Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا ينتظر السودان من إثيوبيا رئيسة "السلم الأفريقي"؟

 محللون: مهمتها الجديدة بمثابة امتحان يوازن ما بين طموحاتها كقوة إقليمية تقود مبادرات السلام وإدارتها للملفات الداخلية والإقليمية المعقدة

يشكل السودان بعداً أمنياً لإثيوبيا، إلى جانب العامل الإنساني والروابط الاجتماعية المتصلة بين الشعبين (أ ف ب)

ملخص

تمثل الفترة الحالية على ضوء ما يشهده العالم من تداعيات الحرب في غزة واليمن وأخيراً إيران مفترق بين فواجع الحروب وأهمية السلام كخيار عاقل، من خلال القناعات التي ترسخت لدى الدول في الآثار الكارثية للحروب على مختلف الجوانب الإنسانية والاقتصادية والحياتية المنعكسة على كل العالم جراء عدم الاستقرار.

ضمن تطورات الواقع الإقليمي والعالمي ومهمات رئاستها لمجلس السلم والأمن الأفريقي تضطلع إثيوبيا بدور رئيس تجاه إحياء السلام في السودان، فلا مسافة فاصلة بينه وبين سلام إثيوبيا، إلى جانب ما يمثله السودان من ثقل إقليمي في المنطقة.

وجاء مؤتمر برلين في شأن الأزمة السودانية في الـ15 من أبريل (نيسان) ضمن توجه دولي لجلب السلام والمساعدة في تخفيف آثار الحرب المشتعلة منذ أبريل 2023، التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين داخل السودان وخارجه، إلى جانب ما خلفته من مآس وفقر وجوع.

وتمثل الفترة الحالية على ضوء ما يشهده العالم من تداعيات الحرب في غزة واليمن وأخيراً إيران مفترق بين فواجع الحروب وأهمية السلام كخيار عاقل، من خلال القناعات التي ترسخت لدى الدول في الآثار الكارثية للحروب على مختلف الجوانب الإنسانية والاقتصادية والحياتية المنعكسة على كل العالم جراء عدم الاستقرار.

مركزية الحلول

وتعتبر أفريقيا جزءاً مهماً من العالم، ولا ينفصل سلامها عن السلام العالمي، وضمن الاهتمام الأفريقي تجاه السلام والاستقرار كان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف عقد سلسلة لقاءات ثنائية رفيعة المستوى مع عدد من المسؤولين الدوليين، على هامش المؤتمر الدولي الثالث في شأن السودان في برلين، من بينهم وزراء خارجية ومسؤولون من النرويج واليونان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وألمانيا.

وتركزت المحادثات حول سبل دعم وتعزيز جهود السلام والأمن في القارة الأفريقية، مع إيلاء اهتمام خاص تجاه تطورات الوضع في السودان وتداعياته على الاستقرار الإقليمي. كما تناولت المشاورات الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للتوترات الجيوسياسية الراهنة، بما في ذلك التطورات في منطقة الخليج، على اقتصادات الدول الأفريقية واستقرارها.

 

وكان وزير الدولة بوزارة الخارجية الإثيوبية السفير هدرا أبرا أكد مشاركة إثيوبيا في المؤتمر الدولي الثالث في شأن السودان لعام 2026 في برلين، الذي تعهدت فيه الدول الأوروبية بما يقرب من 1.8 مليار يورو لمكافحة الجوع في السودان، ودعم اللاجئين، وتوفير الرعاية الصحية العاجلة والمأوى. وأوضح المسؤول الإثيوبي أن إثيوبيا سلطت الضوء على أهمية الدعم الدولي المستدام، والشراكات الأقوى، والاستثمار المتزايد في المجتمعات المضيفة لضمان عيش اللاجئين بكرامة وأمل، موضحاً أن إثيوبيا أكدت التزامها بسياسات اللاجئين الشاملة، مع التركيز على توفير الفرص التعليمية، ووسائل العيش، والخدمات الأساسية، كما شددت إثيوبيا على ضرورة دعم المجتمع الدولي لنهج وساطة منسق وموحد يركز على شعب السودان، وتأكيد تعزيز السلام والاستقرار والأمن للسودان.

الكاتبة المتخصصة في الشؤون الأفريقية أماني الطويل، تؤكد أن "مؤتمر برلين الذي انعقد الشهر الجاري في شأن الحرب السودانية يواجه اختباراً حقيقياً يتمثل في قدرته على تجاوز عدد من المحددات، عبر الربط بين التمويل الإغاثي والتقدم السياسي، بحيث يصبح الوصول إلى المساعدات مشروطاً ولو ضمنياً بالتزامات محددة من الأطراف، مثل وقف إطلاق النار أو فتح الممرات الإنسانية".

وتوثر حرب السودان في النطاق الإقليمي المباشر، سواء في إثيوبيا المجاورة، أم جنوب السودان الذي يمثل امتداداً طبيعياً متأثراً مباشرة بالسودان في سلامه واستقراره. وكانت الأمم المتحدة أفادت في مارس (آذار) الماضي بأن القتال المتجدد في ولاية جونقلي جنوب السودان بين القوات الموالية للرئيس سلفا كير والقوات التابعة لنائب الرئيس الموقوف رياك مشار أدى إلى نزوح نحو 280 ألف شخص منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما يزيد الضغوط على السكان المحليين والخدمات الإنسانية في المنطقة.

وأوضح المسؤولون الإنسانيون أن نحو 825 ألف شخص في ولايات جونقلي والوحدة وشرق الاستوائية يواجهون خطر سوء التغذية الحاد، نتيجة نقص الغذاء وتعطل الخدمات الأساسية في مناطق النزاع. وفي عاصمة ولاية جونقلي "بور" تكافح المستشفيات المحلية لتقديم الرعاية الطبية للأسر النازحة وسط نفاد الإمدادات، وذكر المدير الموقت لمستشفى بور ديفيد تور لوكالة الصحافة الفرنسية أن "زيادة أعداد المحتاجين للخدمات أدت إلى نفاد معظم الإمدادات، وفي مرحلة معينة قد نخسر بعض المرضى". وقد دمر المستشفى الوحيد في مقاطعة فانغاك، الذي يخدم أكثر من 100 ألف شخص وتديره منظمة "أطباء بلا حدود" في مايو (أيار) الماضي بالكامل جراء هجمات بطائرات هليكوبتر مسلحة وطائرات مسيرة.

وأكد رئيس المفوضية في إفاداته أهمية تعزيز التنسيق في الاستجابات متعددة الأطراف، مشدداً على مركزية الحلول التي تقودها الدول الأفريقية في معالجة النزاعات، كما دعا إلى توفير دعم مستدام وقابل للتنبؤ لعمليات دعم السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، إلى جانب مواصلة تنفيذ أجندة الإصلاح المؤسسي بما يعزز الكفاءة والتماسك والأثر الاستراتيجي.

 دور إثيوبي أفضل

يأتي الدور الإثيوبي تجاه سلام السودان ضمن عدد من الحيثيات، أهمها ما يشكله السودان من بعد أمني لإثيوبيا، إلى جانب العامل الانساني والروابط الاجتماعية المتصلة بين الشعبين السوداني والإثيوبي، والآثار الاقتصادية المترتبة على البلدين جراء ظروف الحرب، فضلاً عن الدور التشريفي والعملي المكلفة به أديس أبابا في رئاستها الحالية والموقتة لمجلس السلم والأمن الأفريقي، الذي يفرض عليها أداء استثنائياً تجاه قضية حرب السودان.

الكاتب والباحث في الشؤون الأفريقية يوسف ريحان يقول إن "أفريقيا هي قارة النزاعات بامتياز، فهي غير مستقرة سياسياً، وأنظمة الحكم فيها مضطربة كذلك، إذ تتعاقب فيها الحكومات المدنية والعسكرية، وفيها خلل بنيوي كبير في نظام الحكم، وعدم الاستقرار هذا أوجد أسباباً موضوعية للتغير كتفكير طبيعي يعبر عن تطلعات الشعوب نحو الأفضل، على رغم أن هذا التفكير الرغائبي قد يسير نحو المجهول، وقد يقود إلى نتائج كارثية ربما تكون الأسوأ من سابقتها".

ويضيف "تشابهنا كأفارقة في السحنات والعادات والتقاليد يتبعه تشابه كذلك في المشكلات المتعلقة بعلاقة المركز والهامش، أو باختلال توزيع السلطة والثروة، أو بالتنمية أو بالمشكلات المتعلقة بالقبائل والقوميات وتمظهراتها المتمثلة في أزمة الهوية. وبما أن السودان وإثيوبيا دولتان جارتان وبينهما كثير من المشتركات فإن التشابه الذي أشرنا إليه أعلاه يجعل من رئاسة إثيوبيا لمجلس السلم والأمن الأفريقي السانحة المناسبة والأكثر قدرة على تفهم تفاصيل الأزمة السودانية وكيفية حلها، لذلك فإن هنالك سؤالاً مهماً يطرح نفسه وهو: إلى ماذا تحتاج إثيوبيا لتنجح في هذه الدورة الرئاسية لأهم مجلس في الاتحاد الأفريقي، وهو المتعلق بالسلم والأمن في أفريقيا؟".

 

ويشير إلى أن "إثيوبيا تحتاج لتفهم الأزمة السودانية بطريقة صحيحة، وأول مدخل لهذا الفهم الصحيح ما يتعلق بالتوصيف، أي إن الأزمة ليست بين طرفين وإنما بين المؤسسات الشرعية التي تحكم فترة انتقالية نتيجة لظروف استثنائية يمر بها السودان، وهي ظروف متعلقة بالأمن القومي، ومحاولات طرف آخر هدم الدولة والاستيطان الجديد واستهداف المواطنين والبنية التحتية من دون ما مراعاة لقواعد الاشتباك التي قررها مؤتمر جدة في مايو 2023، وهذا الفهم لا ينبع عن تصور انحيازي بقدر ما هو موضوعي لوجود سوابق في المنطقة مشابهة لهذه الأزمة في الماضي".

كما تحتاج إثيوبيا، وفق ريحان، أن تكون وسيطاً محايداً بصورة إيجابية، وألا يكون لديها أي تدخل مباشر أو غير مباشر في الأزمة السودانية بصورة سلبية، إلا بما يصلح ويقرب الشقة ولا يباعد، وليس بما يصب الزيت على النار، والإشارة إلى ذلك مرتبطة بتقارير استقصائية واستخبارية عن دعم إثيوبي لقوات "الدعم السريع" وفتح مطارات وممرات جوية لتنفيذ هذا الدعم اللوجستي لتلك القوات المتمردة على الدولة السودانية، وعليه وقبل البدء في ممارسة إثيوبيا مهماتها في رئاسة مجلس السلم والأمن الأفريقي، يجب أن تضع استراتيجية وآلية مختلفة ومستهدية في الوقت ذاته بتجارب سابقة تستصحب النقاط الإيجابية وتبني عليها وصولاً إلى حل مرض للأزمة السودانية.

ويوضح "السودان يتطلع لدور إثيوبي أفضل يشجع ويساعد السلام بما يلزم القيام به من واجب أخوي، كما نتطلع ونثمن أي دور يقوم به جيران السودان لأنهم الأقرب إلينا، ولديهم القدرة على الفهم الصحيح للأزمة السودانية، وسينجحون في تحقيق السلام في السودان إذا تمتعوا بالاستقلالية وعدم الارتهان للإملاءات الخارجية".

اختبار صعب 

الأستاذة الجامعية والمتخصصة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي تعتقد أن إثيوبيا ستبدأ "اختباراً صعباً لإدارة قضايا معقدة وعاجلة في ظل رئاستها لمجلس السلم والأمن الأفريقي لشهر أبريل 2026، في وقت لا تزال الجهود الإقليمية المنسقة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة وتعزيز السلام المستدام في جميع أنحاء أفريقيا، إذ ستواجه مجموعة من التحديات والمشكلات التي تقتضي أن تبدي مواقف مغايرة لما سلكته في معظم القضايا السابقة بالقارة، عبر تعقيدات جيوسياسية عميقة تشمل التوتر المتجدد مع إريتريا والصومال، اللتين أبديتا رفضاً رسمياً لأية محاولات لامتلاك ميناء على سواحلهما، إضافة إلى التحفظات المصرية التي ترى في تعزيز القدرات البحرية الإثيوبية تهديداً محتملاً في سياق النزاع حول سد النهضة ومياه النيل، فضلاً عن اتهام الحكومة السودانية لإثيوبيا بانتهاك سيادتها في مارس 2026، ومطالب إقليم تيغراي التي تتنصل منها أديس أبابا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضيف "ينبغي أن تطرح أثيوبيا هذه القضايا بأسلوب يعبر عن مصالح الدول كافة، باعتبار أن المصالح المشتركة هي أساس عمل مجلس السلم والأمن وغيره، وليس المصالح الذاتية. ومثال على ذلك تطورات الوضع الميداني في السودان، فقد ينظر إلى أي دور محتمل لإثيوبيا باعتباره جزءاً من محاولة إعادة تشكيل موازين القوى في مناطق النيل الأزرق ودارفور ذات الثقل الاقتصادي والجغرافي، بما يخدم حسابات تتعلق بالأمن الحدودي أو النفوذ الإقليمي".

وتخلص نجلاء "عموماً تتعدد الأدوار المنوطة بإثيوبيا تجاه السلام في السودان حالياً، عبر تعزيز الحلول الإقليمية من خلال الاتحاد الأفريقي بدعم مساعي السلام والاستقرار والتشجيع على وقف إطلاق النار، مع تيسير عملية سلام سودانية - سودانية".

دولة المقر والتوقيت المفصلي

يرى رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد أت "إثيوبيا تتولى رئاسة مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لشهر أبريل 2026 في توقيت مفصلي، ووسط تطورات إقليمية وعالمية معقدة، وهو ما يمثل اختباراً حقيقياً لقدرتها على توظيف خبرتها ودورها كدولة مقر في تعزيز مبدأ الحلول الأفريقية لمشكلات القارة، إذ تمتلك إثيوبيا رصيداً تاريخياً في الإسهام بقوات حفظ السلام، بخاصة في الصومال، وخبرة ميدانية في حل النزاعات مثل جهودها في حل مشكلة جنوب السودان (التي استمرت لأكثر من نصف قرن)، كل ذلك يمنحها ثقلاً دبلوماسياً وعملياً في مواجهة المشكلات التي تواجه الدول الأفريقية".

ويشير إلى أن "دور دولة المقر والقيادة الدبلوماسية في استضافة أديس أبابا لمقر الاتحاد الأفريقي تتيح لها إدارة جدول الأعمال القاري المكلفة به حالياً عن دراية وقرب، والوصول المباشر إلى صناعة القرارات، إضافة إلى قيادتها للمداولات حول قضايا الأمن الحاسمة، وإثيوبيا في ذلك تحرص دوماً على تثبيت مبدأ الحلول الأفريقية، ويمكنها تعزيز هذا المبدأ من خلال خبرتها السابقة في إدارة وحل أزمة تيغراي عبر اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، واستخدام الدروس المستفادة في حل التنازاعات".

ويضيف "على مستوى فني تترأس إثيوبيا المجلس مع التركيز على التقنيات الناشئة (الذكاء الاصطناعي والحوكمة)، وقد تم اعتماد رئيس الوزراء آبي أحمد كبطل للاتحاد الأفريقي للذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية، مما يعزز قيادة إثيوبيا كذلك لأجندة 2063 التي تتضمن حل المشكلات الأفريقية باعتماد الوسائل العلمية". موضحاً "بالطبع هناك أزمات داخلية ونزاعات مستمرة لا ريب تواجه إثيوبيا (نزاعات في أمهرة وأوروميا، والوضع الهش في تيغراي)، كما أن التوترات الإقليمية في القرن الأفريقي، كتوتر العلاقات مع الصومال بسبب مذكرة التفاهم مع أرض الصومال، والخلافات مع إريتريا ومصر والسودان (سد النهضة)، قد تؤثر في الدور الإثيوبي، ولكن ليس من الصعب على إثيوبيا أن تبدو كوسيط محايد في ملفات شرق أفريقيا وحرب السودان على وجه الخصوص، على مستوى آخر هناك ظروف التغيرات غير الدستورية في القارة، وتزايد الانقلابات العسكرية، وتجميد عضوية بعض الدول (مثل السودان)، فربما يضعف ذلك دور مجلس السلم والأمن الافريقي في اتخاذ قرارات حاسمة، إلى جانب ضعف آليات التنفيذ لدى الاتحاد الأفريقي، والتنافس الدولي والإقليمي، وكل ذلك  مما يؤثر في فاعلية الاتحاد ويجعل القرارات القارية عرضة لشروط الشراكات الخارجية والإقليمية".

مهما يكن، فستكون رئاسة إثيوبيا امتحاناً يوازن ما بين طموحها كقوة إقليمية تقود مبادرات السلام، وحاجة وضرورة إدارة ملفاتها الداخلية والإقليمية، ونجاحها في ذلك مرهون بقدرتها على فصل التوترات الثنائية عن مسؤوليتها القارية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير