درس جاي ريتير من جامعة فلوريدا معدلات العائد على الأسهم بعد الطرح الأولي خلال الفترة ما بين عام 1980 وعام 2024، وكانت النتيجة أن العائد على تلك الأسهم كان أقل بنسبة 20 في المئة عن متوسط عائدات السوق خلال الأعوام الثلاثة التالية للطرح الأولي. والشركات التي كان تقييمها السوقي عند 40 ضعفاً من عائداتها المتوقعة كان أداء أسهمها أقل بنسبة 58 في المئة عن أداء السوق.
وعلى سبيل المثال، فإن التقييم السوقي لشركة "سبيس إكس" عند 1.75 تريليون دولار يعني أنها مقيمة على أساس 90 ضعفاً من عائداتها المتوقعة.
وتاريخياً أيضاً، تكون عمليات الطرح الأولي الكبيرة قرب وصول الأسواق إلى ذروة منحنى مؤشراتها، حين تسعى الشركات إلى الحصول على أكبر مقابل لأسهمها من السوق، فقد جاءت موجة الطروحات الأولية الكبيرة عامي 2020 و2021 قبل انهيار السوق، كما أن موجات الطرح الأولي للأسهم السابقة، خصوصاً خلال تسعينيات القرن الماضي وقبل الأزمة المالية العالمية في 2008، تلاها هبوط كبير في الأسواق.