ملخص
أكدت بعض الدراسات الجامعية الأكاديمية الحديثة ومنظمات حقوقية عدة أن هذا النوع من العنف الجنسي، الذي عرف تاريخياً ومنذ القدم، لا يزال مستمراً ومتداولاً حتى يومنا هذا.
في سياق ألعاب الفيديو المتخيلة الحديثة، ظهرت تسمية مجازية، ولكنها مرتبطة بالعنف الجنسي ضد النساء في الواقع وهي تسمية "حرب الجثث".
كثيراً ما يكشف لنا عالم الترفيه من خلال الأفلام وألعاب الفيديو عن حقائق صادمة للغاية وممارسات همجية خطرة موجودة في الواقع. وفي سياق ألعاب الفيديو المتخيلة الحديثة، ظهرت أخيراً تسمية مجازية، ولكنها مرتبطة بالعنف الجنسي ضد النساء في الواقع، وهي تسمية "حرب الجثث"، لتفضح واحداً من أخطر سلوكيات الإنسان في الحروب المعاصرة، وهي ظاهرة تشجيع بعض النساء أو إرغامهن على الحمل غير المرغوب والاستمرار في الإنجاب أثناء الحروب الدامية والكوارث الطبيعية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، رأت منظمات حقوق المرأة هذه الممارسة أداة من أدوات الحرب، فيما تناولت دراسات علمية دقيقة هذا النوع من أنواع العنف الجنسي، إذ أكدت بعض الدراسات الجامعية الأكاديمية الحديثة ومنظمات حقوقية عدة أن هذا النوع من العنف الجنسي، الذي عرف تاريخياً ومنذ القدم، لا يزال مستمراً ومتداولاً حتى يومنا هذا.
تسمية الظاهرة
ظهرت تسمية "حرب الجثث" ضمن إحداث قصة مستوحاة من وباء الطاعون الأسود الذي انتشر في العالم من عام 1346 – 1353، والذي نقلته بكتيريا يريسنيا الطاعونية. والقصة كما ظهرت على موقع fandom.com، التي تصف نفسها بأنها أكبر منصة ترفيهية وألعاب في العالم من صنع المعجبين ورفيق دائم ومصدر شامل ومتكامل لـ350 مليون معجب حول العالم، هي كناية عن الموتى الذين يقضون بأعداد كبيرة في الحروب الدينية المقدسة لدى أوروبا في فترة ما من تاريخها البدائي، إذ كانت حرب الجثث صراعاً بين قوات طائفة الكأس السوداء وعوالم المؤمنين في أوروبا.
وجاء في خلفية أحداث هذه القصة الخرافية التي تحولت اليوم إلى لعبة فيديو واسعة الانتشار في أوروبا، وفتحت عيون كثيرين على ظاهرة العنف الجنسي ضد النساء: "أطلق بعلزبول الكأس السوداء للمرة الأولى عام 1343، فأصاب عشرات الملايين. فتأسست جماعة الذبابة في أعقاب ذلك، وأعادت بناء مدينة عقرون التي أصبحت مركز الطائفة". ويقول التاريخ المتخيل للعبة إن حرب الجثث بدأت عام 1363، ودارت رحاها في أوروبا القارية، وشاركت فيها جيوش فرنسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة وتاج إنجلترا في قتال جحافل الموتى الأحياء.
علاقتها بصور العنف الجنسي
اتخذ العنف الجنسي حديثاً وقديماً أشكالاً مختلفة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الاختطاف والاعتداء والاغتصاب والزواج المبكر والقسري والاتجار بالبشر والتعقيم القسري، إذ "يواجه الناجون من الكوارث عواقب طويلة الأمد، تشمل الصدمات النفسية والحمل غير المرغوب فيه". وفيما يخص العنف الجنسي الذي يؤدي إلى الحمل غير المرغوب فيه تحديداً، أكدت منظمات حقوقية أنه لا يجوز قانونياً وإنسانياً تشجيع المرأة على الحمل والإنجاب أثناء الحروب والكوارث الطبيعية طويلة الأمد لأسباب عدة، منها أنه "بسبب النزوح وفقدان الأمن وتدهور البنية التحتية، تعاني النساء الحوامل انقطاع رعاية القابلات"، إذ تحدث نحو 50 في المئة من وفيات الأمهات والمواليد والأطفال في هذه السياقات غير الإنسانية، "وغالباً ما يعجز الأطفال الناجون عن النمو بطريقة سليمة، أو حتى يتعرضون للإهمال وسوء المعاملة".
دراسة العنف الجنسي حديثاً
حديثاً درس العلماء ظاهرة العنف الجنسي من خلال منهج بحثي واقعي وحقيقي، تناول الظاهرة من خلال الأرقام والإحصاءات الدقيقة، التي تعمقت في فهم جميع ملابسات الظاهرة، مما قاد في النهاية إلى وضع نظريات حديثة ربطت واحدة منها بين التعداد السكاني وتزايد الحروب بصورة مباشرة. وفي هذا السياق، حذرت بعض منظمات حقوق الإنسان ذات العلاقة المباشرة بالأم والمواليد الجدد، وأهمها منظمة "المجلس الدولي للقابلات"، من استمرار العنف الجنسي في الحروب المعاصرة، ودانت هذه المنظمة في "بيان موقف" لها نشر قبل عامين، جهات وشخصيات عدة تعد محرضة وراعية لهذه الظاهرة. ومن أبرز هذه الجهات التي دانتها المنظمات بصورة غير مباشرة بعض قادة الحروب الحديثة التي وقع أشرسها في أوكرانيا وفلسطين وإيران والسودان.
في التاريخ البدائي
في التاريخ البدائي للإنسان ولأكثر من 2000 عام، وقعت النساء اللاتي يجبرن على الإنجاب في أوقات الحروب والكوارث، ضمن صلب أسطورة "حرب الجثث" بشقها الحقيقي والواقعي، إذ استمرت الحروب البشرية من الحقبة اليونانية إلى الحربين العالميتين، أي من 500 ق.م - 1900م. ووفق مقالة "الحرب والنمو السكاني وعدم المساواة وتاريخ فكرة الدولة العالمية: أسباب الحروب العالمية وتطور الحوكمة العالمية على المدى الطويل"، وهي للباحثة آنا كورنيليا باير من قسم العلوم السياسية بجامعة هال في المملكة المتحدة، أقحمت المرأة غير الراغبة في الإنجاب خلال الحروب في لعبة النزاعات الحديثة الدامية. واستعرضت آنا كورنيليا هذه الظاهرة عبر ثلاث محطات تاريخية متعاقبة هي: فترة الحروب اليونانية 500 ق.م، ثم حرب الـ30 عاماً 1600م، وصولاً إلى الحربين العالميتين بعد عام 1900م. وأظهرت هذه الدراسة أن الأخطر والصادم كان استمرار استخدام العنف الجنسي كأداة للحرب عبر نظرية الحرب والنمو السكاني الحديثة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نظرية الحرب والنمو السكاني
تتناول هذه المقالة بطريقة علمية دقيقة تطور الحرب والسياسة على المدى الطويل من منظور حق المرأة في عدم الإنجاب أثناء الحروب، وكذلك تتطرق إلى مناقشة تاريخ الحرب وتاريخ الفكر السياسي. ومن اللافت أن دراسة كورنيليا التي نشرت في مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية (المجلد 6، العدد 5) حددت الزيادة السكانية الهائلة والمفاجئة كأحد أسباب الحروب الكبرى. ولفتت النظرية إلى أنه "لا يزال النمو السكاني هائلاً في القرن الـ21، وينبغي ضبطه ضمن حدود معقولة". وفي هذا السياق أوضحت الدراسة أيضاً أن البشرية شهدت ثلاث فترات حرب رئيسة هي الحروب اليونانية عام 500 قبل الميلاد، وحرب الـ30 عاماً في 1600م، والحربان العالميتان الأولى بين الـ28 من يوليو (تموز) 1914 والـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1918، والثانية في الأول من سبتمبر (أيلول) 1939، والتي استمرت حتى الثاني من سبتمبر 1945. وتعد هذه الفترات من أهم فترات الحرب في تاريخ البشرية، ووفقاً لما توصل إليه العلم الأوروبي الحديث أفرزت هذه الفترات الحربية الكبرى "أعمالاً كلاسيكية" في مجال العلاقات الدولية، وأدت إلى "ابتكارات سياسية رئيسة مثل مبدأ السيادة، وأفكاراً حول التنظيم الديمقراطي العالمي، ونشأة علم العلاقات الدولية والأمم المتحدة". وقد سبق كل هذه الفترات الحربية نمو سكاني هائل ومفاجئ.
خلفية
تؤكد الدراسات العلمية الحديثة أنه في السياقات الإنسانية الهًشة، بما في ذلك تلك المناطق التي تشهد حروباً ونزاعات وكوارث مناخية وحالات طوارئ معقدة، تتزايد انتهاكات حقوق الإنسان، مما يؤثر بصورة غير متناسبة على الفئات المهمشة والضعيفة، "فالنساء والأطفال أكثر عرضة للنزوح والحرمان، وأكثر عرضة للإصابة والمرض. وفي الوقت نفسه، يزداد احتمال تقييد أو رفض حصولهم على الخدمات الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأم والوليد والمراهق"، إذ يؤدي فقدان "المساحات الآمنة" خلال الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية إلى زيادة تعرض النساء والأطفال للعنف والاعتداء الجنسي.
المجلس الدولي للقابلات
في "بيان موقف" وضمن مقالة نشرت يوم الـ25 من يوليو 2025 يقول موقع المجلس الدولي للقابلات تحت عنوان "حقوق الإنسان للنساء والأطفال والقابلات في السياقات الإنسانية"، والذي جاء ضمن فرع العمل الإنساني وتغير المناخ "لا يزال العنف الجنسي منتشراً في مناطق النزاع على نطاق واسع، وغالباً ما يكون منهجياً، بسبب النزوح وتفاقم عدم المساواة وانهيار القانون والنظام وتقلص الحيز المدني، ولكنه يستخدم أيضاً في كثير من الأحيان كأداة للقمع والحرب"، ولذلك تشجع الجمعيات الحقوقية على دعم مبادرات السلام في العالم، والدعوة إلى التعاون مع الحكومات لضمان تلبية حاجات الصحة الإنجابية والتوليدية في السياقات الإنسانية، وذلك للحد من انقطاع الرعاية في حالات النزاعات وتغير المناخ والكوارث الطبيعية، أو حالات الطوارئ المعقدة.
معاناة الحوامل والقابلات القانونيات
تعاني النساء الحوامل بسبب النزوح وفقدان الأمن وتدهور البنية التحتية انقطاع رعاية القابلات، وغالباً ما يلدن في ظروف غير آمنة، إذ تؤدي القابلات دوراً حيوياً في حماية حقوق النساء والأطفال في أعقاب الكوارث وفي مناطق النزاع، من خلال توفير رعاية تحترم حقوقهن ووضع خطط الاستعداد للولادة، فيما تتأثر عديد من القابلات شخصياً بحالات الطوارئ الإنسانية، "إذ يتعرضن للنزوح، أو يصبن أو يقتلن في مناطق النزاع أو الكوارث الطبيعية، وقد يفقدن أفراداً من أسرهن. كذلك قد يواجهن العنف الجنسي، وغالباً ما يعملن في ظروف غير آمنة".
وفي هذا السياق، تدعم المنظمة الدولية للقابلات جهود الوكالات الدولية التي تسعى إلى حل النزاعات وإرساء السلام وتقديم الدعم والمساعدة الإنسانية للنساء والأطفال والمجتمعات في السياق الإنساني، وتدعم عمل القابلات اللاتي يواصلن تقديم الرعاية الصحية للأمهات والمواليد الجدد في أصعب الظروف.
إدانة
في السياق ذاته، دانت المنظمة استخدام البنية التحتية للرعاية الصحية، بما في ذلك المستشفيات والعيادات وسيارات الإسعاف والمعدات والإمدادات الطبية، كأهداف عسكرية. كذلك دانت تقييد حركة العاملين في مجال الرعاية الصحية ومنعهم من أداء واجباتهم، أو استهدافهم بالعنف لأي سبب كان. واستنكرت المنظمة أيضاً استخدام أسلحة حربية ذات تأثير طويل الأمد على السكان، بما في ذلك الصحة العامة، مثل الألغام الأرضية المضادة للأفراد والأسلحة الكيماوية وغاز الفوسفور الأبيض، وشن هجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، وعرقلة وصولهم إلى الغذاء والماء، إضافة إلى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية وإيصال المواد الغذائية والأدوية والسلع والخدمات المنقذة للحياة. أيضاً دانت المنظمة قادة القوات الذين لا يحمون حقوق النساء والأطفال، بخاصة أولئك الذين تمارس قواتهم المسلحة الاعتداء الجسدي والجنسي على النساء والأطفال، أو استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي بصورة عامة وكسلاح حرب.