Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تستضيء الجماعات المتطرفة بنيران الحروب

يحذر باحثون من أن المنطقة قد تخرج من هذه الأزمات بـ "إقليم مختلف" ترسّخت فيه ممارسات استهداف الدول الآمنة بعدما يتنامى نفوذ الجماعات المتطرفة وسط غياب الاستقرار الحالي

تشكّل الحروب وقوداً لنشاط جماعات العنف العابرة الحدود (رويترز)

ملخص

الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل قد تتحول أحياناً إلى بيئة شاملة لإعادة إنتاج التطرف، نفسياً واجتماعياً وإعلامياً. وهذا ما يفسر امتداد آثار الحروب خارج ساحاتها الأصلية، حتى في مناطق لم تكن جزءاً مباشراً من الصراع، كما حدث في أفغانستان والشيشان وغيرهما.

بينما تتسع رقعة الحروب من أوكرانيا إلى غزة ولبنان والساحل الأفريقي، بالتوازي مع التصعيد الأميركي - الإسرائيلي - الإيراني، تتشكّل في الظل خريطة موازية أقل ظهوراً وأكثر خطورة، عنوانها عودة الجماعات المتطرفة للاستفادة من الفوضى الإقليمية وتراجع أولويات المواجهة الأمنية. هذه الصراعات، بما تفرضه من فراغات أمنية واستقطابات حادة وانشغال دولي بالمواجهات الكبرى، أعادت فتح المجال أمام التنظيمات المتطرفة لإعادة التموضع والتجنيد وتوسيع النفوذ، وسط تحذيرات من أن تكون ارتدادات ما بعد الحرب أكثر خطورة من الحروب نفسها، مع اتساع مساحات الفوضى، وتراجع قدرة بعض الدول على احتواء التهديدات الأمنية المتصاعدة.

وفي موازاة التحوّلات العسكرية التي تشهدها بؤر الصراع، تتزايد المخاوف من أن تؤدي الحروب الممتدة إلى إعادة خلط أولويات الأمن في المنطقة والعالم، بما يمنح الجماعات المتطرفة هامش حركة أوسع. ومع انشغال القوى الدولية والإقليمية بصراعات النفوذ والمواجهات المفتوحة، بدأت التنظيمات المتشددة تستعيد حضورها تدريجياً، مستفيدة من التوترات المتصاعدة، وحالة الاستقطاب، وتراجع التركيز على ملاحقة شبكات العنف العابر الحدود.

هذا ما فعله خلل التوازنات الأمنية

مع اتساع رقعة الحروب وتشابكها، يتفق الباحثون على أن تأثيرها لا يبقى محصوراً في ساحات القتال، بل يمتد ليعيد تنشيط الجماعات المتطرفة في أكثر من منطقة. يقول الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، إن انعكاسات الحروب الكبرى لا تتوقف عند حدود الدول المتصارعة، بل تمتد لـ"تشكّل وقوداً لنشاط جماعات العنف عابرة الحدود". مشيراً إلى أن الحرب في أوكرانيا، المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، "أحدثت خللاً في التوازنات الأمنية داخل أفريقيا"، إذ أدى الصراع المحتدم بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى، إلى تراجع الدعم الدولي الموجه للدول المركزية الأفريقية لمواجهة التنظيمات الإرهابية.

هذا الانشغال العسكري للأقطاب الكبرى، وفق أديب، أفسح المجال لتمدد غير مسبوق للجماعات المتطرفة في القارة السمراء، تجلى في وصول جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي إلى تخوم العاصمة باماكو، واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا. محذراً من احتمال سقوط بقية دول الغرب الأفريقي مثل النيجر وبوركينا فاسو في قبضة هذه التنظيمات، لتتحوّل المنطقة إلى "حاضنة كبرى" للعنف، مدفوعة بالصراع الروسي – الأميركي، وتبدّل ولاءات دول الانقلابات الثلاث التي انحازت لموسكو بعد عقود من الارتباط بالغرب.

 

وعلى صعيد الشرق الأوسط، يربط أديب بين المواجهات العسكرية الراهنة وانتعاش الخلايا النائمة. معتبراً أن التوترات الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية خلقت بيئة فوضوية، إذ تتركز جهود الدول على المواجهات العسكرية المباشرة، ما يقلل من وتيرة ملاحقة الجماعات المتطرفة التي تقتات على غياب الاستقرار. موضحاً أن طهران فعّلت أذرعها في المنطقة، بدءاً من حزب الله والحشد الشعبي وصولاً إلى الحوثيين، معتبراً أن ممارسات هذه الفصائل "تندرج ضمن سلوك إرهابي لا يختلف في جوهره عن نهج التنظيمات الأخرى مثل القاعدة وداعش". وخلص الباحث إلى أن التحدي الأكبر ما بعد هذه الحروب يتمثل في نشاط ملحوظ لتلك الجماعات بمختلف مسمياتها، محذراً من أن المنطقة قد تخرج من هذه الأزمات بـ "إقليم مختلف" ترسّخت فيه ممارسات استهداف الدول الآمنة.

ويختتم أديب بتأكيد أن الفصائل الموالية إيران، ومنها العراقية، لا تتحرك بمعزل عن قرار طهران وأجندتها، مشدداً على ضرورة يقظة الدول العربية تجاه ما ستخلفه هذه الحروب من تنامٍ لنفوذ الجماعات المتطرفة، بمختلف خلفياتها الأيديولوجية، كخطر داهم يهدد استقرار المنطقة في مرحلة ما بعد الصراع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرب لكن بالوكالة

في حين لا يغفل الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، محمد بشاري هو الآخر أن الحروب الراهنة تجاوزت كونها صراعات تقليدية بين الجيوش، لتتحوّل إلى بيئة حاضنة لإعادة تنشيط الجماعات المتطرفة. مستشهداً بالحرب الأوكرانية التي أعادت إحياء منطق الاستقطاب الدولي. ويرى بشاري أن المواجهة الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية شرعت الأبواب أمام ظاهرة "الوكالة المسلحة"، فيما منحت الحرب في غزة ولبنان خطاب "المظلومية المقاتلة" مادة دعائية دسمة استثمرتها الجماعات المتشددة في عمليات التعبئة والاستقطاب.

وكشفت الهجمات الأخيرة في مالي، وفقاً لبشاري، عن تحول استراتيجي لدى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، تمثل في انتقالها من "حرب الأطراف" إلى تهديد مركز الدولة، بالتوازي مع تنسيق لافت بين الجماعات المتطرفة والحركات الانفصالية الأزوادية. معتقداً أن أخطر تجليات هذا السياق يتمثل في تحرك هذه الجماعات ضمن "سوق إقليمية" تتقاطع فيها مشاريع توسعية متباينة.

وفي الحالة اللبنانية، يضع بشاري إصبعه على معضلة انتقال قرار "الحرب والسلم" من يد الدولة إلى حزب مسلح مرتبط بمحور خارجي، في إشارة إلى حزب الله، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الإسرائيلية رغم مسارات التهدئة. أمّا في العراق وسوريا فتستثمر بقايا تنظيم داعش هشاشة الحدود وملف السجون لإعادة بناء شبكاتها بأسلوب مغاير، إذ يرى بشاري أن التنظيم لم يعد يسعى إلى تمثيل نموذج "الدولة"، بل بات يعتمد على "الكمون الاستراتيجي" والخلايا المتفرقة، وسط تحذيرات من عودة خطيرة للتنظيم نتيجة اضطراب ترتيبات الاحتجاز وتراجع الحضور الدولي.

 

ويذهب بشاري إلى أن الإسلام السياسي يلتقي مع التيار "المتطرف" عند نقطة جوهرية تتمثل في "استعداء الدولة الوطنية" كلما تعارضت مع مشروعهما. موضحاً أن الأول يعمل على تقويض الشرعية من الداخل عبر أدوات الهوية والتمكين، بينما يستهدفها الثاني من الخارج بالسلاح والتكفير. مضيفاً أن انضمام اليسار الراديكالي والقوميات الانفصالية إلى هذا المشهد يخلق تحالفاً موضوعياً لا يجمعه برنامج موحد بقدر ما يجمعه هدف تفكيك الدولة المركزية وإضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية.

ولا يكمن الخطر، بحسب بشاري، في جماعة بعينها، بل فيما وصفه بـ"منظومة تآكل" توظف الدين والمظلومية والقومية وحقوق الأقليات وشعارات المقاومة لتبرير هدم الدولة. مشدداً على أن غياب مشروع قومي عربي قائم على السيادة والعدالة والمواطنة والتنمية سيترك فراغاً تملؤه الميليشيات والتنظيمات المسلحة والقوى الخارجية، متسائلاً: "كيف نحمي الدولة الوطنية من التحول من إطار جامع إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟"

إعادة إنتاج التطرف

في بحث بعنوان "أثر الحرب على غزة على الحركات الإرهابية وتأثيرها على التطرف"، تناول الخبير في الجماعات الإسلامية والتطرف وباحث أمن وسياسات الشرق الأوسط سويد العبكل كيف أن الحروب تترك آثاراً عميقة في البنية الاجتماعية، إذ تتحوّل مشاعر اليأس والخوف وتآكل الثقة في المؤسسات إلى بيئة خِصبة تشبه الحاضنة، تستغلها الجماعات المتطرفة في التجنيد والدعاية وبناء سرديات "المظلومية".

وفي سياق بحث آخر له بعنوان "متطرفو الشرق الأوسط وصراعات الآخرين: الآثار والارتدادات الأيديولوجية والعقدية"، رأى أن الجماعات المتطرفة في المنطقة لا تتعامل مع الصراعات العابرة للحدود بوصفها أحداثاً منفصلة أو بعيدة لا شأن لها بها، بل كمساحات مفتوحة للتدريب واكتساب الخبرة وبناء الشبكات، إلى جانب تبادل السلاح والخطاب والتجربة القتالية.

يقول سويد العبكل، لـ"اندبندنت عربية"، "إن الحروب لا تصنع التطرف من العدم، لكنها تفتح الأبواب التي تنتظره، لأنها تنتج فراغاً أمنياً، وانهياراً اجتماعياً، وغضباً متراكماً، وشباباً يبحث عن حماية أو انتقام". ويضيف أن الجماعات المتطرفة "لا تتحرّك فقط عندما تضعف الدول أو تهتز، بل أيضاً عندما تضعف مناعة المجتمعات نفسها".

كما يشير إلى أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل قد تتحول أحياناً إلى بيئة شاملة لإعادة إنتاج التطرف، نفسياً واجتماعياً وإعلامياً. وهذا ما يفسر، بحسبه، امتداد آثار الحروب خارج ساحاتها الأصلية، حتى في مناطق لم تكن جزءاً مباشراً من الصراع، كما حدث في أفغانستان والشيشان وغيرهما.

 

"الحروب الطويلة لا تفتح جبهات عسكرية فقط، بل تفتح أيضاً جبهات أخطر داخل الوعي، وبين الأسر والشباب، وفي الفضاء العام، خصوصاً في ظل العولمة الرقمية والسوشيال ميديا. وإذا تركت هذه الجبهات دون معالجة، فإن الجماعات المتطرفة ستتسلل منها قبل أن تدخل عبر الحدود الجغرافية".

ويضيف: "مواجهة التطرف في زمن الحروب لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى مقاربة أوسع تشمل تحصين العقول، وخطاباً دينياً متزناً، ودعماً نفسياً للمتضررين، وتنمية تعيد بناء الأمل، وإعلاماً لا يسمح باختطاف الألم الإنساني وتحويله إلى وقود للعنف". ويختم بالقول إن الحرب حين تطول لا تنتج الدمار وحده، بل تنتج قابلية جديدة للتطرف، وإن الخطر الحقيقي لا يبدأ عند لحظة حمل السلاح، بل قبل ذلك بكثير، حين يتحوّل الغضب إلى عقيدة، واليأس إلى انتقام، والمأساة الإنسانية إلى مشروع عنف، وهي اللحظة التي تجد فيها الجماعات المتطرفة أفضل بيئاتها للتمدد.

تنشيط سردية التحشيد والتجنيد

بينما يرى الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أحمد بان أن الفوضى الأمنية والسياسية الناتجة عن الحروب تخلق بيئة مواتية جداً لنشاط الجماعات المتطرفة، خصوصاً على مستوى السرديات التي تعيد تفسير الواقع وتوظيفه أيديولوجياً. موضحاً أن هذه الجماعات تعود في مثل هذه السياقات إلى طرح سردية تعتبر ما يحدث "حرباً على الإسلام والمسلمين" أو محاولة لاجتثاث جذوره، ما يفتح المجال أمام خطاب تعبوي يقوم على التجنيد ورفع الرايات واستقطاب الأتباع.

 

وبحسب بان، فإن تفسير الحروب والأزمات لا يبنى عادة على دوافع اقتصادية أو تناقض مصالح بين الدول، بل يُعاد إنتاجه داخل سردية أيديولوجية مغلقة تصنع حالة تعبئة مستمرة، وتحوّل الأحداث إلى أدوات للتحشيد والتجنيد. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يشير إلى أن هذا النمط تكرر تاريخياً في أكثر من سياق، أبرزها العراق عقب الغزو الأميركي، حيث ظهرت مجموعات متطرفة انطلقت من تنظيم القاعدة، قبل أن تتطور لاحقاً إلى تنظيم داعش، في نموذج يكشف، بحسبه، كيف تتحول الفوضى إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف.

وفي كل مرة تتسع فيها الفوضى الأمنية والسياسية في أي منطقة، تتحوّل، وفق هذا التحليل، إلى بؤرة مفتوحة لتجنيد مزيد من الأتباع، وإطلاق سرديات متشددة تهيئ الأرضية لولادة تيارات أكثر عنفاً. ويحذر بان من أن استمرار التدهور في الإقليم في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية، وما قد ينتج عنه من توسع في دوائر عدم الاستقرار، قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة، تتصاعد فيها فرص تمدد هذه الجماعات وإعادة إنتاج خطابها المتشدد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير