Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زمن تآكل الديمقراطية

كيف يمكن إصلاح مسارات الدمقرطة في ظل صعود الشعبويات وتراجع مستوى الرضا عنها في دول ليبرالية متقدمة تقنياً؟

تُظهر وقائع الحال السياسية الدولية أن الديمقراطية خلال العقدين الأخيرين فقدت جزءاً كبيراً من بريقها (أنسبلاش)

ملخص

هل صار منظور "حق القوة" هو الغالب في مواجهة منظور "قوة الحق"، بما يعني أن العدالة والاحترام المتبادل يكادان ينزويان، لتعود معالم الحياة البشرية لدائرة التوحش بصيغته المعاصرة؟ ثم ما أبرز المهددات التي تعترض طريق الديمقراطية في الوقت الراهن؟

هل باتت الديمقراطية، ذلك المفهوم الواسع من حيث المبنى والمعنى، في أزمة حقيقية في أيامنا؟

السؤال مرتبط ببريق المفهوم، فهل بدأ يفقد ألقه ويتراجع لمصلحة أنظمة منافية لفكرة الدمقرطة، بوصفها نظاماً يفتح الأبواب أمام العدالة للجميع؟

لا يمكن تقديم إجابة عن هذه الأسئلة من دون بلورة تعريف، ولو أوليّ، لفكرة الديمقراطية.

يُقال إن الديمقراطية في نشأتها تعود للعصر اليوناني القديم، وبخاصة إلى أثينا، فقد وضع السفسطائي الشهير بروتاغوراس، في القرن الخامس قبل الميلاد، للمرة الأولى في تاريخ البشرية، الأساس النظري للديمقراطية.

تبدأ القصة عند كيفية نشأة المجتمع، وهذه النشأة، في رأيه، تعود لتجمّع الأفراد للدفاع عن أنفسهم ضد هجمات الحيوانات الضارية في ذلك الوقت، لكن هذا التجمع أفضى إلى ارتكاب الموبقات بسبب غياب "فن الحياة" في إطار التجمع داخل مدينة.

وفن الحياة، في نظر بروتاغوراس، هو فن السياسة، وبسبب هذا الغياب أرسل كبير الآلهة زيوس إلى الأثينيين فضيلتين: الاحترام المتبادل والعدالة، باعتبارهما المكونين الرئيسَين للمبادئ والروابط المنظمة للأمم والشعوب، والتي تسهم في تأسيس الصداقة، وهنا تبرز معادلة مفادها أن شرط التجمع ليس الحاجة فقط، بل أيضاً قبول مبدأ العدالة في العلاقات الإنسانية.

هل باتت العدالة اليوم غائبة، وبالتالي تضيق مساحات الدمقرطة حول العالم؟

هل صار منظور "حق القوة" هو الغالب في مواجهة منظور "قوة الحق"، بما يعني أن العدالة والاحترام المتبادل يكادان ينزويان، لتعود معالم الحياة البشرية لدائرة التوحش بصيغته المعاصرة؟ ثم ما أبرز المهددات التي تعترض طريق الديمقراطية في الوقت الراهن؟

في هذه القراءة نحاول الاقتراب من واحدة من القضايا التي باتت تهم جماهير واسعة، في سياق البحث عن نظام عالمي جديد بمحددات ومعايير تختلف عما عرفته البشرية خلال العقود الأخيرة.

الديمقراطية والألق التقليدي المفقود

تُظهر وقائع الحال السياسية الدولية أن الديمقراطية خلال العقدين الأخيرين فقدت جزءاً كبيراً من بريقها، إذ تثير قضايا مثل صعود الأحزاب الشعبوية اليمينية قلقاً لدى بعضهم.

هل يعني ذلك انتكاسة حقيقية لما طرحه المفكر الياباني الأصل، الأميركي الجنسية، فرنسيس فوكوياما؟

في رؤيته التي تراجع عنها لاحقاً حول "نهاية التاريخ"، والتي أعلنها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أواخر ثمانينيات القرن الـ 20 وأوائل تسعينياته، اعتبر فوكوياما أن النموذج الديمقراطي هو "نهاية التاريخ"، مصادراً بذلك حركته الدائمة.

يبدو أن نشوة "نهاية التاريخ" التي سادت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي قد ولّت، وحل محلها قلق من خطر يهدد الديمقراطية.

اليوم يُنظر إلى صعود التيارات القومية ذات الرؤى الشوفينية المتعصبة في قلب الديمقراطيات الغربية، على أنه مؤشر على تراجع الديمقراطية، بل وإمكان سقوطها.

هل نحن أمام مفارقة تاريخية حذر منها كثيرون؟

يرتبط التحذير بفكرة وصول جماعات لا علاقة لها بالفكر الديمقراطي إلى السلطة، ثم إنكار فكرة الديمقراطية نفسها، وبعبارة أوضح تكمن المفارقة في أن كثيراً من هذه الأحزاب يصعد عبر انتخابات ديمقراطية، ثم يقوم بما يمكن تسميته "إزاحة سلم الديمقراطية" الذي تسلقه للوصول إلى الحكم.

من هنا يبرز سؤال جدلي: هل باتت الديمقراطية تهديداً جديداً للحرية؟ وهل يمكن أن تصبح في مرحلة ما مرادفاً لـ "طغيان الغالبية"؟

يقود ذلك إلى ضرورة التفريق بين الديمقراطية والليبرالية، فالديمقراطية تعني حكم الغالبية، بينما تفيد الليبرالية بسيادة القانون وحماية بعض الحريات، وهما مفهومان مختلفان.

تاريخياً، سعى المفكرون الليبراليون الأوائل إلى حماية الحريات من القوى القمعية، وبالنسبة إلى مفكرين مثل مونتسكيو، كان التهديد يكمن في صعود الملكية المطلقة، لكن في القرن الـ 19 أدرك مفكرون مثل جون ستيوارت ميل أنه مع زوال الملكية المطلقة في المملكة المتحدة أصبح التهديد الجديد للحريات هو الديمقراطية، أو استبداد الغالبية، أي أن ظهور الليبرالية كان في الواقع استجابة لتحدي الديمقراطية، وكان دافع ميل للدفاع عن الليبرالية هو إنقاذ الحريات من تهديد آراء الغالبية.

هل بدأ هذا التوازن الهش بين الديمقراطية والليبرالية يعوق مسارات العدالة والاحترام، أي السبب الرئيس لظهور فكرة الديمقراطية كما يرويه بروتاغوراس؟

 

عقدان من تراجع الديمقراطية

ما الذي جرى خلال العقدين الماضيين؟

تُظهر أرقام تقارير صادرة عن معاهد عدة حول العالم أن الأعوام الـ 20 الأخيرة شهدت، على غير المتوقع، حال تراجع ديمقراطي، وتفيد الأرقام الواردة عن "المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية" بأن نسبة المقبلين على الاقتراع تراجعت بنحو 10 في المئة خلال الأعوام الـ 15 الماضية، وأن 6.6 في المئة فقط من سكان العالم يعيشون في ظل ديمقراطيات كاملة، ولو نسبياً، فيما يعيش ما يقارب ثلاثة أرباع سكان العالم (72 في المئة) في ظل أنظمة استبدادية.

كذلك، وللمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاماً، أصبح عدد الديمقراطيات في العالم أقل من عدد الأنظمة الاستبدادية، وفق معهد V-Dem (معهد تنوع الديمقراطية في السويد).

يشير تقرير المعهد إلى أن عدد الأنظمة الاستبدادية (91 نظاماً) تجاوز عدد الأنظمة الديمقراطية (88 نظاماً) للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاماً، ويعيش ما يقارب 40 في المئة من سكان العالم في دول استبدادية، في المقابل يعيش نحو ستة في المئة فقط من سكان العالم في دول تتجه نحو الديمقراطية، وكان آخر انخفاض في عدد الديمقراطيات الليبرالية في نهاية الحرب الباردة عام 1990.

وبحسب "المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية" (IDEA)، شهدت 79 دولة من أصل 173 دولة شملها الاستطلاع تراجعاً ملاحظاً في العوامل المؤدية إلى الديمقراطية، مثل الانتخابات النزيهة والمساواة الاقتصادية وحرية الصحافة، وبحسب معهد V-Dem لوحظ تراجع في حرية التعبير في 44 دولة عام 2024.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي انتقل النقاش السياسي بصورة متزايدة إلى المنصات الإلكترونية، مما أدى إلى تزايد القيود المفروضة على حرية التعبير في هذا المجال، فعلى سبيل المثال قامت دول أفريقية مثل موزمبيق، بعد الانتخابات البرلمانية، بقطع الإنترنت عن جميع خدمات الهاتف المحمول لمنع انتشار معلومات مناهضة للنظام، وفق وحدة الاستخبارات الاقتصادية في المعهد.

هل سلِمت حرية التعبير، التي تعد الوجه الآخر للحياة الديمقراطية، من تبعات التدهور الحادث في ما يُعد أفضل أنظمة الحكم، مثلما أشار ذات مرة السياسي البريطاني ونستون تشرشل؟

إذا سُمح للمواطنين بطريقة تفكير واحدة فقط باعتبارها الحقيقة المطلقة، فإنهم يُحرمون من حق الاختيار الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من الديمقراطية، ويزداد الإشكال مع تراجع حرية التعبير في دول تُعد عموماً على مسار أقوى نحو الديمقراطية، مثل البرازيل.

هل يعني ذلك أن شعوب العالم ماضية، بصورة أو بأخرى، نحو ما وصفه باحثون بـ "تآكل الديمقراطية"؟

تآكل معايير الديمقراطية تدريجاً

في قراءة مطولة شاركت فيها مديرة "برنامج التحديات العابرة للحدود" في معهد لوي للأبحاث المستقل في سيدني بأستراليا، ليديا خليل، وعضو فريق العمل المعني بالتحديات العالمية للديمقراطية الذي أنشأه معهد "تودا" في طوكيو، بيتر وودورد، تبرز مخاوف في شأن واقع الديمقراطية ومستقبلها.

يُعرّف التآكل الديمقراطي بأنه التدهور التدرجي والمتعدد الأوجه في الحريات والضمانات والعمليات الحيوية لعمل الديمقراطية.

وفق ذلك، لا تنهار الديمقراطيات فجأة، بل تتآكل بفعل الضعف التدرجي للمعايير الديمقراطية والضوابط والمؤسسات، وقد يؤدي تآكل الديمقراطية إلى حكم استبدادي، لكنه في معظم الأحيان يُنتج انخفاضاً في جودة الديمقراطية دون الوصول إلى انهيار تام، وغالباً ما يكون هذا التآكل غير واضح إلى أن تتطور آثاره بصورة كبيرة.

يقول الباحثان إن تراجع الديمقراطية يحدث تدريجاً وعادة ما يكون متعدد الأوجه، ونادراً ما تتغير الديمقراطيات فجأة عبر الثورات أو الانقلابات.

كيف يحدث ذلك؟

يجري التخريب الديمقراطي غالباً تحت ستار أهداف تبدو مشروعة، مثل مكافحة الفساد، وتطهير العمليات الانتخابية، أو تعزيز الأمن القومي، ويحرص القادة المعادون للديمقراطية في كثير من الأحيان على الحفاظ على مظهر الديمقراطية وغطاء من الشرعية، وقد يبدو كل عنصر من عناصر التآكل ضئيلاً بحيث لا يشكل تهديداً بمفرده، ولا يُدرَك أثره إلا بمرور الوقت وبالتزامن مع عوامل أخرى.

هل يمكن تحديد لحظة يبدأ عندها المسار الديمقراطي مسيرة عكسية؟

يصعب تحديد تلك اللحظة التي تتوقف فيها دولة ما عن كونها ديمقراطية، فالديمقراطية لا تترسخ بصورة كاملة، بل هي ممارسة وليست غاية محددة، وقد يؤدي تآكلها إلى فقدان موقت للجودة أو إلى انهيار كامل نحو الحكم الاستبدادي، وفي كثير من الأحيان تقع الديمقراطيات بين هذين النقيضين.

هل ثمة عوامل تسرّع عملية التآكل؟

لا يوجد مسار واحد لتآكل الديمقراطية، فلكل حال وضعها، لكن معظم الحالات تتسم بثلاثة عناصر:

- رغبة في التغيير أو شعور بالتهديد يوفر فرصة للتحرك.

- جهات فاعلة تستغل هذه الظروف لأجندة مناهضة للديمقراطية أو لترسيخ السلطة.

- سبل تسمح لهذه الظروف والجهات الفاعلة بتقويض الديمقراطية.

ويؤكد الباحثان أن هذه الظروف ليست حاسمة، فالديمقراطية، بوصفها نظام حكم، تعتمد على خيارات الناس وأفعالهم، من القادة السياسيين إلى المواطنين العاديين، ولا يحدث التآكل إلا عندما تستغل جهات معادية للديمقراطية هذه الظروف، أو عندما تُنتَج حال يفقد فيها عدد كاف من المواطنين ثقتهم في ديمقراطيتهم، ويبقى سؤال آخر: ماذا عن الديمقراطيات المتوسطة التي كان يُظن أنها ستكون سنداً للديمقراطيات الكبرى التقليدية؟

سخط الديمقراطيات المتوسطة النفوذ

في قراءة مطولة للكاتب والباحث الأميركي في "معهد بروكينغز"، لتيد بيكون، تبرز علاقة بين ما يجري في الديمقراطيات الكبيرة الراسخة من جهة، وأوضاع الديمقراطيات التي وُصفت بأنها متوسطة القوة والنفوذ من جهة أخرى.

يوضح بيكون أنه مع أزمة اقتصادية وسياسية تعصف بأوروبا، واضطرابات في الولايات المتحدة بسبب نظامها السياسي المختل، واستغلال الصين وروسيا الفرص لتعزيز مواقفهما المعادية للديمقراطية، فإن دور الديمقراطيات متوسطة القوة يؤثر مباشرة في استمرار التقدم الذي أحرزته الديمقراطية وحقوق الإنسان خلال العقود الماضية.

وفي ظل تصاعد العنف الإرهابي، وتفاقم الحروب الأهلية في أفغانستان والعراق وأوكرانيا وسوريا، وتزايد عدم الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بسبب مطالبات الصين في بحر الصين الجنوبي، واستفزازات كوريا الشمالية النووية، تزداد الحاجة إلى التعاون الدولي بين مجموعة أساس من الدول الديمقراطية القادرة على تعزيز نظام القانون والسلام والدبلوماسية، فهل ستنهض هذه القوى لمواجهة تحديات هي في جوهرها مشكلات في الحكم الديمقراطي وحقوق الإنسان، أم أنها ستنكفئ على نفسها وهي تواجه مطالب داخلية ملحّة؟

يرى بيكون أنه باستثناء الهند، التي ربما أبدت رغبة واضحة في توسيع دورها، ستنشغل معظم الديمقراطيات متوسطة القوة لأعوام بمشكلاتها الداخلية، بحكم وضعها المزدوج كدول نامية وديمقراطية في آن، فالقادة الديمقراطيون، إذا أرادوا إعادة انتخابهم، لا يملكون ترف تجاهل قواعدهم الانتخابية للدخول في مغامرات مكلفة في الخارج، وكذلك فإن قدرتهم على لعب أدوار قيادية دولياً تعتمد على سلامة اقتصاداتهم ومجتمعاتهم.

في هذا السياق، ومع عودة النزعة القومية ومناطق النفوذ الجيوسياسي والحروب بالوكالة وصعود القوى الاستبدادية، قد تتراجع مساحات الدمقرطة لمصلحة أنماط حكم أكثر انغلاقاً وقومية ومصلحة ذاتية في سياق الحوكمة العالمية.

ويُملأ هذا الفراغ، وفق الطرح، بتدخلات عدائية في الفضاء الإلكتروني عبر استثمارات ضخمة في الدعاية المدعومة من الدولة، مما يعني مزيداً من تراجع فرص الديمقراطية.

هل يعني ذلك أن المخاوف في شأن مستقبل الديمقراطية باتت واقعية، وليست مجرد دعاية حول تراجعها؟

 

مهددات حقيقية لمستقبل الديمقراطية

في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، قدم استطلاع جديد أجرته مؤسسة "إبسوس" Ipsos Knowledge Panel في تسع دول (كرواتيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وبولندا وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) صورة عن المخاوف حول مستقبل الديمقراطية.

يشعر نحو نصف سكان إسبانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا وكرواتيا والولايات المتحدة، إن لم يكن أكثر، بعدم الرضا عن طريقة عمل الديمقراطية في بلادهم، وتظهر آراء سلبية للغاية في فرنسا، والآراء أكثر تبايناً في هولندا وبولندا، فيما تُعد السويد الدولة الوحيدة ذات الغالبية الإيجابية.

يبدي الكرواتيون قلقاً كبيراً على مستقبل الديمقراطية، إذ يرونها مهددة أساساً بالفساد وسلوك سياسيين غير خاضعين للمساءلة، إضافة إلى تآكل الثقة في المؤسسات، ويتبنى كثر منظوراً عملياً مفاده أن الديمقراطية ينبغي أن توافر مستوى معيشة أفضل للحفاظ على دعمهم، وهو ما لا يرونه متحققاً.

وتبرز فرنسا كأكثر الدول تشاؤماً في الاستطلاع حول ما يتعلق بكيفية عمل الديمقراطية، ويتزايد الإحباط وتتراجع الثقة في المؤسسات عبر الأجيال والانتماءات السياسية، ومع ذلك لا يزال معظم الفرنسيين يؤمنون بأن الديمقراطية تستحق الدفاع عنها، شرط تجديدها جذرياً.

أما إسبانيا فتواجه تحديات أزمة التمثيل وتآكل الديمقراطية، شأن معظم أوروبا، مع خصوصية تتمثل في مستوى الاصطفاف السياسي والقلق من الفساد.

ويبدو الإيطاليون أكثر حساسية تجاه البعد الاقتصادي للديمقراطية، إذ يُنظر إلى التفاوتات الاقتصادية، إضافة إلى الفساد، بوصفها أكبر تهديد للديمقراطية، ويُلاحظ إدراك واسع للتشوهات الاقتصادية، إذ ينظر إلى الطبقة الحاكمة والنظام الاقتصادي على أنهما يعملان لمصلحة الأغنياء وأصحاب النفوذ.

وجد الاستطلاع الذي أُجري بين الـ 12 والـ 29 من سبتمبر (أيلول) 2025، أن المواطنين في المملكة المتحدة يطالبون بديمقراطية تخدم مصالحهم، إذ يشعر كثر بتجاهل أصواتهم وبالقلق حيال المستقبل، لكنهم لم يتخلوا عن الديمقراطية، ويريدون تحسين النظام، مع ضمان المساءلة والتمثيل الحقيقيَين، وتعزيز الضمانات ضد التضليل والفساد والتطرف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينما يمثل مشروع قانون الانتخابات المقبل فرصة للحكومة الجديدة لمعالجة مخاوف محددة، يتعين عليها أيضاً إثبات قدرة الديمقراطية في بريطانيا على تحقيق العدالة للجميع.

وفي الولايات المتحدة، أظهر الاستطلاع أن كثيراً من الأميركيين لا يزالون محبطين من أداء الديمقراطية، مع شعور بأن النظام معيب وأن الأولوية تُمنح لمصالح نافذة على حساب حاجات المواطنين.

في الوقت نفسه تلقي المخاوف المتزايدة، في شأن العنف السياسي والتطرف، عبئاً إضافياً على النظام الديمقراطي، لكنها تتيح فرصة للقادة للاستجابة للمطالب بمزيد من الوحدة والانضمام إلى السياسة الوطنية.

هل العالم على أعتاب عصر جديد من التحولات الديمقراطية؟

العصر الجديد للاضطرابات الديمقراطية

إجابة هذا السؤال تظهر في خلاصات مؤتمر "معهد الدراسات الدولية حول الشعبوية العالمية" الذي عُقد في جامعة ستانفورد الأميركية، ويقول التقرير الختامي للمؤتمر إن لا شيء يدوم إلى الأبد، وإنه كان شبه مؤكد أنه بعد أن انتشرت الحرية والديمقراطية على نطاق غير مسبوق، فستتراجعان في بعض البلدان والمناطق التي تفتقر إلى الشروط الهيكلية والتاريخية اللازمة لاستدامتهما، وتوقف المؤتمر عند ما جرى خلال العقدين الأخيرين، ولا سيما تبعات السياسات الأميركية.

خلال الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي، لعب التزام الديمقراطيات الغربية القوية، ولا سيما الولايات المتحدة، بتعزيز الديمقراطية ودعم الأحزاب الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني، دوراً حيوياً في تشجيع التغيير الديمقراطي ومنع تراجع التقدم، لكن الغزو الأميركي للعراق في مارس (آذار) 2003 أدى إلى تشويه سمعة الديمقراطية وتقويض الالتزام الأميركي الداخلي بها، وهو ما دفع الديمقراطيات الليبرالية إلى تقليص أهمية تعزيز الديمقراطية في السياسة الخارجية والمساعدات الخارجية.

كذلك تركت الأزمة المالية عام 2008 آثاراً طويلة الأمد، وتفاعل الضغط المتزايد على الدخول الحقيقية للطبقتين العاملة والمتوسطة مع اتجاهات الركود الاقتصادي وانعدام الأمن على المدى الطويل، مما جعل شرائح كبيرة من الناخبين في الولايات المتحدة وكثير من الدول الأوروبية أكثر عرضة لتأثير البدائل القومية والشعبوية وغير الليبرالية.

ما الذي يتبقى من هذه القراءة؟

تنبؤات فلاسفة حول فشل الديمقراطية

هل يمكن أن يكون الاستبداد نهاية الديمقراطية؟

هذا ما تنبأ به أفلاطون في بدايات الجدل حول الديمقراطية، فقد رأى أنه إذا سُمح للناس بحكم أنفسهم فإن ذلك قد يقود في نهاية المطاف إلى دعم الجماهير لحكم الطغاة.

ويقدم الجنرال والمؤرخ اليوناني ثوسيديديس، في كتابه "تاريخ الحروب البيلوبونيسية"، مثالاً على كيفية تمكن رجل الدولة الأثيني بريكليس، الذي انتُخب ديمقراطياً ولم يكن يُعد طاغية، من التلاعب بالمواطنين الأثينيين.

قال ثوسيديديس "كلما شعر بأن الغرور يجعلهم أكثر ثقة مما يستحق الموقف، كان يقول شيئاً يثير الخوف في قلوبهم، وإذا رآهم خائفين بلا سبب وجيه، أعاد لهم ثقتهم، وهكذا أصبح ما يسمى بالديمقراطية في الواقع حكماً للرجل الأبرز".

يشير هذا المثال إلى أن الخطاب المضلل عنصر أساس في حكم المستبدين، لأنهم يحتاجون إلى دعم الشعب، وقد خلّف تلاعب الديماغوجيين بالشعب الأثيني إرثاً من عدم الاستقرار وإراقة الدماء والحروب الإبادية، كما وصفه ثوسيديديس.

ولهذا، وقبل أن يُحكم على سقراط بالإعدام بتصويت ديمقراطي، انتقد الديمقراطية الأثينية لتفضيلها الرأي العام على حساب الحقيقة، وكذلك فإن تاريخ اليونان الدموي أسهم في ربط أفلاطون الديمقراطية بالاستبداد في الكتاب الثامن من "الجمهورية".

هل تُعد الديمقراطية بلا رادع، أمام أسوأ نزعات الغالبية، أحد أسباب فقدانها بريقها؟ وهل لو عاد تشرشل اليوم لأنكر وصفه الديمقراطية بأنها أفضل أسوأ نظام سياسي؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير