Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روسيا حليف غير موثوق

من سوريا إلى فنزويلا، وعود بوتين أكبر من قدراته

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، موسكو، مايو 2025 (رويترز)

ملخص

تظهر تجربة فنزويلا، كما سوريا وإيران، أن روسيا تطرح نفسها حليفاً استراتيجياً لكنها تعجز، بفعل استنزافها في أوكرانيا وحدود قدراتها، عن حماية شركائها أو دعمهم فعلياً، مكتفية بالخطاب والاستعراض، لتغدو حليفاً مكلفاً وغير موثوق في الساحة الدولية.

كتبت وزارة الخارجية الروسية في الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري: "هذا الصباح، نفذت الولايات المتحدة عملاً عدوانياً مسلحاً ضد فنزويلا"، وذلك بعد ورود أنباء عن عملية أميركية استهدفت منشآت عسكرية فنزويلية. وأضاف البيان: "هذا التطور مثير للقلق ويستحق الإدانة". وعندما أكد البيت الأبيض أن قوات أميركية خاصة ألقت القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلتهما إلى نيويورك للمثول أمام القضاء بتهم تتعلق بتهريب المخدرات وجرائم أخرى، شددت الخارجية الروسية على أنها "تحث القيادة الأميركية بقوة على إعادة النظر في موقفها والإفراج عن الرئيس المنتخب شرعياً لدولة ذات سيادة وزوجته".

لكن، بخلاف هذا التصريح، لم تقدم موسكو أي دعم فعلي للنظام الذي سبق أن وصفته بأنه شريك استراتيجي رئيس في أميركا اللاتينية. قبل سبعة أشهر فحسب، في مايو (أيار) 2025، كان مادورو قد التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين لتوقيع معاهدة شراكة استراتيجية وتعاون، نصت على تعزيز الروابط العسكرية بين البلدين وتطوير قدراتهما في مواجهة أي تهديدات خارجية. ومع ذلك، فشل الروس في تحذير مادورو من العملية الأميركية أو حمايته أثناء المداهمة، واكتفوا بالمشاهدة من بعيد.

عجز الكرملين في فنزويلا يكرر نمطاً مألوفاً منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا قبل أربعة أعوام. فبينما تنغمس موسكو في حربها الطويلة ضد كييف، لم يعد لديها ما يكفي من الموارد لدعم حلفائها السلطويين. ففي عام 2024، وقفت روسيا مكتوفة الأيدي أمام انهيار نظام بشار الأسد، حليفها القديم في سوريا. وفي الصيف الماضي، ومع الضربات الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، شريكها الاستراتيجي الآخر، اكتفت موسكو بعرض الوساطة بين الأطراف المتنازعة، لكنها عجزت عن تقديم معلومات استخباراتية أو منظومات دفاع جوي كان يمكن أن تغير المعادلة. أما في حال فنزويلا، فقد كان عجزها أكبر مما أظهرته في دمشق وطهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالنسبة إلى بوتين، شكل سقوط مادورو ضربة مهينة على نحو خاص. فعلى رغم أن فنزويلا كانت عبئاً مالياً على الخزانة الروسية بسبب القروض غير القابلة للاسترداد ومشاريع النفط الخاسرة، فإنها كانت تمنح موسكو شعوراً بالفخر: إذ يمكنها الادعاء بأنها رسخت موطئ قدم في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة. كثيراً ما روج الكرملين أمام الأنظمة السلطوية من ميانمار إلى نيكاراغوا لفكرة أن روسيا تمثل خياراً قوياً لموازنة الهيمنة الأميركية. لكن إطاحة مادورو لم تفضح زيف هذه الرواية فحسب، بل أكدت أيضاً أن فنزويلا لم تكن يوماً ملكاً لموسكو لتخسره.

نمر من ورق

حافظت روسيا وفنزويلا على علاقات ودية طوال ربع قرن. ففي عام 2000، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفنزويلي هوغو تشافيز، وكلاهما كان حديث العهد بالمنصب، للمرة الأولى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. غير أن العلاقة بين كاراكاس وموسكو بقيت، طوال نحو عقد، في إطار براغماتي قائم على المصالح لا على الأيديولوجيا. ومع انطلاق تشافيز في مسار شعبوي مناهض للولايات المتحدة، مدفوعاً بعائدات نفطية ضخمة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بدأ بشراء أسلحة روسية لاستبدال المعدات الأميركية القديمة التي اقتناها أسلافه. أما الكرملين، الذي لم يكن قد تبنى بعد نهجاً أيديولوجياً معادياً للغرب، فاستغل نزعة تشافيز المعادية لواشنطن لفتح سوق جديدة للسلاح.

تعمقت العلاقة بعد حرب روسيا الخاطفة ضد جورجيا في أغسطس (آب) 2008، وبدأت تأخذ منحى أيديولوجياً مع تقاطع العداء للهيمنة الأميركية. سعت موسكو حينها إلى إقناع شركائها حول العالم بالاعتراف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وأوفدت مسؤولين كباراً لهذا الغرض، لكن المساعي باءت بالفشل في البداية، إذ لم يساندها سوى نيكاراغوا بقيادة دانييل أورتيغا. وفي سبتمبر (أيلول) 2009، وخلال زيارة رسمية إلى موسكو، أعلن تشافيز أن فنزويلا ستعترف أيضاً بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

كان ذلك في جوهره ترتيباً قائماً على المصالح، لكنه مهد لتحول في مقاربة الكرملين تجاه فنزويلا بعيداً من البراغماتية البحتة. فبعد أيام، فتحت روسيا خط ائتمان بقيمة 2.2 مليار دولار لكاراكاس لشراء معدات عسكرية روسية، على رغم أن النظام الفنزويلي كان يملك ما يكفي من عائدات النفط للدفع نقداً. كما أعلنت موسكو عن استثمارات ضخمة في قطاع النفط الفنزويلي عبر اتحاد يضم أكبر خمس شركات نفط روسية، في وقت كان تشافيز قد أمم أصول شركتين أميركيتين هما "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس"، وبات في حاجة ماسة إلى شركاء جدد لتطوير مشاريع معقدة.

وأشارت موسكو أيضاً إلى استعدادها للاستثمار في مشاريع صناعية وبنى تحتية واجتماعية في فنزويلا، بما يعزز شعبية تشافيز ويكرس قبضته على السلطة التي ازدادت استبداداً مع مرور الوقت. وعلى رغم أن العداء لواشنطن أصبح دافعاً أكثر وضوحاً وراء الشراكة، فإن موسكو كانت لا تزال تتحرك وفق مصالحها العقلانية، فبعد تراجع قصير أعقب أزمة 2008 المالية، عادت أسعار النفط إلى الارتفاع، وبدا أن الاستثمارات والقروض الروسية قابلة للاسترداد.

الكرملين عاجز عن مساعدة شركائه في معالجة نقاط ضعف أنظمتهم

لكن مع وفاة تشافيز بالسرطان عام 2013، بدأت ركائز التعاون البراغماتي تتفكك. ففي عهد مادورو، ازداد النظام قمعاً، وأرهقت السياسات الاقتصادية الشعبوية، مثل مشاريع الإسكان الرخيص وتأميم الشركات الأجنبية، الاقتصاد الوطني. ثم جاء مارس (آذار) 2014، حين ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وأشعلت حرباً في شرق أوكرانيا، لتدخل في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. وفي العام نفسه، انهارت أسعار النفط، ما قضى على عائدات فنزويلا من الصادرات، وقلص السيولة الحكومية بشدة، وأجبر شركات النفط الروسية على خفض الكلف وتقليص برامجها.

بحلول 2015، تحولت العلاقة بين روسيا وفنزويلا إلى مشروع أيديولوجي بحت تغذيه طموحات بوتين الجيوسياسية. وإذا لم يكن هناك مكسب آخر، فقد أظهرت فنزويلا قدرة الكرملين على استعراض القوة عالمياً، لا سيما في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة. لكن بوتين وقع في الخطأ نفسه الذي ارتكبته القيادة السوفياتية حين أصرت، على رغم الكلف الباهظة، على إبقاء شركائها الأيديولوجيين على قيد الحياة. فقد قدمت شركة "روسنفت" الروسية العملاقة للطاقة مليارات الدولارات كمدفوعات مسبقة لشركة النفط الفنزويلية الحكومية "بيديفيسا" PDVSA، وهي أموال يرجح ألا تسترد أبداً.

وساعدت موسكو أيضاً كاراكاس في الالتفاف على العقوبات الأميركية، واستثمرت في تعزيز قدرة نظام مادورو على الصمود أمام ضغوط واشنطن. ونفذ عسكريون روس تدريبات مشتركة في فنزويلا، وأرسلوا سفناً حربية إلى سواحلها، وحلقت قاذفات "تو-160" القادرة على حمل أسلحة نووية فوق البحر الكاريبي. وفي عامي 2019 و2024، أرسلت موسكو طائرات عسكرية تحمل مرتزقة من شركة "فاغنر" شبه العسكرية إلى كاراكاس، في إشارة إلى دعم مباشر لمادورو خلال احتجاجات أعقبت انتخابات رئاسية مزورة. وقدمت موسكو دعماً استخباراتياً ومنظومات دفاع جوي وأسلحة أخرى كلما واجه النظام أزمات، بما في ذلك أثناء الحشد العسكري الأميركي الأخير في الكاريبي.

ومع ذلك، ظل عمق التزام روسيا تجاه فنزويلا موضع شك. ففي عام 2019، على سبيل المثال، لمحت القيادة الروسية ببرود إلى واشنطن بأنها مستعدة للتخلي عن فنزويلا إذا انسحبت الولايات المتحدة من أوكرانيا، وفق شهادة أمام الكونغرس قدمتها فيونا هيل، التي شغلت منصب كبيرة مديري مجلس الأمن القومي لشؤون روسيا وأوروبا خلال إدارة ترمب الأولى. لكن عندما حانت لحظة الحقيقة، لم تكن واشنطن في حاجة إلى مساعدة موسكو. والأسوأ أن كل الأدوات التي استخدمتها روسيا أثبتت عجزها عن حماية حليفها الرئيس في أميركا اللاتينية. فلم تتمكن من توفير معلومات استخباراتية دقيقة وفي الوقت المناسب لتحذير مادورو من العمليات الأميركية المقبلة، كذلك فإن منظومات "أس-300" و"بوك-أم2" التي زودته بها موسكو لم تكن مصانة جيداً أو مدمجة في شبكة دفاع جوي متكاملة، وهو أمر يفترض أن الجيش الروسي يوفره لشريك استراتيجي ومشترٍ للسلاح الروسي.

ملف لم يغلق بعد

على مدى العقدين الماضيين، أظهرت موسكو قدرة على التسلل إلى مناطق تتسم بمشاعر قوية مناهضة للولايات المتحدة. لكن مغامرات الكرملين المكلفة لم تثبت حتى الآن أي جدوى عملية في تعزيز المصالح الأمنية الحقيقية لروسيا أو في دفع ازدهارها الاقتصادي. فالتورط في أماكن مثل فنزويلا لا يخدم سوى نزعة بوتين إلى الاستعراض، وحصد بعض الأصوات المتضامنة مع موسكو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافة إلى فتح فرص للإثراء غير المشروع أمام مسؤولين روس فاسدين.

علاوة على ذلك، فإن النهج الانتهازي للكرملين لا يترجم إلى قدرة مستدامة على صياغة النتائج. قد يتمكن من دعم أنظمة سلطوية أو، في أسوأ الأحوال، تأمين منفى مرفه لزعمائها، لكنه عاجز عن مساعدة شركائه في معالجة نقاط ضعف أنظمتهم عبر بناء القدرات. ففي سوريا، مثلاً، قدمت روسيا لدمشق قوتها الجوية وأدوات عسكرية أخرى، لكنها لم تستطع إصلاح ما أسهم في سقوط نظام الأسد من وحشية مفرطة، وسوء إدارة، وفساد، وفشل اقتصادي. وفي فنزويلا، عجزت موسكو عن تزويد نظام مادورو بمعلومات استخباراتية في الوقت المناسب، أو تدريب كافٍ، أو معدات تعمل بكفاءة. ويبرز هذا الفشل في تناقض صارخ مع نجاح الولايات المتحدة في مساعدة أوكرانيا على إحباط خطة بوتين لتغيير النظام في كييف.

خلال الأعوام الأربعة الماضية، تآكلت قدرة موسكو على التأثير في الأحداث العالمية أكثر فأكثر، بعدما استنزفت مواردها في "المستنقع" الأوكراني. هذه الحرب جعلت نظام بوتين أكثر صلابة داخلياً، إذ قضت السلطات على أي صورة من صور المعارضة تقريباً، لكنها في الوقت نفسه حولت كل المعدات العسكرية والأفراد والأموال والاهتمام بعيداً من دعم أمثال مادورو.

قد تظل موسكو قادرة على ممارسة نفوذ في ساحات لا تمثل أهمية استراتيجية لواشنطن، مثل جمهورية أفريقيا الوسطى أو طاجيكستان. لكن الأحداث الجارية في فنزويلا تظهر بوضوح أن روسيا غير مستعدة لتحدي الولايات المتحدة عندما تكون الأخيرة عازمة على المواجهة في مسارح بعيدة. بالنسبة إلى صانعي القرار الأميركيين، يجب أن تكون الرسالة واضحة: الكرملين ليس عملاقاً ينبغي التصدي له في كل زاوية من العالم.

ومع ذلك، يتعين على واشنطن أن تبقى يقظة. فقد أثبتت موسكو قدرتها على البقاء في حالات تتعثر فيها التدخلات الغربية وتخلف فراغات جديدة يمكن استغلالها. فبعد عام من إطاحة الأسد، يعيش الديكتاتور السابق في موسكو، أما الزعيم الجديد لسوريا، أحمد الشرع، فقد زار بوتين في الكرملين، ولا يزال الجيش الروسي يحتفظ بوجود في البلاد، ينطلق منه لاستعراض القوة في شرق المتوسط وأفريقيا. وبالمثل، لم تتخل روسيا عن فنزويلا، فما زال عسكريوها ومعداتها هناك. وسيظل الكرملين مترقباً فرصة لاستثمار هذا الوجود، خصوصاً إذا أدت إطاحة مادورو إلى إعادة تجميع نظامه أو إلى مزيد من الفوضى على الأرض. وإذا استمر تدهور الأوضاع في فنزويلا، فلن تتردد موسكو في زعزعة الاستقرار الإقليمي، ثم الإشارة إلى فنزويلا باعتبارها مثالاً جديداً على "تجاوزات" أميركية فاشلة، بعد أفغانستان والعراق وليبيا. في نهاية المطاف، ستعوض روسيا ضعفها كشريك بالعودة إلى قوتها التقليدية: دور المخرب.

 

ألكسندر غابوييف يشغل منصب مدير مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين.

سيرغي فاكولينكو زميل بارز في مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا في برلين.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 15 يناير (كانون الثاني) 2026

اقرأ المزيد

المزيد من آراء