Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مبادرات فردية لإحياء واجهة غزة البحرية مع الصيف

قبل الحرب كان قطاع السياحة يضم نحو خمسة آلاف منشأة متنوعة

تتخذ هذه المبادرات طابع تحدي المستحيل إذ يسعى السكان إلى تحويل الركام إلى مساحات صالحة للحياة بأدوات بسيطة (أ ف ب)

ملخص

كيف يواجه الغزيون محاولات محو واجهتهم البحرية، تقرير "اندبندنت عربية" يرصد كيف تحول شاطئ غزة من منطقة منكوبة إلى مساحة للاستجمام.

يقف حاتم وسط ركام ما كان يوماً استراحته الفاخرة، ينظر حوله إلى جبال من الباطون المفتت ويتذكر كيف كانت تصدح الموسيقى وتنتشر رائحة الشواء، وبسبب الحرب الإسرائيلية على غزة تبدد كل شيء وحل الصمت ثقيلاً على المكان ورائحة الغبار لم تفارق المكان.

لم يستسلم حاتم للسواد، أخذ يجمع أكياس الطحين الفارغة التي ألقاها النازحون خلفهم، تلك الأكياس التي كانت تحمل وسوماً زرقاء وخضراء لمنظمات الإغاثة، غسلها بماء البحر ثم جلس لساعات طويلة يخيطها ببعضها بخيوط متينة، حتى صنع منها مظلات هائلة بلون أبيض باهت، قادرة على حجب شمس الصيف الحارقة.

استراحة جديدة

يقول "فقدت غزة واجهتها البحرية تماماً، لقد سحقت الحرب قطاع السياحة، وحلت مكان الاستجمام والترفيه مخيمات النزوح والضغط النفسي الهائل. لن نقف نتفرج على مصابنا الجلل، لذلك قررت النهوض وإعادة بناء استراحة تطل على تضارب الأمواج".

يبني حاتم استراحته الجديدة بصبر فائق وبأدوات بدائية، ينصب الأعمدة وهي أنابيب بلاستيكية ضخمة جمعها من بقايا شبكات الصرف التي دمرها القصف، قام بتنظيفها بعناية، ورشقها في الرمال بعمق، لتصبح هي الساريات التي رفعت أشرعة الصمود البيضاء.

من تحت الأنقاض، جمع بقايا الكراسي البلاستيكية المحطمة، وبصبر أيوب استخدم اللاصق الحراري وأسلاكاً حديدية رفيعة لربط مفاصلها المكسورة، لتعود قادرة على حمل أجساد المتعبين. ووسط الاستراحة صنع "ركن النار" يشعل خشب الزيتون الذي جمعه من بقايا الأشجار المجرفة ويوقد تحت الحطب إبريق شاي أسود.

منصة مشروبات

تحولت استراحته إلى مختبر للصمود اليومي، بدأ المكان يتوسع ليعيد تعريف معنى العمارة الاضطرارية، حيث بنى حاتم ما يشبه السور حول استراحته ليخلق شعوراً بالخصوصية والأمان وسط الفوضى. استخدم في بنائه حجارة المنازل المجاورة التي سويت بالأرض، رصها فوق بعضها بدقة فنية، وفي الفراغات بين الحجارة، غرس معلبات فارغة ملأها برمل البحر وزرع فيها أغصان صبار وريحان.

أما "منصة المشروبات"، فقد كانت قطعة من الخرسانة المسلحة التي سقطت بزاوية مائلة بفعل قذيفة، وعلى لوح خشبي صغير كتب بالفحم "شاي بالمرمية، قهوة على الريحة، ماء بارد".

في زاوية من الاستراحة، خصص حاتم مساحة سماها "ركن الحكايا"، وضع فيها راديو قديماً يعمل بالبطاريات، يجتمع حوله الرجال بانتظار نشرات الأخبار، ثم سرعان ما يتحول الحديث من السياسة إلى ذكرياتهم عن الكورنيش القديم، يتذكرون أين كان يقف بائع المرطبات، وأين كانت تركن قوارب الصيد.

وقت المغيب

حين يبدأ قرص الشمس البرتقالي بالغطس ببطء في عمق البحر المتوسط، تخترق أشعته الأخيرة خيوط أكياس الطحين المهترئة، تظهر مسامات الخيش المنسوجة بوضوح، وينعكس شعار "وكالة الغوث" بظلال باهتة فوق رؤوس الجالسين، وكأنه وشم يوثق مرحلة من تاريخهم.

يمتزج لون الغسق البرتقالي مع دخان موقد الحطب المتصاعد، ليخلق ضباباً خفيفاً يغلف وجوه الرجال المتعبين، فتختفي تجاعيد الهموم تحت هذا الضوء الذهبي الدافئ، وعندما يرحل آخر شعاع، تبدأ لمبة "الليد" الصغيرة بالارتجاف لتعلن بدء ليل جديد.

لا تفوح من استراحة حاتم رائحة المعسل وإنما تسيطر رائحة المرمية والزعتر المغلية على بقايا نار الموقد التي شارفت على الانطفاء، يتحدث الرجال بصوت منخفض عن الأحلام المؤجلة، ومع اقتراب منتصف الليل، ينسحب الزوار نحو خيامهم، يغادرون وهم يحملون في صدورهم جرعة أوكسجين مالح. ويبقى حاتم وحيداً يستمع لزفير البحر، مؤمناً بأن أكياس الطحين التي سترت عريشته، ستكون شاهدة على أول حجر يوضع في بناء الكورنيش الجديد.

تشهد الواجهة البحرية المدمرة في غزة محاولات فردية لإعادة الحياة إلى "الكورنيش" على رغم الدمار الواسع الذي طاول الاستراحات والخدمات. وتتخذ هذه المبادرات طابع تحدي المستحيل، إذ يسعى السكان لتحويل الركام إلى مساحات صالحة للحياة بأدوات بسيطة وإمكانيات ذاتية.

الواجهة البحرية قبل الحرب

قبل بدء الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان قطاع غزة يضم نحو خمسة آلاف منشأة سياحية متنوعة، تركز معظمها على طول الواجهة البحرية. وبحسب بيانات وزارة السياحة فإن المطاعم والمقاهي كانت تمثل الثقل الأكبر وعددها يبلغ 3450 منشأة مخصصة لتقديم الطعام والمشروبات، وتشكل أكثر من 69 في المئة من إجمالي القطاع السياحي.

وكان في غزة 173 منشأة فندقية وإقامة سياحية، وهناك 921 منشأة تشمل الاستراحات الكبرى والنوادي البحرية، وكان قطاع السياحة والاستجمام يشغل أكثر من 15 ألف عامل بصورة مباشرة.

في الحرب تحولت هذه المنطقة من واجهة سياحية نابضة إلى ركام، دمر القتال العسكري نحو 97 في المئة من المنشآت السياحية في القطاع، وهو ما يعادل قرابة 4900 منشأة خرجت عن الخدمة تماماً، وقدرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 3.9 مليار دولار أميركي.

مبررات إسرائيل

تبرر إسرائيل تدمير الواجهة البحرية في غزة لأن "حماس" كانت تستخدمها كمقدرات عسكرية وسلطوية، يقول متحدث الجيش نداف شوشاني "السيطرة على خط الساحل كانت مرحلة استراتيجية حاسمة لزيادة الضغط على ‘حماس‘، معظم الضربات استهدفت البنية التحتية للفصائل، أيضاً تدمير الواجهة البحرية كان لمنع إنشاء مناطق أمنية للمسلحين تساعدهم على شن هجمات عابرة للحدود".

ويضيف "‘حماس‘ حولت الفنادق والاستراحات على الكورنيش إلى نقاط مراقبة ومداخل لأنفاق، مما حولها إلى أهداف عسكرية مشروعة، القصف المكثف للواجهة البحرية استهدف شبكة أنفاق ضخمة تحت الكورنيش والمنشآت السياحية، مما استدعى استخدام قنابل ثقيلة أدت لتدمير كل ما فوق الأرض".

تحول هذا القطاع الذي كان ركيزة للاقتصاد الوطني إلى منطقة منكوبة، هو السبب الذي دفع أصحابه للجوء إلى المبادرات الفردية كمحاولة أخيرة للبقاء وتوفير الحد الأدنى من الخدمات للسكان النازحين.

استراحة ساقي القهوة

في منطقة كانت تضم أرقى المطاعم، قرر علاء أن يقلب موازين الخراب، ليصنع من الركام استراحة تفوح منها رائحة الحطب والقهوة. لم يكن يملك رأس مال، فبدأ بجمع المنصات الخشبية التي تلقى في مراكز توزيع المساعدات بعد إفراغها من الطرود، وأعاد تدويرها على شكل مقاعد ذات مساند مريحة، واستخدم بقايا إسفنج من منازل مدمرة، ليصنع وسائد تمنح الزبون شعوراً بالراحة والاحتواء وسط دمار موحش.

تخصص علاء في القهوة المغلية على الحطب بنكهات مختلفة، وأصبحت استراحته مكاناً لالتقاء الصحافيين والنازحين الذين يبحثون عن مساحة للحديث بعيداً من ضجيج مراكز الإيواء. عندما أدرك أن الغاز والكهرباء عملتان نادرتان، جعل من النار هويته، فهو لا يقدم الشاي والقهوة ببساطة، بل يتركهما يغليان في أباريق معدنية حتى يكتسبان طعم التدخين المحبب، إذ يضيف إليهما أعشاب المرمية والنعنع يزرعها في أصص صغيرة فوق الركام، مما يجعل لكل كوب نكهة الأرض المتمسكة بالحياة.

علاء ليس مجرد ساقي قهوة، بل هو مستمع محترف، ينسج علاقته مع الزبائن من خلال المشاركة الوجدانية، يتركهم يتحدثون عن بيوتهم المدمرة، ويوفر لهم شواحن للهواتف من بطارية صغيرة يملكها، مما جعل استراحته غرفة عمليات للبحث عن الأقارب وتداول الأخبار.

لا تزال عملية إعادة بناء الاستراحات البحرية في مراحلها الأولية والذاتية، فهي نتاج محاولات فردية مستمرة لإعادة الحياة للساحل مع اقتراب فصل الصيف. وتأتي هذه المحاولات في ظل عدم تقدم خطط إعادة الإعمار الكبرى تحت إشراف مجلس السلام.

من دون جهد رسمي

يقول سعد، وهو صاحب استراحة بحرية، "يعمد أصحاب الاستراحات المدمرة إلى إزالة القشور العلوية من الركام وتسوية الأرض يدوياً لإقامة عرائش بسيطة مصنوعة من أكياس الخيش أو بقايا الأقمشة والأخشاب المستصلحة، توفر هذه الاستراحات مكاناً للجلوس مقابل مبالغ زهيدة".

ويضيف "لا ينتظر أصحاب الاستراحات الآليات الرسمية بل يعمد الكثيرون إلى استئجار شاحنات وجرافات على نفقتهم الخاصة لرفع الركام وتهيئة مساحات صغيرة تصلح لإقامة استراحات موقتة، ومعظمها قائمة على المبادرات الذاتية التي تهدف إلى إعادة تعريف الحياة وتحدي واقع الدمار، إذ تعتبر كل استراحة صغيرة تعاد إقامتها ورشة بناء للكرامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فعل بقاء

يقبل الشباب على هذه الاستراحات، فهي ظاهرة اجتماعية فريدة يرى الغزيون فيها فعلاً للبقاء والتفريغ النفسي. يقول المواطن فادي "أهرب مع عائلتي من ضجيج مراكز الإيواء المكتظة وأصوات الطائرات إلى الشاطئ، وعلى رغم أن الكورنيش مدمر، إلا أن صوت أمواج البحر يمنحنا نوعاً من العلاج النفسي الذي يقلل من حدة التوتر والقلق الدائم".

تقول غادة "أصبحت هذه الاستراحات المقصد الوحيد للخروج من دائرة الموت والنزوح، آتي بأطفالي ليلعبوا بالرمل بعيداً من زحام الخيام، حتى لو كانت الجلسة مجرد حصير فوق ركام استراحة سابقة، تحولت هذه الاستراحات إلى نقاط تجمّع نتشارك فيها الأخبار ونحاول عيش لحظات طبيعية لا تخلو من النقاش والضحك على رغم كل السواد المحيط بهم".

تفريغ نفسي

باتت الاستراحات البحرية مساحة استرداد للذات وسط تجربة فقدان شاملة، تقول الباحثة النفسية ثريا حلمي "الحرب تسرق من الإنسان روتينه اليومي وأبسط حقوقه، أما الجلوس في استراحة حتى لو كانت فوق الركام، يعطي الشخص شعوراً موقتاً بأنه إنسان يمارس حياة طبيعية، هذا الوهم ضروري جداً لمنع الانهيار العصبي الكامل".

وتضيف "العيش بين الأنقاض أو داخل خيام متلاصقة يخلق شعوراً بالانحباس والاختناق، لكن الوقوف أمام أفق البحر المفتوح يمنح الدماغ إشارة بالاتساع، مما يساعد في تخفيف نوبات الهلع وضيق التنفس الناتج من القلق المزمن".

توضح حلمي أن صوت ارتطام الأمواج بالصخور يخلق ضجيجاً أبيض يحجب جزئياً الأصوات المقلقة، مما يمنح الكبار فرصة لإغماض أعينهم للحظات من الاسترخاء الذي يفتقدونه في مراكز الإيواء الصاخبة.

المتنفس الأول

ترى بلدية غزة أن الاستراحات هي الروح التي ستبنى عليها غزة من جديد، هي أكثر من مجرد كراسٍ وخشب، بل هي إعلان ملكية للمكان وإثبات أن الدمار لم ينجح في قطع صلة الناس بأرضهم وبحرهم. يقول رئيس بلدية غزة يحيى السراج "الاستراحات جزء من عملية إحياء الحياة الطبيعية، ونسعى لتنظيم هذه المحاولات الفردية، لدينا مخططات لإعادة إعمار الواجهة البحرية بصورة مستدامة".

ويضيف "البلدية لا تملك الآليات المناسبة للعمل في ظل الأزمات المستمرة، عدم توافر الإمكانات والمعدات اللازمة للإنقاذ يعيق جهودنا ويهدد سلامة المصطافين على شاطئ البحر. الواجهة البحرية هي المتنفس الأول لسكان المدينة، لذلك يجب تضافر الجهود لإعادة إحيائها على رغم أن المحاولات السابقة واجهت صعوبات بالغة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير