ملخص
تنظر موسكو إلى القارة السمراء باعتبارها ساحة منخفضة الكلفة نسبياً وعالية العائد سياسياً، يمكن عبرها تعويض جزء من الاختلال الاستراتيجي مع الغرب، وكسر العزلة التي فرضتها العقوبات الغربية بعد حرب أوكرانيا، وبناء شبكة من الشركاء القادرين على منحها شرعية دبلوماسية ومجالات نفوذ ممتدة في الجنوب العالمي.
لم يعد الحضور الروسي في أفريقيا مقتصراً على صفقات السلاح أو التفاهمات الأمنية، بل أخذ طابعاً أكثر تعقيداً، ربما بشكل يفوق وتيرة الانخراط الخارجي المتسارعة من قوى دولية أخرى والتي تكشف عن انتقال التنافس الدولي على أفريقيا من ميادين الهيمنة العسكرية التقليدية إلى فضاءات أكثر مرونة وخفاء، تتداخل فيها أدوات النفوذ السياسي، والحرب المعلوماتية، مع المصالح الاقتصادية والأمنية بعيدة المدى، وبينما يدعو الغرب معظم الدول الأفريقية ذات النظم العسكرية إلى التحول الديمقراطي بالتأثير على البنى الانتخابية والإعلامية، تعمل موسكو داخل الدول ذاتها ومنها ما تُدار بحكومات انتقالية وهي هشة بطبيعتها وفي حاجة إلى حلفاء لحمايتها من الضغوط الغربية.
وفي هذا السياق، تكشف التسريبات والوثائق المرتبطة بشبكات التأثير الروسية، بما في ذلك الشبكات المرتبطة بإرث مجموعة "فاغنر" عن نمط متكامل من العمليات السرية التي توظف التضليل الإعلامي، والشبكات المحلية، والفاعلين غير الرسميين، لإعادة توجيه المجال السياسي بما يخدم المصالح الاستراتيجية لموسكو.
غير أن اختزال المشهد في ثنائية "تمدد روسي" مقابل "تراجع غربي" يبقى قراءة قاصرة لطبيعة التحولات الجارية، فالدول الأفريقية نفسها لم تعد مجرد ساحات مستقبلة للتنافس الدولي، بل تحولت إلى أطراف فاعلة توظف هذا التنافس لتعظيم هوامش المناورة الاستراتيجية، وإعادة صياغة علاقاتها الخارجية وفق اعتبارات الأمن، والتنمية، وبقاء النظم السياسية، ومن ثم، فإن فهم الدور الروسي في أفريقيا يقتضي تجاوز المقاربات الاختزالية، والانطلاق نحو قراءة تدرك تداخل المصالح الدولية مع الحسابات المحلية، وتفكك الحدود التقليدية بين القوة الصلبة، والقوة الناعمة، وما بات يعرف اليوم بـ"القوة الحادة" التي تعتمد على التلاعب الإعلامي والثقافي واختراق المؤسسات، وفرض القمع الممنهج.
عودة تكتيكية
لم يكن التمدد الروسي في أفريقيا خلال العقد الأخير مجرد عودة تكتيكية إلى فضاء جيوسياسي مهمل، بل مثل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تموضع روسيا داخل النظام الدولي بعد تآكل نفوذها عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، فموسكو تنظر إلى القارة السمراء باعتبارها ساحة منخفضة الكلفة نسبياً وعالية العائد سياسياً، يمكن عبرها تعويض جزء من الاختلال الاستراتيجي مع الغرب، وكسر العزلة التي فرضتها العقوبات الغربية بعد حرب أوكرانيا، وبناء شبكة من الشركاء القادرين على منحها شرعية دبلوماسية ومجالات نفوذ ممتدة في الجنوب العالمي.
وتتحرك الاستراتيجية الروسية في أفريقيا عبر مزيج شديد البراغماتية من الأدوات الأمنية والاقتصادية والإعلامية، فهي تدعم النخب الحاكمة والأنظمة الهشة عبر المستشارين العسكريين، وشركات الأمن الخاصة، وصفقات السلاح، مقابل الحصول على امتيازات التعدين والطاقة والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، لم تكن مجموعات مثل "فاغنر" مجرد أدوات قتالية، بل تحولت إلى أذرع نفوذ متكاملة تدير شبكات اقتصادية وإعلامية وسياسية موازية، تمتد من حماية الأنظمة إلى السيطرة على الموارد الطبيعية وتوجيه الرأي العام المحلي.
غير أن البعد الأعمق في المقاربة الروسية يتمثل في قدرتها على استثمار الذاكرة التاريخية الأفريقية، فروسيا تقدم نفسها وريثة للإرث السوفياتي الداعم لحركات التحرر الوطني، في مواجهة خطاب غربي يرتبط في المخيلة السياسية الأفريقية بتاريخ طويل من الهيمنة والتدخل، ومن هنا، تتقاطع الدعاية الروسية مع تصاعد النزعات الشعبوية والمعادية للاستعمار، بما يمنح موسكو قدرة على النفاذ إلى البيئات السياسية الهشة، خصوصاً في دول الساحل وغرب أفريقيا.
ومع ذلك، فإن الحضور الروسي لا يعكس مشروعاً تنموياً طويل الأمد بقدر ما يعكس استراتيجية نفوذ مرنة، هدفها الأساس تحويل أفريقيا إلى رافعة جيوسياسية في الصراع مع الغرب، فروسيا لا تسعى إلى إعادة تشكيل القارة وفق نموذج أيديولوجي، بل إلى بناء شبكات ولاء ومصالح تسمح لها بتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية، وتوسيع قدرتها على المناورة داخل نظام دولي يتجه تدريجاً نحو تعددية قطبية مضطربة.
تشكيل التوازنات
تشير تقديرات حديثة إلى ارتباط موسكو بما يقرب من 80 حملة تضليل موثقة في أكثر من 22 دولة أفريقية، بما يمثل نسبة كبيرة من عمليات التأثير المعلوماتي في القارة خلال العقد الأخير، واللافت أن هذا النشاط لم يعد يقتصر على الدول الهشة أو الخارجة من النزاعات، بل امتد إلى دول ذات مؤسسات انتخابية أكثر استقراراً، في إطار استراتيجية روسية أوسع تستهدف تقويض الثقة بالنموذج الديمقراطي الغربي، وإعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل أفريقيا عبر أدوات إعلامية وأمنية ورقمية متداخلة.
ظهرت ملامح هذه الاستراتيجية بوضوح في مدغشقر خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2018، حين مولت شبكات مرتبطة بالكرملين حملات رقمية دعمت عدة مرشحين قبل أن تستقر على دعم الرئيس السابق أندريه راجولينا، مستخدمة صحفاً محلية ومنصات إلكترونية ومستشارين روساً لإعادة توجيه الرأي العام.
وفي السودان بين عامي 2018 و2019، دعمت موسكو نظام عمر البشير عبر خبراء إعلاميين عملوا على تشويه صورة الاحتجاجات الشعبية وربط المعارضة بأجندات غربية، بالتوازي مع شبكات رقمية هدفت إلى حماية المصالح الروسية المرتبطة بالذهب والبحر الأحمر.
أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال انتخابات 2023، فقد اتخذ الحضور الروسي طابعاً أكثر حساسية بفعل التنافس على الكوبالت والمعادن النادرة، حيث عززت موسكو علاقاتها مع دوائر أمنية وعسكرية وروجت إعلامياً لفكرة أن الشراكة الروسية أقل ارتباطاً بشروط الديمقراطية وحقوق الإنسان مقارنة بالغرب.
وفي جنوب أفريقيا، كشفت تسريبات ووثائق مرتبطة بعام 2024 عن محاولات روسية للتأثير في البيئة السياسية خلال مفاوضات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، عبر حملات تشهير إلكترونية استهدفت "التحالف الديمقراطي"، خشية وصوله إلى وزارات سيادية قد تؤثر في العلاقات الدفاعية والسياسية مع موسكو.
وفي ناميبيا قبيل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، استخدمت مقاطع فيديو مفبركة ورسائل مزيفة لتقويض المعارضة، بينما شهدت غانا خلال انتخابات 2024 نشاطاً رقمياً غير مباشر استثمر الأزمة الاقتصادية وشروط صندوق النقد الدولي لتغذية خطاب مناهض للغرب وتقديم روسيا والصين بوصفهما شريكين أقل تدخلاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما في غرب أفريقيا والساحل، فقد اتخذت حملات التضليل الروسية طابعاً أكثر هجومية، بخاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بعد انقلابات 2020-2023، حيث جرى توظيف آلاف الحسابات والمنصات الرقمية لتأجيج المشاعر المعادية لفرنسا وشرعنة الانقلابات باعتبارها "تحرراً سيادياً".
وفي بنين وساحل العاج، برزت شبكات مرتبطة بفاعلين روس وإقليميين لنشر محتوى يفاقم الانقسامات السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية. وبهذا المعنى، لم تعد المعلومات بالنسبة لروسيا مجرد أداة دعائية، بل تحولت إلى سلاح جيوسياسي متكامل لإعادة هندسة النفوذ داخل أفريقيا، عبر استغلال الأزمات الاقتصادية والهوياتية والأمنية، وبناء بيئات سياسية أكثر استعداداً للابتعاد عن الغرب والانفتاح على موسكو كحليف بديل.
عبء استراتيجي
تستند قدرة روسيا على توسيع نفوذها في أفريقيا إلى مزيج من الانتهازية الجيوسياسية والمرونة العملياتية، أكثر مما تستند إلى مشروع اقتصادي أو أيديولوجي متكامل، وتتوفر عوامل مثل تصاعد المشاعر المعادية لفرنسا والغرب، وفشل بعض التدخلات الغربية في تحقيق الاستقرار، والإرث السوفياتي الذي لا يزال يمنح موسكو رصيداً رمزياً داخل قطاعات من النخب والرأي العام الأفريقي، مما أسهم في ترسيخ هذا النفوذ.
ومع ذلك، تواجه الاستراتيجية الروسية حدوداً بنيوية واضحة، فروسيا تفتقر إلى الأدوات الاقتصادية والتنموية التي تمتلكها الصين أو الاتحاد الأوروبي، كما أن حضورها يعتمد بصورة مفرطة على الأمن، والتضليل الإعلامي، والشبكات الشخصية المرتبطة بالنخب العسكرية والسياسية، وفي الدول الأكثر استقراراً نسبياً، تبدو جاذبية النموذج الروسي محدودة، إذ تفضل هذه الدول الحفاظ على توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين بدل الارتهان لشريك واحد محدود الموارد.
كما أن نجاح روسيا في استغلال الفوضى يضعها أمام معضلة معقدة، فهي قادرة على دخول البيئات المضطربة، لكنها تواجه صعوبة في إدارتها على المدى الطويل، فالتدهور الأمني المستمر في مالي ومنطقة الساحل، والاتهامات الموجهة للقوات الروسية والمتعاقدين المرتبطين بها بارتكاب انتهاكات واسعة، يهددان بتحويل النفوذ الروسي من مكسب مرحلي إلى عبء استراتيجي، ولهذا، فإن مستقبل الحضور الروسي في أفريقيا سيظل مرهوناً بقدرة موسكو على الانتقال من سياسة استثمار الأزمات إلى القدرة الفعلية على إنتاج الاستقرار، وهي المهمة التي لم تثبت نجاحها فيها حتى الآن.
مستقبل النفوذ
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن الحضور الروسي في أفريقيا مرشح للاستمرار، لكن ليس بالضرورة بالصيغة التوسعية ذاتها التي بدت ممكنة بعد الانقلابات المتتالية في منطقة الساحل، فموسكو نجحت خلال فترة قصيرة نسبياً في استثمار تراجع النفوذ الفرنسي والأوروبي، وتوظيف الخطاب السيادي والمشاعر المناهضة للاستعمار لبناء شبكة نفوذ سياسية وأمنية امتدت من مالي والنيجر إلى جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان، غير أن المرحلة المقبلة ستختبر ما إذا كانت روسيا قادرة على تحويل هذا النفوذ الظرفي إلى شراكات مستقرة طويلة الأمد، أم إن حضورها سيظل قائماً على إدارة الأزمات واستغلال الفراغات الجيوسياسية.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح موسكو في ترسيخ نموذجها الأمني داخل بعض دول الساحل ووسط أفريقيا، مستفيدة من هشاشة الأنظمة واحتياجات المجالس العسكرية إلى حماية بقائها السياسي، وفي هذا السيناريو، قد يتوسع دور "فيلق أفريقيا"، مع تعزيز الوصول الروسي إلى الموانئ والموارد الاستراتيجية وخطوط الإمداد في غرب أفريقيا، كما قد تستمر موسكو في تعميق نفوذها عبر أدوات منخفضة الكلفة نسبياً، مثل التضليل الإعلامي، والتعاون العسكري، والدبلوماسية الرمزية.
أما السيناريو الثاني، فيفترض تعرض المشروع الروسي إلى استنزاف تدريجي نتيجة التدهور الأمني والاقتصادي في دول الساحل، وعجز موسكو عن تقديم نموذج استقرار فعلي يتجاوز حماية الأنظمة والمناجم، فالتجربة المالية، وما رافقها من تصاعد العنف والعزلة الاقتصادية، قد تدفع بعض الأنظمة الأفريقية إلى إعادة تقييم الرهان على الشراكة الروسية، خصوصاً إذا استمرت الانتهاكات المرتبطة بالقوات الروسية والمتعاقدين الأمنيين.
وفي المقابل، يبقى مستقبل النفوذ الروسي مرتبطاً أيضاً بسلوك الغرب نفسه، فإذا استمرت الولايات المتحدة وأوروبا في التعامل مع أفريقيا من منظور أمني ضيق أو عبر مقاربات وصائية تقليدية، فإن موسكو ستواصل استثمار هذا الفراغ الرمزي والسياسي، أما إذا نجحت القوى الغربية في تقديم شراكات أكثر توازناً واحتراماً لأولويات الدول الأفريقية، فقد يتراجع الزخم الروسي تدريجياً، وفي جميع الأحوال، تبدو أفريقيا مقبلة على مرحلة تتعدد فيها مراكز النفوذ، بحيث لن يكون الصراع فيها بين هيمنة غربية وأخرى روسية، بل بين نماذج مختلفة للقوة والشرعية والشراكة في نظام دولي يتجه نحو سيولة استراتيجية.