ملخص
تكشف الروايات التي حصل عليها موقع "اندبندنت فارسية" عن أن الحرية، بالنسبة إلى كثيرين من معتقلي يناير الماضي، لم تكن نهاية للقمع، بل مرحلة جديدة من العقاب نفسه، إذ انتقل السجن من خلف جدران سجن "إيفين" و"فشافويه" و"عادل آباد" و"وكيل آباد" وغيرها من السجون الإيرانية، إلى داخل المنازل والعائلات وعقول هؤلاء الشباب.
مر أكثر من أربعة أشهر على القمع الدموي للاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها إيران في يناير (كانون الثاني) الماضي، لكن بالنسبة إلى عدد من المعتقلين الذين أفرج عنهم بكفالات بعد أسابيع أو أشهر من التحقيق والسجن، فإن الحياة لم تعد إلى طبيعتها بعد. فهؤلاء، وإن لم يعودوا خلف قضبان السجون ظاهرياً، إلا أن كثيرين منهم يعيشون عملياً تحت وطأة الأساور الإلكترونية، وكفالات باهظة، وقرارات منع من السفر، واستدعاءات متكررة، إلى جانب التهديد الدائم من قبل الأجهزة الأمنية.
وتشير معلومات حصل عليها موقع "اندبندنت فارسية" من مدن إيرانية مختلفة إلى أن عدداً من معتقلي احتجاجات يناير اضطروا إلى تقديم كفالات مالية باهظة للإفراج الموقت عنهم، تجاوزت في بعض الحالات 30 مليار تومان (200 ألف دولار)، وإلى جانب ذلك، فرضت القيود الأمنية والقضائية واقعاً أربك حياتهم اليومية بشكل كامل.
ويقول أحد المحتجين، البالغ من العمر 33 سنة، من سكان طهران، والذي اعتقل خلال احتجاجات الثامن من يناير الماضي في شرق العاصمة طهران، ويعيش حالياً في منزل والديه تحت المراقبة عبر سوار إلكتروني، لـ"اندبندنت فارسية" "عندما خرجت من السجن، ظننت أن أسوأ ما في الأمر قد انتهى. لكن بعد أيام أدركت أنني كنت مخطئاً. وضعوا السوار الإلكتروني في قدمي، وقالوا إنني لا أستطيع التنقل إلا ضمن دائرة لا يتجاوز حدودها 10 كيلومترات فقط. عملياً، انتقلت من الزنزانة إلى المنزل. هذا الإذلال يرافقني طوال الوقت"، ويضيف أن هذه الظروف لم تقيد حريته فحسب، بل تركت آثاراً نفسية عميقة عليه أيضاً "في الليل، عندما أحاول النوم، أشعر أحياناً وكأنني ما زلت في مركز الاحتجاز. أصوات إغلاق الأبواب، وصراخ المحققين، والضرب، لا تزال عالقة في ذهني".
كفالات دفعت العائلات إلى حافة الانهيار
اضطرت عائلات كثيرة إلى رهن منازلها وسياراتها ومدخراتها وذهبها لتأمين الكفالات المطلوبة. ويقول والد أحد المعتقلين، البالغ من العمر 23 سنة، من مدينة كرج "قدمت سند المنزل والمحل التجاري ككفالة للإفراج عن ابني. أعيش كل يوم في خوف من أن يستدعى مجدداً أو يصدر حكم بحقه، فنفقد كل ما نملك"، وأضاف "ابني خرج من السجن، لكن لا هو يعيش بطمأنينة ولا نحن. مجرد اتصال هاتفي كفيل بأن ينهار كل شيء من جديد. كنت أتمنى لو أستطيع مساعدته على الهرب والخروج من إيران، لكنه يقول إن مغادرته ستؤدي إلى مصادرة المنزل والمحل، وعندها أين سنعيش نحن؟ ومن أين سنؤمن قوتنا وقوت إخوته؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منع من السفر واستدعاءات وتعليق الدراسة والعمل
ولم تقتصر معاناة هؤلاء المحتجين على الكفالات الباهظة، بل رافقت الإفراج الموقت عن كثيرين منهم قيود أخرى، من بينها المنع من السفر، والحرمان من استكمال الدراسة، أو العودة إلى أماكن عملهم.
ويقول طالب جامعي يبلغ من العمر 24 سنة من مدينة أصفهان، أفرج عنه بكفالة بلغت خمسة مليارات تومان (33.5 ألف دولار)، "أبلغني أحد مسؤولي الجامعة بأنني ممنوع من حضور المحاضرات إلى حين البت في قضيتي. عملياً، جرى تعليق مستقبلي بالكامل. أنا حر شكلياً فقط. فلا أستطيع متابعة دراستي، ولا السفر، ولا حتى التخطيط لمستقبلي".
استدعاءات متكررة وتهديد دائم
بحسب المعلومات الواردة، يستدعى عدد من المفرج عنهم بشكل دوري إلى الأجهزة الأمنية، حيث يخضعون للاستجواب في شأن علاقاتهم الشخصية، ونشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، واتصالاتهم بوسائل الإعلام.
ويقول أحد المحتجين المفرج عنهم في مدينة شيراز، والذي رفض، كما فعل بقية من تمت مقابلتهم، الكشف عن اسمه بسبب تهديدات الأجهزة الأمنية "في كل مرة يرن فيها الهاتف من رقم مجهول أو رقم مخفي، يتوقف قلبي. أشعر دائماً أنهم يريدون إعادتي إلى السجن. هناك كانوا يضربوننا بعنف شديد. وأنا متأكد أنه إذا جرى اعتقالي مرة أخرى، فلن أخرج من السجن حياً".
أزمة نفسية صامتة
يؤكد ناشطون مدنيون داخل إيران، تحدث إليهم موقع "اندبندنت فارسية"، أن مزيج السجن والتهديد والقيود القضائية والضغوط الاقتصادية وضع كثيراً من هؤلاء الشباب أمام حالات من القلق المزمن والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. ويقول مصدر مقرب من عائلة أحد المعتقلين في مدينة مشهد إنه "لم يعد كما كان من قبل. أصبح قليل الكلام، يرى كوابيس ليلاً، ونادراً ما يغادر المنزل".
وخلال الأسابيع الأخيرة، ومع استمرار إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام في حق عدد من معتقلي احتجاجات يناير الماضي، تصاعدت مخاوف المفرج عنهم بشكل ملحوظ، ولا سيما بعد أحدث عمليات الإعدام التي طاولت عرفان شكورزادة، في الـ11 من مايو (أيار)، بتهمة التعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية و"الموساد". ويقول كثيرون من هؤلاء إنهم لا يزالون يجهلون مصير ملفاتهم القضائية، وما إذا كان الإفراج الموقت سينتهي بأحكام سجن طويلة، أو حتى بعقوبات أشد قسوة.
ويقول أحد المحتجين من مدينة ساري في محافظة مازندران "عندما خرجت من السجن، كانت والدتي تبكي وتقول: الحمد لله أنك أصبحت حراً، لكن الحقيقة أنني لم أتحرر بعد، بل تغير شكل سجني فقط. يتم استدعائي باستمرار إلى دائرة الاستخبارات أو إلى سجن مدينة ساري للتأكد من وضع السوار الإلكتروني، ويواصلون تهديدي حتى لا أعتقد أنني أصبحت حراً فعلاً".
وتكشف الروايات التي حصل عليها موقع "اندبندنت فارسية" عن أن الحرية، بالنسبة إلى كثيرين من معتقلي يناير الماضي، لم تكن نهاية للقمع، بل مرحلة جديدة من العقاب نفسه، إذ انتقل السجن من خلف جدران سجن "إيفين" و"فشافويه" و"عادل آباد" و"وكيل آباد" وغيرها من السجون الإيرانية، إلى داخل المنازل والعائلات وعقول هؤلاء الشباب.
وفي وقت يواجه فيه النظام الإيراني واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية والمعيشية خلال العقود الأخيرة، لا تزال السلطات تصر على تنفيذ أحكام الإعدام، وفرض الكفالات الباهظة، وتشديد الضغوط الأمنية. ويقول كثيرون من هؤلاء المحتجين إن السؤال الوحيد الذي يرددونه كل يوم هو: هل سيأتي يوم يذوقون فيه طعم الحرية الحقيقي من جديد؟