Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جورج بليك… رحلة جاسوس من MI6 إلى أحضان السوفيات

بقي اسمه محفوراً في ذاكرة التاريخ كأحد أخطر العملاء المزدوجين وأكثرهم غموضاً في عصر الحرب الباردة

بعد انتهاء الحرب الكورية أصبح جورج بليك يعمل سراً لصالح جهاز الاستخبارات السوفياتية، ناقلاً أخطر أسرار الغرب إلى موسكو (أ ف ب)

ملخص

من أشهر العمليات التي ارتبط اسم بليك بها نفق برلين، وهي خطة سرية مشتركة بين الاستخبارات البريطانية والأميركية للتنصت على الاتصالات السوفياتية في برلين الشرقية عبر نفق ضخم يمتد لنحو 500 متر تحت الأرض.

في عالم الجاسوسية، تختلط الحقيقة بالخداع، وتصبح الحدود بين البطل والخائن ضبابية إلى حد مذهل. فهناك جواسيس يعملون من أجل المال، وآخرون بدافع الانتقام، لكن قصة جورج بليك كانت مختلفة تماماً، إذ لم يكن مجرد رجل باع أسرار بلاده، بل شخص آمن بفكرة غيرت حياته بالكامل، ودفع ثمنها أعواماً من المطاردة والسجن والهرب.

تحول بليك من ضابط واعد في الاستخبارات البريطانية إلى أحد أخطر العملاء المزدوجين الذين اخترقوا الغرب لصالح الاتحاد السوفياتي، في قصة مليئة بالأسرار والعمليات الخفية والانقسامات الفكرية، التي صنعت واحدة من أشهر حكايات التجسس في القرن الـ20.

طفولة صنعتها الحروب

ولد جورج بليك في عام 1922 بمدينة روتردام الهولندية، وكان اسمه الحقيقي جورج بيهار. نشأ وسط عائلة متعددة الثقافات، فوالده يهودي من أصل مصري حصل على الجنسية البريطانية وخدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، بينما كانت والدته هولندية بروتستانتية.

عاش بليك طفولة مستقرة نسبياً، لكن وفاة والده المبكرة غيرت مسار حياته، إذ انتقل لفترة إلى مصر للعيش مع أقاربه في القاهرة، وهناك بدأ يختلط بأشخاص يحملون أفكاراً سياسية مختلفة، وهو ما أسهم لاحقاً في تشكيل قناعاته الفكرية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لهولندا، تغيرت حياة بليك بالكامل. شاهد الدمار والخوف والقتل في شوارع مدينته، وعاش أهوال الحرب عن قرب، مما ترك داخله شعوراً عميقاً بالغضب من الحروب والسياسات الغربية.

من المقاومة الهولندية إلى الاستخبارات البريطانية

خلال الاحتلال النازي، انضم بليك إلى المقاومة الهولندية، وعمل في نقل الرسائل السرية ومساعدة المعارضين للاحتلال الألماني، لكن بقاءه في هولندا أصبح خطراً، فقرر الهرب في رحلة شاقة عبر فرنسا وإسبانيا حتى وصل إلى بريطانيا في عام 1943.

في بريطانيا، انضم إلى البحرية الملكية، وسرعان ما لفت الأنظار بفضل ذكائه وقدرته الكبيرة على تعلم اللغات، إذ كان يتحدث الهولندية والألمانية والإنجليزية والعربية، إضافة إلى الروسية لاحقاً. هذه المهارات دفعت جهاز الاستخبارات البريطانية لتجنيده في العمل السري، ليبدأ تدريجاً بالصعود داخل عالم الجواسيس والعمليات الاستخبارية.

الحرب الكورية... التحول الأخطر في حياته

على رغم نجاحه داخل الاستخبارات البريطانية، فإن التحول الحقيقي في حياته جاء خلال الحرب الكورية مطلع الخمسينيات. فقد أرسل بليك إلى كوريا الجنوبية بصفة دبلوماسية، لكن مع اندلاع الحرب وسقوط العاصمة سيول في عام 1950، وقع في الأسر لدى القوات الكورية الشمالية.

وخلال أعوام أسره، عاش ظروفاً قاسية وشاهد آثار القصف الأميركي على القرى الكورية، مما ترك داخله صدمة كبيرة. هناك بدأ يقرأ الكتب الماركسية ويتأثر بالأفكار الشيوعية، مقتنعاً بأن الغرب يستخدم قوته العسكرية لفرض هيمنته على الشعوب الضعيفة. ومع مرور الوقت، اتخذ القرار الأخطر في حياته: التعاون مع الاتحاد السوفياتي والعمل لصالحه كعميل مزدوج.

جاسوس داخل قلب بريطانيا

بعد انتهاء الحرب الكورية، عاد بليك لبريطانيا وكأنه لا يزال ضابطاً مخلصاً لوطنه، لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً. فقد أصبح يعمل سراً لصالح جهاز الاستخبارات السوفياتية، ناقلاً أخطر أسرار الغرب إلى موسكو.

وبفضل موقعه داخل الاستخبارات البريطانية، حصل على معلومات حساسة تتعلق بالعمليات السرية وأسماء العملاء وطرق التجسس الغربية. ويعتقد أنه كشف عن هويات ما يزيد على 40 عميلاً غربياً كانوا يعملون في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، مما أدى إلى اعتقال عدد منهم وإعدام آخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نفق برلين... العملية التي فضحت الغرب

من أشهر العمليات التي ارتبط اسم بليك بها نفق برلين، وهي خطة سرية مشتركة بين الاستخبارات البريطانية والأميركية للتنصت على الاتصالات السوفياتية في برلين الشرقية عبر نفق ضخم يمتد لنحو 500 متر تحت الأرض.

لكن بليك كان قد سرب تفاصيل العملية كاملة إلى السوفيات قبل تنفيذها، وعلى رغم ذلك، لم يكشف السوفيات عن أمر النفق مباشرة، بل استغلوا العملية لفترة طويلة لتضليل الغرب وجمع معلومات مضادة، قبل إعلان اكتشاف النفق لاحقاً في فضيحة استخبارية مدوية، واعتبرت تلك العملية واحدة من أكبر الضربات التي تعرضت لها أجهزة الاستخبارات الغربية خلال الحرب الباردة.

سقوط العميل المزدوج

ظل بليك لأعوام بعيداً من دائرة الشبهات، لكن كل شيء انهار في عام 1961 عندما كشف منشق بولندي يعمل لصالح الغرب عن معلومات قادت الاستخبارات الغربية إلى هويته. كان بليك آنذاك في بيروت يتعلم اللغة العربية ضمن مهمة استخبارية، قبل أن يستدعى بصورة مفاجئة إلى لندن.

هناك خضع لتحقيقات طويلة، وفي النهاية اعترف بتعاونه مع السوفيات. أصدرت المحكمة البريطانية حكماً قاسياً بسجنه لمدة 42 عاماً، وهو رقم صدم الرأي العام البريطاني آنذاك، واعتبر من أطول الأحكام في تاريخ البلاد.

الهرب الذي حير العالم

لكن حتى السجن لم يكن نهاية القصة، فبعد خمسة أعوام فقط، نفذ بليك واحدة من أكثر عمليات الهرب إثارة في تاريخ الجاسوسية. بمساعدة ثلاثة ناشطين متعاطفين معه، جرى تهريب جهاز اتصال لاسلكي إلى داخل زنزانته، وجرى التخطيط لهرب دقيق من سجن "وورمود سكرامبز" في لندن.

وفي ليلة ممطرة من عام 1966، تسلق بليك جدار السجن باستخدام سلم حبلي، وقفز إلى الخارج على رغم إصابته أثناء الهرب. بعد ذلك، تنقل سراً بين منازل عدة آمنة داخل بريطانيا، قبل تهريبه داخل شاحنة عبر أوروبا حتى وصل إلى ألمانيا الشرقية، ومنها إلى موسكو. هناك استقبله الاتحاد السوفياتي كبطل قومي، ومنحه حياة جديدة وحماية كاملة.

بطل في موسكو... خائن في لندن

في موسكو، عاش بليك حياة مختلفة تماماً. حصل على رتبة عقيد داخل الاستخبارات السوفياتية، ونال أوسمة وتكريمات عدة تقديراً لخدماته. أما في الغرب، فقد تحول اسمه إلى رمز للخيانة، إذ اعتبرته بريطانيا مسؤولاً عن كشف عملاء وعمليات سرية تسببت في خسائر فادحة للاستخبارات الغربية.

وعلى رغم كل الاتهامات، ظل بليك متمسكاً بموقفه حتى أعوامه الأخيرة، مؤكداً أنه لم يخن ضميره، بل تصرف وفق قناعته السياسية.

نهاية العميل... وبقاء الأسطورة

توفي جورج بليك في موسكو عام 2020 عن عمر ناهز 98 سنة، بعد حياة طويلة قضاها بين عالمين متصارعين. لكن قصته بقيت واحدة من أكثر قصص الجاسوسية إثارة وغموضاً في التاريخ الحديث، لأنها لم تكن مجرد حكاية تجسس تقليدية، بل قصة رجل مزقته الحروب والأفكار والولاءات المتناقضة.

وبينما يراه بعضهم خائناً تسبب في مقتل عملاء أبرياء، يراه آخرون رجلاً ضحى بحياته من أجل أفكاره. وهكذا بقي اسم جورج بليك محفوراً في ذاكرة التاريخ، كأحد أخطر العملاء المزدوجين وأكثرهم غموضاً في عصر الحرب الباردة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير