ملخص
وصفت مصادر الوفد اللبناني المفاوض مع إسرائيل في واشنطن، بعد الانتقال من المستوى الدبلوماسي إلى "السياسي" وبمشاركة "عسكرية" من الجانبين، أجواء مداولاتها، التي استحوذ الشق الأمني والعسكري على القسم الأكبر منها خلال اليوم الثاني، بالإيجابية وبالمقبولة في اليوم الأول، إذ ركز البحث في ثلاث جلسات متتالية على الورقة الموحدة لإعلان النيات.
على مدى يومين متتالين، ووسط ظروف بالغة التعقيدات من كل النواحي الميدانية العسكرية والدبلوماسية، انعقدت الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة داخل مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، واتسمت بالجدية والتكتم.
وعلى عكس الجولتين الأولى والثانية بقيت المفاوضات في جولتها الثالثة بعيدة من عدسات الكاميرات والمراسلين الذين اكتفوا بصورة يتيمة عن الاجتماع، وغاب عنها وزير الخارجية ماركو روبيو، بينما حضر عن الجانب الأميركي مستشار وزير الخارجية مايك نيدهام، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي. وترأس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم، بمشاركة السفيرة لدى واشنطن ندى حماده معوض، والقائم بالأعمال وسام بطرس، والملحق العسكري العميد أوليفر حاكمة.
أما من الجانب الإسرائيلي، فترأس الوفد سفير تل أبيب لدى واشنطن يحيئيل ليتر إلى جانب رئيس اللواء الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين. وتوقفت مصادر دبلوماسية عند قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تغييب المستشار السياسي الأكثر قرباً منه رون ديرمر عن رئاسة الوفد، بعد تكليفه سابقاً بإدارة الملف اللبناني والتنسيق مع واشنطن. ورأت المصادر في ذلك رسالة توحي بأن توقيت الحسم على طاولة المفاوضات لم يحن بعد.
استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، في قصر بعبدا، رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، حيث أجريا جولة أفق تناولت الأوضاع الراهنة في ضوء التطورات الأخيرة.
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) May 14, 2026
وتناول البحث المفاوضات التي انطلقت في وزارة الخارجية الأميركية بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية، في ضوء… pic.twitter.com/R4bpjoVXuh
مفاوضات إيجابية
هذه المفاوضات التي انتقلت من المستوى الدبلوماسي إلى "السياسي" وبمشاركة "عسكرية" من الجانبين، وصفت مصادر الوفد اللبناني أجواء مداولاتها، التي استحوذ الشق الأمني والعسكري على القسم الأكبر منها خلال اليوم الثاني بالإيجابية، وبالمقبولة في اليوم الأول، إذ ركز البحث في ثلاث جلسات متتالية على الورقة الموحدة لإعلان النيات. ولم يتمكن الوفد اللبناني من انتزاع قرار تثبيت وقف إطلاق النار، لكنه حصل على هدنة لـ45 يوماً وبالقواعد المعمول بها منذ أول إعلان لوقف النار، مقابل إصرار إسرائيل على مطلب نزع سلاح "حزب الله" وحقها في الدفاع عن نفسها في وجه أي خطر.
وكرست الجولة الثالثة من المفاوضات مبدأ السير بمسارين متوازيين، الأمني والسياسي، على أن ينعكس التقدم في الأول على الثاني، بمعنى كلما نجح لبنان في اختبار نزع السلاح تمكن من تنفيذ مطلب الانسحاب وتحرير الأراضي المحتلة. ولخصت مصادر دبلوماسية في واشنطن أجواء المفاوضات في جولتها الثالثة بأن هناك إرادة لدى الطرفين بحصول تقدم، لكن الإرادة الأكبر أميركية بإصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تحقيق إنجاز وعدم إضاعة الزخم (momentum).
بيان الوفد اللبناني: نسعى إلى اتفاق شامل
ومقابل بيان مقتضب لوزارة الخارجية الأميركية عبرت فيه عن أملها في "أن تؤدي هذه المناقشات إلى تعزيز السلام المستدام بين البلدين، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامته الإقليمية، وإنشاء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة"، أصدر الوفد اللبناني بياناً تفصيلياً ضمنه نتائج الجولة التفاوضية كما تفسيرات أساس لوجهة نظر الوفد من مجريات المفاوضات. وأشار البيان اللبناني إلى"تقدم دبلوماسي ملموس"، وأن تمديد مهلة وقف إطلاق النار يهدف إلى تثبيت الزخم السياسي المتحقق وإفساح المجال أمام التقدم على المسارين الأمني والسياسي معاً، وأن واشنطن ستتولى تسهيل قنوات التواصل والتنسيق العسكري بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي بصورة استباقية.
وشدد الوفد على أن الموقف اللبناني يرتكز على أربعة ثوابت هي استعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية، وتأمين الحدود، وضمان عودة آمنة وكريمة للنازحين مع دعم إعادة الإعمار، والإفراج عن المحتجزين واستعادة رفات القتلى، فضلاً عن اشتراط آلية تحقق مرحلية مدعومة بضمانات أميركية تكفل تنفيذ الالتزامات دون المساس بالسيادة الوطنية. وأكد الوفد اللبناني أن هدفه تحويل الزخم الراهن إلى اتفاق شامل ودائم تُصان فيه سيادة لبنان حصراً عبر مؤسساته الشرعية، وفي مقدمها الجيش.
الهدنة الهشة مستمرة إلا إذا
في المقابل تؤكد مصادر دبلوماسية في واشنطن أن الإشارات الإيجابية التي نقلها كل من السفير كرم والسفيرة معوض والسفير ميشال عيسى إلى طاولة المفاوضات، نقلاً عن رئيس البرلمان نبيه بري، في شأن استعداد "حزب الله" لوقف عملياته العسكرية مقابل التزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها على لبنان، أسهمت في التوصل إلى الاتفاق على تمديد الهدنة، غير أن الشكوك حول جدية النيات لم تتبدد، مما دفع إسرائيل إلى التمسك بما تعتبره حقها في الدفاع عن النفس في مواجهة أي "خطر داهم"، من دون تحديد مفهوم هذا الخطر. وأكد الوفد الإسرائيلي من جهته أن تل أبيب مستعدة للتعاطي وفق مبدأ "رد الفعل على الفعل"، أي الرد بالمثل. وحين استشهد الوفد الإسرائيلي بتجربة حصر السلاح جنوب الليطاني، رد العميد حاكمة بأن الجيش اللبناني دهم وصادر جميع المراكز التي أبلغ عنها عبر آلية "الميكانيزم" المعتمدة وبالإمكانات المتاحة، مشيراً إلى أن الدخول إلى الأملاك الخاصة كان يستلزم الحصول على إذن قضائي مسبق.
وكشفت المصادر أن اتصالات أميركية مكثفة ستنشط خلال الساعات الفاصلة قبيل انتهاء مهلة وقف إطلاق النار الحالية، بهدف اختبار جدية الطرفين والتوصل إلى إعلان واضح وصريح يحدد ساعة الصفر لوقف العمليات والاعتداءات من الجانبين.
وبناءً على ذلك، ستكون الساعات المقبلة حاسمة في تحديد مسار الأمور، إما الانتقال من نموذج وقف النار الهش السابق إلى صيغة تثبيت راسخة على غرار ما يجري بين إيران وأميركا، أو الإبقاء على قواعد الاشتباك الحالية حتى نهاية المهلة المحددة في آخر يونيو (حزيران) المقبل.
Meetings Between the Governments of the United States, Lebanon, and Israelhttps://t.co/C9MQRqm2SV
— U.S. State Dept - Near Eastern Affairs (@StateDept_NEA) May 15, 2026
البنتاغون: اختبار النيات ميدانياً
وفي البيان الختامي المقتضب الذي صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، أُعلن عن موعدين جديدين لجولة تفاوضية رابعة، الأول ذا طابع عسكري سيعقد في البنتاغون خلال الـ29 من مايو (أيار) الجاري بين وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل، والثاني ذا طابع سياسي حُدد خلال الثاني والثالث من يونيو المقبل في واشنطن.
وسيخصص المسار العسكري للبحث في الآلية التنفيذية للإطار الأمني المؤلف من ثلاث مراحل متتالية، تبدأ الأولى باختيار منطقة جغرافية محددة لتنظيفها من السلاح والمسلحين والمخازن والأنفاق بوصفها اختباراً للنيات، تليها مرحلة انتشار الجيش اللبناني وتنفيذ مداهماته، ثم يدخل طرف ثالث للتحقق من خلو المنطقة من السلاح، ومن المتوقع أن تحسم هوية هذا الطرف في اجتماعات البنتاغون، سواء كانت الولايات المتحدة أم دولة أوروبية أم عربية. وبالتوازي مع ذلك، يستأنف الجيش اللبناني خطة حصر السلاح شمال الليطاني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتؤكد المصادر أن مهلة تنفيذ هذا المسار لن تكون مفتوحة، ولن تتجاوز أسابيع قليلة، لا سيما أن نجاحه سينعكس مباشرة على المسار السياسي وعلى المطلب اللبناني الأساس المتمثل في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة. وفي هذا السياق، يرى كثر أن الزيارة المفاجئة التي أجراها رئيس لجنة الميكانيزم، الجنرال الأميركي جوزاف كليرفيلد إلى بيروت، واجتماعه الذي وُصف بـ"الاستثنائي" مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت تحضيراً مباشراً للمداولات المرتقبة في البنتاغون.
إعلان النيات على طاولة الخارجية
وبعد أربعة أيام على انطلاق المسار العسكري، تنعقد الجولة السياسية داخل مقر وزارة الخارجية الأميركية، وبمستوى التمثيل نفسه من دون أي تغيير مرتقب حتى الآن في الوفدين. ومن المتوقع أن يتمحور البحث حول ورقة إعلان النيات المتضمنة الخطوات التي يتعهد كل طرف بتنفيذها لبناء الثقة المتبادلة، تمهيداً لرسم مسار واضح نحو اتفاق نهائي يشمل وقفاً شاملاً للنار وتحويله إلى إنهاء حال الحرب، وسحب سلاح "حزب الله"، وإنهاء ملف ترسيم الحدود وإطلاق مسار إعادة الإعمار.
ولم تتوصل الجولة الثالثة إلى اتفاق على هذه الورقة، في ظل خلافات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي على نقاط عدة رفضت المصادر الإفصاح عنها. وكان اليوم الأول من المفاوضات شهد ثلاث جلسات متواصلة أعدت خلالها مسودة أولى، أدخل عليها الطرفان تعديلاتهما بالتنسيق مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ولجنة المتابعة في القصر الجمهوري في بعبدا، وانتهت المناقشات بمسودة ثانية لم تُحسم بعد على أن يستكمل البحث فيها خلال اجتماعات يونيو المقبل.
وبحسب المداولات، فإن الوفد اللبناني أصر على تثبيت أولوياته الخمس ببسط سيادة الدولة على كامل أراضيها والانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة الأسرى، وعودة النازحين وإعادة الإعمار، فيما ركز الوفد الإسرائيلي على إنهاء مسألة السلاح وترسيم الحدود وإبرام اتفاق سلام بين البلدين.