ملخص
ترى هانا نوتي أن سياسة ترمب القائمة على القوة وتفكيك المؤسسات الدولية تهدد بإضعاف النفوذ الذي بنت روسيا جزءاً كبيراً منه عبر الأمم المتحدة والنظام المتعدد الأطراف. فبدلاً من منح موسكو أفضلية استراتيجية، قد تدفعها سياسات ترمب إلى عالم أكثر فوضوية وأقل استقراراً، تتراجع فيه قدرة الكرملين على التأثير والمناورة.
لم يمثل غزو أوكرانيا عام 2022 سوى ذروة التحول الروسي الطويل نحو النزعة التعديلية. فمنذ نهاية الحرب الباردة، سعت روسيا إلى تشكيل البنية الأمنية لأوروبا وفرض إرادتها على جيرانها الأصغر. كما اصطدم الكرملين مع الولايات المتحدة وأوروبا في الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وقد دان قادته مفهوم النظام الدولي القائم على القواعد، واعتبروه اختراعاً غربياً يهدف إلى ترسيخ الهيمنة الأميركية. ومن خلال تقديم نفسها باعتبارها قوة رائدة تدفع نحو نظام عالمي أكثر تعددية قطبية، سعت روسيا إلى زيادة نفوذها العالمي، بعيداً من القيود والقواعد.
لكنها تجد نفسها الآن في موقف غريب، إذ إنها تراقب الولايات المتحدة وهي تتصرف بصورة تشبه طريقتها. وقد يبدو هذا، ظاهرياً، مكسباً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فبدلاً من مواجهة إدارة في واشنطن تعارض استيلاءه على الأراضي وتتنازع معه داخل المحافل متعددة الأطراف، أصبح لديه رئيس أميركي ينسجم ويتعاطف معه ويبدو وكأنه يتبنى رؤيته القائمة على منطق "القوة تصنع الحق". إذ شن دونالد ترمب هجوماً لاذعاً على المؤسسات الدولية بلغة تذكر بالخطابات الروسية الحادة، فسحب الولايات المتحدة من عشرات وكالات الأمم المتحدة وقطع عنها التمويل، بينما أنشأ هيئة منافسة لتسوية النزاعات، هي "مجلس السلام". كما أكد حقه في إكراه الدول الأصغر، بل وحتى مهاجمتها، على غرار أساليب الترهيب التي تنتهجها روسيا.
لكن على المدى البعيد، قد يكون هذا التحول في الأحداث خسارة لروسيا. فاستراتيجية بوتين لم تنجح إلا في ظل امتناع الولايات المتحدة عن تقليدها، أي ما دام موسكو حررت نفسها من القواعد وأصرت على بقاء واشنطن مقيدة بها. وفي الحقيقة، حتى بينما كانت روسيا تندد بالمؤسسات الدولية التقليدية، فإنها اعتمدت عليها كوسيلة لكسب النفوذ، مستخدمة حق النقض في مجلس الأمن لممارسة تأثيرها. أما تحركات ترمب، فإنها تهدد الآن بتقويض هذا النفوذ. وفي خضم انشغال بوتين بحرب أوكرانيا، اضطر إلى الوقوف مكتوف الأيدي بينما استخدم ترمب القوة العسكرية الأميركية بحماسة لخنق شريكين رئيسين لروسيا، هما إيران وفنزويلا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويجني الكرملين بعض الفوائد من نهج ترمب العنيف تجاه الخصوم. فالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أتاحت لروسيا جني مليارات الدولارات من عائدات النفط الإضافية. وقد تأمل روسيا أن يتورط ترمب في سلسلة من الكوارث السياسية الخارجية، مما يضعف في نهاية المطاف مكانة الولايات المتحدة العالمية ويساعد روسيا على الصمود أمام الغرب في أوكرانيا. لكن من غير المؤكد على الإطلاق أن بوتين قادر على الاستفادة باستمرار من نزعة ترمب العدوانية والمتقلبة، ومن الخطأ الاعتقاد أنه إذا بدأت الولايات المتحدة بالتصرف على غرار روسيا، فإن ذلك سيعود بالفائدة تلقائياً على الكرملين. فالنتيجة الأكثر ترجيحاً هي أن ترى روسيا قدرتها على بسط نفوذها العالمي، التي أضعفتها بالفعل حربها ضد أوكرانيا، تتآكل أكثر على يد الولايات المتحدة.
الاستفادة من الأمرين معاً
كثيراً ما اتخذت مقاومة روسيا للهيمنة الأميركية شكل خلافات مع الولايات المتحدة وحلفائها حول المعاهدات والمؤسسات الدولية. وقد عبر بوتين عن إحباطه بوضوح في خطاب ألقاه في ميونيخ عام 2007، حين اشتكى من "ازدراء" الولايات المتحدة للقانون الدولي ومن تحويل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى "أداة مبتذلة مصممة لخدمة المصالح السياسية الخارجية لدولة واحدة أو مجموعة من الدول". وبعدما ردت إدارة أوباما وحلفاؤها على ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 بفرض العقوبات وتقليص التعاون مع روسيا، ازدادت حدة الصدامات بين الدبلوماسيين الروس ونظرائهم الغربيين في الهيئات متعددة الأطراف. ففي اجتماعات منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، على سبيل المثال، اختلفت روسيا مع الولايات المتحدة وحلفائها في شأن جهود سوريا، الحليف الروسي، للاحتفاظ بالأسلحة الكيماوية واستخدامها. وقد سمحت هذه الخلافات لموسكو ببناء رواية مفادها أن الدول الغربية تستخدم المؤسسات متعددة الأطراف كمجرد غطاء لدفع أجندة معادية لروسيا. ونجحت موسكو في تجميع حشد صغير من المؤيدين من بين الدول غير الراضية عن الهيمنة الغربية. كذلك وضعت العراقيل داخل آليات هذه المؤسسات التقليدية، مما أعاق قدرتها على تنفيذ مهامها.
وفي الوقت نفسه أوضحت روسيا أنها ستسلك طريقها الخاص متى شاءت، متعاونة مع الدول ذات التوجهات المماثلة بدلاً من الاعتماد على، ما وصفه بازدراء فيودور لوكيانوف، المتخصص البارز في السياسة الخارجية والمقرب من الكرملين، بأنها "هياكل عالمية تصدر قواعد". وأعلنت وثيقة "مفهوم السياسة الخارجية الروسية" لعام 2016 (وهي وثيقة تحدد رؤية البلاد للعالم ومصالحها وأهدافها) عن نية موسكو التوجه أكثر نحو "الدبلوماسية الشبكية"، التي عرفتها بأنها "نهج مرن للمشاركة في الآليات متعددة الأطراف"، أي العمل بصورة انتقائية مع الدول عندما يخدم ذلك مصالحها. وابتداءً من عام 2017، بدأت روسيا تطبيق هذه النظرية عملياً، فانضمت إلى إيران وتركيا في "مسار أستانا" للتفاوض والإشراف على ما يسمى مناطق خفض التصعيد في النزاع المسلح في سوريا، وسرعان ما بدأت كفة "مسار أستانا" ترجح تدريجاً على "مسار جنيف" الأكثر شمولاً بقيادة الأمم المتحدة في البحث عن تسوية سياسية. وبعد غزوها الشامل لأوكرانيا، نقلت روسيا ترويجها للصيغ الجديدة إلى مستوى آخر. فمع تراجع الدبلوماسية الأميركية والأوروبية مع روسيا، تحمس الكرملين لتوسيع تحالف "بريكس"، مؤيداً مبادرة الصين لإضافة أعضاء جدد، ثم تولى عام 2024، بصفته رئيساً للتحالف، الإشراف على مئات الفعاليات من أجل دمج الوافدين الجدد.
لكن في الوقت نفسه حرص الكرملين على حماية حق النقض الذي يمتلكه في مجلس الأمن الدولي. وبعد غزو أوكرانيا، كانت روسيا في البداية حذرة من شل عمل المجلس، فتعاونت مع الأعضاء الغربيين في قضايا مثل فرض نظام عقوبات جديد على عصابات هايتي وإيصال المساعدات إلى أفغانستان. لكن مع تحول حرب أوكرانيا إلى معركة استنزاف طويلة، بدأت روسيا تستخدم حق النقض لخدمة الحكومات أو الفصائل الحليفة لها في مالي وكوريا الشمالية وسوريا. وقد أسهمت روسيا في ترسيخ حال الشلل داخل الأمم المتحدة، مع استمرارها في التعامل مع المنظمة كأداة أساسية لإبراز نفوذها. وامتدت رغبة موسكو في التعطيل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة: ففي سبتمبر (أيلول) 2024، بذل الدبلوماسيون الروس جهوداً فجة وعلنية لمنع اعتماد "ميثاق المستقبل" الذي حظي بتأييد واسع. وعلى رغم فشل روسيا، فإن تدخلها زاد من تعقيد عملية التفاوض الشاقة أصلاً، حتى وفق معايير الأمم المتحدة.
وعلى مدى الأعوام القليلة الماضية، واصلت روسيا استخدام مؤسسات متعددة الأطراف تقليدية أخرى لبسط نفوذها أيضاً. ففيما يتعلق بمنتديات التفاوض النووي وهيئات الحوكمة مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة (المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي)، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، اتبعت روسيا استراتيجية مزدوجة: فقد وضعت عراقيل إجرائية وزرعت الشكوك حول حيادية هذه الهيئات، وفي الوقت نفسه أجرت اتصالات وتحركات دبلوماسية، مثل التواصل مع مجموعة الـ77، وهي ائتلاف للدول النامية في الأمم المتحدة، لحشد الدول دعماً لأجندتها المناهضة للغرب.
الانضمام من أجل الهيمنة
في البداية، بدا أن عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025 كانت مدعاة للاحتفال في موسكو. ففي فبراير (شباط) من ذلك العام، خرجت واشنطن عن ممارساتها السابقة وانحازت إلى جانب موسكو في استخدام حق النقض ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي دان الحرب الروسية على أوكرانيا. كما أن تشكيك ترمب في حلف الناتو، وتفكيكه الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهجومه على السياسات التي تحمي حقوق المثليين، كلها بدت وكأنها تبشر بسياسة خارجية أميركية جديدة مناهضة للعولمة، ومعادية للتدخلات الخارجية، ورافضة لليبرالية، وهو ما ينسجم كثيراً مع الرؤية الروسية.
لكن ترمب بدأ أيضاً يتخذ خطوات عملية لإضعاف قوة الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف التقليدية، وهو النظام ذاته الذي اعتمدت عليه روسيا كأداة مواجهة. ففي أوائل فبراير 2025، أمر وزارة الخارجية بإعادة النظر في جميع أشكال عضوية الولايات المتحدة في المنظمات الدولية وتمويلها لها. وفي صيف ذلك العام، سحب ترمب الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو). وفي يناير 2026، أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستنسحب من 66 هيئة دولية، من بينها 31 وكالة تابعة للأمم المتحدة. وخلال فترة رئاسته، تأخرت الولايات المتحدة في سداد مستحقات عضويتها السنوية في الأمم المتحدة، وهددت بحجب مزيد من التمويل، مما فاقم الأزمة المالية التي تعانيها المنظمة.
كذلك سعى ترمب إلى تطبيق نسخته الخاصة من الدبلوماسية الشبكية من خلال إنشاء "مجلس السلام". وعندما دعا بوتين للانضمام إلى المجلس، رأى كثير من متخصصي السياسة الخارجية الأميركية في ذلك مؤشراً إلى إعادة تأهيل روسيا دولياً. لكن إنشاء المجلس وضع روسيا في موقف محرج للغاية عندما اتضح أن ترمب يريد منه القيام بأكثر من مجرد تنفيذ خطته للسلام في غزة. وقد أوضح ترمب أنه صاحب السلطة العليا في المجلس، وأن روسيا لن تحظى فيه بالامتيازات التي تتمتع بها في مجلس الأمن الدولي.
وفي محاولة للتودد إلى ترمب المعروف بتأثره بالإطراء، عرض بوتين دعم موازنة المجلس بمليار دولار تقتطع من الأصول الروسية المجمدة حالياً في الولايات المتحدة. لكن روسيا تغيبت عن الاجتماع الافتتاحي للمجلس، وقالت وزارة خارجيتها لاحقاً إنها ما زالت "تقيم آليات عمل" المجلس، وهي لغة دبلوماسية تعني أن "روسيا لن تنضم". ولم يكن بوتين يدرك أن استراتيجيته لممارسة النفوذ العالمي كانت تتطلب وجود أمم متحدة فاعلة تتمتع فيها روسيا بنفوذ مساوٍ لنفوذ الولايات المتحدة، فالعضوية في "مجلس السلام" تعد تخفيضاً لمكانة موسكو.
تجرع كأس المرارة
إن سياسة ترمب الخارجية القائمة صراحة على منطق "القوة تصنع الحق" قد قلبت تطلعات موسكو رأساً على عقب. فعلى مدى عقود، استندت نزعة روسيا التعديلية إلى تنامي قوتها العسكرية. وقد أسهمت المكاسب المالية الهائلة التي حققتها أسعار النفط المرتفعة في العقد الأول من القرن الـ21 في تسريع تحديث الجيش الروسي، ومنحت موسكو القدرة على اتباع سياسة خارجية أكثر جرأة. فقد استولت روسيا على نحو 20 في المئة من أراضي جورجيا عام 2008، ثم ضمت شبه جزيرة القرم عام 2014. وبعد عام، تدخلت في الحرب الأهلية السورية لدعم بشار الأسد، مطلقة بذلك أول عملية عسكرية واسعة النطاق لها خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ نهاية الحرب الباردة.
وبحلول عام 2022، كان بوتين قد استأثر لنفسه نفوذاً كان حكراً على الولايات المتحدة قبل بضعة عقود. فإذا كان بإمكان الولايات المتحدة استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافها، فبإمكان روسيا فعل الشيء نفسه. وقد جسد قرار بوتين شن غزو شامل لأوكرانيا إيمانه بأن قوة روسيا وحدها هي التي ستصنع الحق من الآن فصاعداً، أو كما قال، بعد أيام من اندلاع الحرب، أحد أبرز الباحثين الروس في العلاقات الدولية: "القوى العظمى تتصرف كقوى عظمى".
ومع ذلك، دفع ترمب هذا المبدأ إلى أقصى الحدود. فعلى رغم أن حملته الانتخابية ركزت على مناهضة الحروب، فإنه أمر عام 2025 باستخدام القوة ضد سبع دول، وهو عدد غير مسبوق بين رؤساء الولايات المتحدة في العصر الحديث. وأطلق العنان للجيش الأميركي ضد حلفاء روسيا المقربين. وقد أثارت هذه الاستعراضات للقوة الأميركية قلق موسكو، إذ تفاعل المدونون الروس الموالون للحكم بحسد مع الضربات الأميركية التي شنت في يونيو (حزيران) الماضي على إيران، ومع الإطاحة الخاطفة بزعيم فنزويلا في وقت سابق من هذا العام. فقد تناقضت سرعة هذه التدخلات ونجاحها الظاهر تناقضاً صارخاً مع ما يسمى العملية العسكرية الخاصة الروسية، التي كان يفترض أن تكون خاطفة بالمثل، لكنها باتت الآن عالقة في عامها الخامس. وحقيقة أن العمليات التي تقودها الولايات المتحدة أو تدعمها باتت تستهدف رؤساء دول، مما أسفر عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي، أثارت قلق بوتين بصورة خاصة، وجعلته أكثر خوفاً على ما يبدو من هجمات الطائرات المسيرة، بل وحتى من محاولات الاغتيال، في الأشهر الأخيرة.
وسلطت مغامرات ترمب الضوء على تراجع قدرة روسيا على إبراز نفوذها العسكري خارج أوكرانيا. ففي يونيو الماضي، التزمت روسيا دور المتفرج عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران. وعلى رغم أنها قدمت لطهران بعض الدعم في شكل بيانات استهداف وتوجيهات عملياتية، فإن موسكو امتنعت عن التدخل المباشر للدفاع عن إيران في الحرب الدائرة. فقد كان رفض روسيا المخاطرة بالتورط نيابة عن شركائها قراراً سياسياً محسوباً، وليس مجرد نتيجة لمحدودية الموارد. ومع ذلك، ترى موسكو أن ترمب يعمل على تشكيل عالم "يهزم فيه الضعفاء"، وصرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقابلة أجريت معه في مارس (آذار). ولضمان ألا تتمكن الولايات المتحدة من هزيمة روسيا، لمح متخصصون ومسؤولون روس إلى أنه يجب عليها ألا تترك مجالاً للشك في قوة الأسلحة النووية الروسية.
احذر مما تتمناه
لأعوام، سخرت روسيا من القواعد والأعراف والمؤسسات الدولية. لكن بقدر ما تملصت روسيا وقاومت نظاماً عالمياً اعتبرته منحازاً ضدها، فقد منحها هذا النظام أيضاً القوة والقدرة على التنبؤ. أما الآن، فإن رغبة ترمب في تجاوز الأمم المتحدة والانتظام في دبلوماسية غير تقليدية تهدد بإضعاف حق النقض الروسي. كذلك فإن افتتان ترمب باستخدام القوة العسكرية الأميركية يجعل روسيا تبدو وكأنها لاعب من الدرجة الثانية. وهذا ليس العالم الذي أراده بوتين. لقد كان يأمل في أن يرى روسيا غير مقيدة، لا الولايات المتحدة. وأراد أن تستشار روسيا في القضايا ذات الأهمية العالمية، لا أن يتم تجاهلها. ومع ذلك، لم يكلف ترمب نفسه حتى عناء قبول عرض بوتين، الذي قدم في سبتمبر (أيلول) الماضي، بأن يتعهد البلدان بالالتزام بالحدود المفروضة على الرؤوس الحربية النووية بعد انتهاء معاهدة "نيو ستارت"، وهي آخر معاهدة متبقية للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا. وقد اشتكى لافروف في مارس الماضي قائلاً إن ترمب يعيد الجميع "إلى عالم لم يكن فيه شيء موجوداً، لا قانون دولي، ولا معاهدة فرساي، ولا نظام اتفاقات يالطا".
أما أمل روسيا الآن، فهو أن يكون ترمب قد تورط في ما يفوق قدرته على التحمل. فبعد مرور تسعة أسابيع على حملته ضد إيران، يجد الرئيس الأميركي صعوبة في إنهاء ما وصفه خطابياً بأنه "حرب مصغرة" أو "نزهة قصيرة"، وروسيا تستفيد من ذلك. فقد أدى إغلاق إيران مضيق هرمز إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، مما دفع الولايات المتحدة إلى تخفيف عقوباتها النفطية على روسيا. وسخر المدونون الروس من حرب ترمب باستخدام عبارة "طهران في ثلاثة أيام"، في إشارة إلى عبارة "كييف في ثلاثة أيام"، وهي العبارة الساخرة التي أصبحت توصيفاً لغطرسة الكرملين عندما أعتقد أنه قادر على هزيمة أوكرانيا بسرعة. وكلما طال أمد مغامرة ترمب في الشرق الأوسط من دون الوصول إلى نهاية واضحة، زادت أرباح روسيا المحتملة، سواء من خلال ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة التي تصدرها، أو تحويل ذخائر الدفاع الجوي الأميركية الحيوية من أوكرانيا إلى الخليج، أو كشف العجز الأميركي.
لكن الحقيقة تبقى أن عالم ترمب قد لا يكون بيئة مواتية لروسيا. فقد يتجه ترمب نحو كوبا، أحد أقرب شركاء روسيا في نصف الكرة الغربي، في خطوة لاحقة، مقوضاً بذلك نفوذ دائرة أصدقاء موسكو. والأهم من ذلك، أن ترمب لا يبدو في مزاج يسمح له بالتعامل مع روسيا كقوة عظمى تضاهي الولايات المتحدة، أي التشاور مع بوتين في شأن إيران وغيرها من الملفات الجيوسياسية، أو الاعتماد على الأمم المتحدة، حيث تعد موسكو نظيراً لواشنطن، باعتبارها الهيئة الرئيسة لصنع السلام في العالم، أو منح روسيا مجال نفوذها الخاص. بل على النقيض من ذلك، من خلال تفكيك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة، يتولى ترمب تنفيذ المهمة التي سعت إليها روسيا نفسها. وسيتعين على موسكو أن تتعامل مع عالم أكثر فوضوية، عالم لا توجد فيه أطر مستقرة ولا قواعد موثوقة تحكم اللعبة الدولية.
هانا نوتي هي مديرة "برنامج أوراسيا لمنع الانتشار النووي" في مركز جايمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي. وهي مؤلفة كتاب "سنصمد أكثر منهم: حملة بوتين العالمية لهزيمة الغرب".
مترجم عن "فورين أفيرز"، 7 مايو (أيار) 2026