ملخص
فقد مصطلح "المليونير" في مصر دلالته التقليدية، بعدما كان المليون جنيه يمثل ثروة تضمن مستوى معيشة مرتفعاً ويوصف ممتلكو هذا المبلغ بالأثرياء والمقتدرين، واللافت أن هذا التحول رغم أنه حدث بصورة تدريجية لكن في الأعوام الأخيرة هوت قيمة المليون جنيه بصورة صادمة، ووفقاً لخبراء الاقتصاد لم يعد أصحاب بضعة الملايين من الأثرياء، وإنما يجب أن يتضاعف المبلغ 10 مرات على الأقل ليقف صاحبه على أولى عتبات الأمان المادي.
يتذكر المصريون جيداً مسلسل "رحلة المليون" الذي قدمه الفنان محمد صبحي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث عاشوا مع البطل سنبل رحلة الثراء وحلم تحقيق هذا المبلغ الأسطوري الكفيل بحل جميع المشاكل المالية للمواطن العادي، بل وجعله يصعد لمصاف أثرياء الصف الأول سريعاً، بمنزل فاره، وسيارة فاخرة، وامتلاك بيزنس كبير، وأراض وعقارات، وشراء مستلزمات الزواج، وفي النهاية تأمين فائض مالي كاف.
ففي ذلك الوقت كانت المليون جنيه تعني الرفاهية الكاملة للفرد الطبيعي، والحقيقة أن مسلسل "رحلة المليون" لم يكن الوحيد الذي تغنى بهذا المبلغ الذي يسمى في الثقافة الشعبية المصرية "أرنب" نظراً لصعوبة مطاردته والحصول عليه، ونظراً لأنه يكون البوابة لمضاعفة الثروة سريعاً أيضاً، وإنما هناك أعمال عديدة غازلت مخيلة الطامحين بالمليون، ولكن يظل هذا العمل أكثرها شهرة.
حتى الآن لا يزال وقع "مليون جنيه"، أي ما يعادل نحو 20 ألف دولار أميركي، له سطوة على الأسماع في مصر، ولا تزال لكلمة مليونير التأثير ذاته، ولكن هذا في المخيلة فقط، فحينما يترجم هذا المبلغ على الواقع فلن يكفي لاحتياجات الشاب للزواج على سبيل المثال، بخاصة وأن بعض فئات شقق الإسكان الاجتماعي المدعمة من الحكومة لمحدودي ومتوسطي الدخل، التي تعد الأقل سعراً، تتجاوز هذا المبلغ من الأساس، فالواقع الاقتصادي والتضخم في أسعار السلع والخدمات جعلا كلمة "مليونير" ذات مغزى مشوش، فهي من ناحية ترتبط في الثقافة العامة بالثراء الفاحش والارتياح المادي، ومن ناحية أخرى تبدو وكأنها سخرية، فهي مرادف للاحتياج المادي، لأن من لديه مليون جنيه في حسابه، ويريد أن يشق طريقه في الحياة الشخصية والمهنية بالطبع سينفق كل المبلغ ويكون مفلساً تماماً، وبالطبع سيجد نفسه مطالباً بتدبير أضعاف هذا المبلغ.
فهل فقدت كلمة "مليونير" في الذاكرة الشعبية معناها للأبد في مصر بهذه السرعة، لا سيما وأن الجماهير لا تزال تردد أغنية "مليونير مليونير" التي كان يؤديها أبطال مسلسل "بـ100 وش" الذي عرض عام 2020، أي قبل خمسة أعوام فقط وكانت الأغنية تشير إلى أن مليون جنيه تمثل ضمانة مؤكدة للأمان المادي، لكن حالياً بات من الضروري البحث عن وصف بديل أو على الأقل التأكد من أن مليوناً واحداً لا يكفي!
البحث عن تعريف للمواطن الثري
من الطبيعي أن تتغير الأسعار على الأقل منذ الثمانينيات، حيث كان سعر الشقة الفاخرة لا يتجاوز الـ25 ألف جنيه، ويمكن شراء فيلا شاسعة بـ100 ألف جنيه، فيما كان سعر جرام الذهب أقل من ستة جنيهات، ويتراوح سعر الدولار الأميركي الواحد ما بين جنيه واحد و12 جنيهاً طوال تلك الحقبة، ولكن حتى مع كل تلك التغييرات، وحتى مع فكرة أن الثراء نفسه متعدد الدرجات ويعتبر أمراً نسبياً ويتغير معناه من طبقة مجتمعية إلى أخرى، إلا أن المليون جنيه ظل حتى وقت قريب رقماً له هيبته ويمكنه أن يؤمن الحياة ويصحح المسارات المالية ويضمن الترقي المجتمعي للغالبية من الناس، فما الذي جعل لفظ مليونير يفقد معناه في مصر أخيراً؟
ترى أستاذة الاقتصاد الدكتورة هدى الملاح أن السبب الرئيس هو ضعف القوة الشرائية للجنيه الذي نتج عن عدة عوامل ومتغيرات حدثت للاقتصاد المصري بصورة متلاحقة، ومعها تآكلت قيمة الأموال، إذ بات التضخم يلتهم كل محاولات الثراء الطبيعية والمتدرجة، فأصبح المليون جنيه رقماً كبيراً جداً على الورق، ولكنه فقد قوته تماماً، وتراجعت قدراته الشرائية وهوت بصورة جعلت فكرة الظن بأن السعي للحصول على مليون جنيه واحد فقط سينقل صاحبه لخانة الأثرياء أمراً عبثياً.
مرت مصر بخمس موجات من تحرير سعر الصرف منذ عام 2016 وحتى 2024، ولكن كان أكثرها تأثيراً في القيمة الشرائية للجنيه هو التعويم الأخير الذي قفز بسعر الدولار من 30 جنيهاً إلى ما يزيد على الـ50 جنيهاً، وفقاً لأسعار الصرف في السوق الرسمية.
ترى الدكتورة هدى الملاح أن المليونير في مصر لم يعد ثرياً بأي حال من الأحوال، لا سيما من يملكون بضعة ملايين بالكاد ستمكنهم من شراء الاحتياجات الأساسية مثل المأوى والسيارة من الفئة المتوسطة أو أقل من المتوسطة لكليهما.
وتتابع الملاح: "أصبح من الصعب على المواطن حتى من ذوي الدخل المتوسط وما فوقه أن يسدوا احتياجاتهم من دون اللجوء لنظام التقسيط، وكذلك بات الادخار الذي كان عادة مصرية شهيرة شبه مستحيل بالنسبة لكثيرين، وبعدما كان المليون جنيه ثروة كاملة، أصبح من الضروري أن يتحول إلى مليون دولار، أي 50 ضعفاً في الأقل، كي يصبح له بعض من التأثير القديم. هذا على مستوى، أما على مستوى آخر متعلق بعالم رجال الأعمال، فبات رقم نصف مليار جنيه هو المعدل الذي يمكن أن تبدأ منه صفة الثراء، والحقيقة أنه مع ارتفاع أسعار الطاقة والتعويم وغيرها من العوامل التي تؤثر سلباً على الجانب الاقتصادي، إلا أنه كان يمكن تخفيف حدتها بسهولة لو كان بند التصدير يفوق في عوائده بند الاستيراد، ولكن كبلد يستورد معظم احتياجاته تبدو التأثيرات قاسية على المواطن".
رقم الـ6 أصفار يفقد هيبته
لطالما كان حلم الستة أصفار أو المليون جنيه، يمثل طموحاً كبيراً بالنسبة للأشخاص العاديين في مصر، ولكن هذا في زمن كان للـ1000 جنيه نفسها وقع مختلف تماماً، وقد غازل مؤلفو السينما والدراما التلفزيونية هذا الخيال عبر عديد من الأعمال التمثيلية مثل فيلم "مليون جنيه" 1953 بطولة شكري سرحان وسميرة أحمد ونعيمة عاكف وإخراج وتأليف حسين فوزي، ومسلسل "كيف تخسر مليون جنيه" 1978 لعادل إمام ونبيلة عبيد، عن قصة لبهجت قمر وإخراج عادل صادق، و"فكرة بمليون جنيه" إخراج وائل إحسان وبطولة علي ربيع وسهر الصايغ، وهو العمل الذي عرض عام 2019، أي إنه حتى أعوام قليلة كان لا يزال هذا الرقم كفيلاً بأن ينقل أصحابه لمصاف الأثرياء أو على الأقل يزيل عن كاهلهم القلق المادي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى خبير أسواق المال وعضو الاتحاد الدولي للمحللين الفنيين ريمون نبيل أن بداية الأزمة الاقتصادية التي بدأ معها المليون جنيه في فقدان شيء من قوته تزامنت مع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، حيث أثرت الأحداث السياسية بطبيعة الحال على الاحتياط النقدي والدخل القومي، مشيراً إلى أن رحلة التعافي لم تستمر طويلاً حتى بدأت أزمات متواصلة مثل فيروس كورونا وحرب أوكرانيا وحروب الشرق الأوسط، وهي أمور أثرت على الاقتصاد العالمي بصورة عامة، لافتاً إلى أن موجات التضخم تطال جميع الدول، وبالتبعية الاقتصاد المصري، مضيفاً أنه خلال تلك الفترة انخفضت قيمة المليون جنيه كثيراً حتى أصبح رقماً عادياً للغاية لا يتيح لصاحبه شراء سيارة جديدة من الفئة الأقل.
وإن كانت الدكتورة هدى الملاح، تعتقد أن مدلول كلمة مليون في الذاكرة الشعبية يعادله حالياً على الأقل 50 مليوناً، فإن عضو الاتحاد الدولي للمحللين الفنيين ريمون نبيل يشير إلى أنه قد تكفي 10 ملايين فقط في أوقات كثيرة لمعادلة الرقم، لافتاً إلى أن الطفرة السعرية التي حدثت اضطرارية لأن الشرق الأوسط مر بأحداث ثقيلة ومصر تأثرت بشدة، منوهاً إلى أن سعر الدولار ارتفع بطبيعة الحال، ولكن برأيه فإن أسعار الذهب ارتفعت بمعدل أكبر بكثير، بعد اتجاه الدول والبنوك للتحوط بالذهب في ظل حالة عدم الاستقرار والتوترات الإقليمية والعالمية.
على ذكر الذهب الذي تقفز أسعاره بمعدلات غير مسبوقة، فكثيرون يحسبون مستوى رواتبهم بالعملة المعدنية، والحقيقة أنه بعد تطبيق ارتفاع الحد الأدنى للأجور الذي يأتي في إطار الجهود الرسمية لتخفيف أعباء التضخم عن كاهل المواطن، حيث من المقرر أن يرتفع هذا الحد ليصل إلى 8 آلاف جنيه، أي ما يعادل 160 دولاراً تقريباً، ويدخل حيز التنفيذ الشهر المقبل، فإن القيمة تساوي بالضبط جراماً واحداً من الذهب عيار 24، فيما يمكن لصاحب المليون جنيه أن يشتري 125 غراماً من الذهب فقط، وفي حين أن المليون لن يمكن صاحبه من شراء سيارة جديدة، لكنه سيمكنه بكل تأكيد من شراء 10 هواتف محمولة من الفئة الأعلى للـ"آيفون"، بعدما كان يسمح لمن يمتلكه بشراء شقتين متوسطتي المساحة في منطقة راقية أو 50 هاتف آيفون قبل نحو ستة أعوام تقريباً.
المليونير المديون
تبدو الأرقام ضخمة للغاية بينما السلعة المشتراة عادية تماماً، هنا يعلق الخبير الاقتصادي ريمون نبيل بأنه على الرغم من الاستفادة الاقتصادية الكبيرة التي حظيت بها مصر أخيراً، بسبب التوترات الإقليمية، سواء في ما يتعلق بارتفاع صادرات الأسمدة والمعادن وأيضاً ارتفاع معدلات السياحة، لكن تظل هناك فئات كثيرة تعاني، حيث يضطر المواطن إلى الاستدانة واللجوء لأنظمة التمويل الاستهلاكي وإثقال جيبه بديون أكبر من دخله بكثير فقط من أجل شراء السلع الضرورية، فهو لم يورط نفسه في قرار اقتصادي ضخم، أو يدخل مغامرة بيزنس غير محسوبة، ولكنه فقط يحاول شراء مستلزماته الضرورية ولا يجد أمامه سوى أنظمة الاستدانة والدفع المؤجل وتحمل الفوائد الباهظة.
مع كل تلك التغييرات يتغير مفهوم الشخص الثري والمقتدر، وتتغير معاني ومدلولات المبالغ المالية، ولهذا فمن الطبيعي جداً أن نجد حولنا مليونيرات مديونين لأنظمة التقسيط الصغيرة وتطبيقات القروض الميسرة، وترى الأكاديمية هدى الملاح أن تلك الدائرة الجهنمية من ارتفاع الأسعار كفيلة بأن تقضي على طموحات الثراء المعهودة المتمثلة في الادخار أو الدخول في مشروعات صغيرة ثم التوسع، مطالبة بالبحث عن بدائل وتعديل السياسات المالية في البلاد، كي لا ترث الأجيال القادمة ديونا متراكمة.