ملخص
في ظل عجز كثير من الدول الأفريقية عن بسط سيطرتها على أراضيها كافة، يطرح تنظيم "داعش"، شأنه شأن جماعات مسلحة أخرى، نفسه بديلاً عن الدولة مما منحه مزيداً من النفوذ. وشهدت كثير من الدول الأفريقية على غرار مالي والنيجر وبوركينا فاسو، انقلابات عسكرية انبثقت عنها سلطات جديدة تخلت عن الدعم الغربي، واستعانت في المقابل بقوات روسية مما تسبب في فراغ استخباري يحاول "داعش" وغيره من التنظيمات استغلاله.
سلط إعلان الولايات المتحدة الأميركية تصفية نائب قائد تنظيم "داعش" أبو بلال المينوكي في عملية مشتركة مع الجيش النيجيري، الضوء على حجم التحولات داخل التنظيم الذي بات يملك ثقلاً وازناً في القارة السمراء التي تئن تحت وطأة أزمات أمنية غير مسبوقة. وأدت موجة من الانقلابات العسكرية والأزمات السياسية والأمنية في مناطق مثل وسط وغرب وشرق أفريقيا إلى نجاح التنظيم، الذي فقد مراكز نفوذه التقليدية في سوريا والعراق وغيرهما، في ترسيخ حضور غير مألوف.
وفي خضم الفوضى السائدة، باتت قيادات "داعش" في مأمن في الدول الأفريقية حيث ظلت الولايات المتحدة وقوى إقليمية تطارد المينوكي الذي يُلقب بالرجل الشبح بالنظر لقدرته على التخفي على سبيل المثال أعواماً طويلة.
بديل لمركز "الخلافة"
وفي ظل عجز كثير من الدول الأفريقية عن بسط سيطرتها على أراضيها كافة، يطرح تنظيم "داعش"، شأنه شأن جماعات مسلحة أخرى، نفسه بديلاً عن الدولة مما منحه مزيداً من النفوذ. وشهدت كثير من الدول الأفريقية على غرار مالي والنيجر وبوركينا فاسو، انقلابات عسكرية انبثقت عنها سلطات جديدة تخلت عن الدعم الغربي، واستعانت في المقابل بقوات روسية مما تسبب في فراغ استخباري يحاول "داعش" وغيره من التنظيمات استغلاله.
وعد الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية حسام الحداد أن هناك، بالفعل، "احتمال متزايد لإنشاء مركز ثقل قيادي رئيس في أفريقيا، حتى وإن ظلت القيادة العليا (الخليفة) تحتفظ برمزية المشرق العربي (العراق وسوريا)"، وفسر الحداد ضمن أن "التنظيم يعتمد اليوم لا مركزية مرنة، ومع تآكل الملاذات الآمنة في الشرق الأوسط وتحول الفروع الأفريقية إلى الأكثر نشاطاً وفتكاً وتمويلاً، باتت القارة السمراء تمثل العمق الاستراتيجي البديل لمركز الخلافة المزعومة، ولم يعُد مستبعداً أن تدير فروع مثل غرب أفريقيا أو الساحل العمليات العالمية"، وبين أنه "مع ذلك، فإن هذا الانتقال قد لا يأخذ شكل إعلان رسمي بنقل العاصمة، بل يظهر على شكل انتقال نفوذ وصناعة قرار. تصفية قيادات تاريخية من الصف الأول في الشرق الأوسط واستهداف المينوكي يعكسان أن الكوادر الأفريقية لم تعد مجرد أطراف تابعة تنفذ الأوامر، بل أصبحت شريكاً أساسياً في التخطيط، وربما تكون القارة هي المكان الأكثر أماناً لإيواء القيادات العليا الهاربة وإدارة شبكات التمويل العالمي للتنظيم".
تمويل مستقل
نجاح "داعش" في نقل ثقله العسكري إلى أفريقيا بات يثير تساؤلات جدية بشأن الأسباب الكامنة خلف ذلك على رغم أن كثراً يرون أن هناك بيئة خصبة مهدت لذلك على غرار الفوضى الأمنية التي تعرفها دول القارة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال الباحث السياسي النيجري محمد أوال، "لا يمكن اختزال أسباب نجاح داعش في الفوضى الأمنية فقط، إذ تمكنت خلاياه من توفير تمويل مستقل من خلال فرض الإتاوات وتهريب الأسلحة والذهب وغيرها من الأنشطة غير القانونية مما أتاح لفروعه موارد مالية ضخمة"، وتابع أوال في تصريح خاص، "إلى جانب ذلك، يدرك التنظيم حاجة الشباب العاطل عن العمل إلى تمويلات، فيقوم بإغرائهم من أجل تعبئة عناصر جديدة، ويحاول في الوقت ذاته، إذكاء النزاعات القبلية على الموارد لتجنيد آلاف المقاتلين لدوافع اقتصادية وقبلية أيضاً مما يجعله يتجاوز البعد الأيديولوجي في تعبئة عناصر جديدة"، وحذر من أن "هذه التطورات تنطوي على أخطار غير مسبوقة تهدد مستقبل القارة لا سيما أن عديداً من المناطق تشهد تنافساً دموياً بين تنظيمي داعش والقاعدة على قيادة ما يُعرف بالجهاد العالمي".
فراغ استراتيجي مثالي
وعلى رغم إعلان تحييد المينوكي فإنه من غير الواضح تأثير ذلك على نفوذ تنظيم "داعش" في أفريقيا لا سيما أن العوامل التي قادت إلى ترسيخ نفوذه لا تزال قائمة إلى حد كبير.
وقال الحداد، إن "العوامل التي تجعل من أفريقيا بيئة جاذبة لقيادة داعش متعددة في الواقع وأبرزها هشاشة الوضع الأمني والسياسي في مناطق واسعة كمنطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد، فالانقلابات العسكرية المتتالية، وضعف سيطرة الحكومات المركزية على حدودها، فضلاً عن انسحاب القوات الدولية والأوروبية (مثل القوات الفرنسية)، خلقت فراغاً استراتيجياً مثالياً تمدد فيه التنظيم وملأه بسرعة، مستغلاً غياب سلطة الدولة لفرض نفوذه وإقامة معاقل حصينة''، وأكد أنه "علاوة على ذلك، يستغل التنظيم البيئة الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة كوقود للاستمرار، فالإحباط الشبابي، والفقر المدقع، والنزاعات العرقية والمحلية على الموارد كالماء والرعي، تمنح داعش قدرة هائلة على التجنيد وتصوير نفسه مدافعاً عن المظلومين، يُضاف إلى ذلك العوائد المالية الضخمة التي يجنيها التنظيم في أفريقيا من خلال السيطرة على مناجم الذهب غير القانونية، وخطوط التهريب، وفرض الزكاة بالقوة، مما يمنحه استقلالية مالية تفوق فرع المركز''، وتابع أيضاً "أما بخصوص جاهزية القارة الأفريقية لمواجهة هذا التحدي بصراحة وموضوعية، المنظومة الأمنية والعسكرية في القارة لا تبدو جاهزة كفاية لصد هذا الخطر بمفردها حالياً، حيث يعاني معظم الجيوش المحلية في المناطق الساخنة من نقص الحافز، وضعف التدريب والتسليح، والفساد الإداري، فضلاً عن افتقارها لتقنيات الرصد والاستخبارات الحديثة الضرورية لحرب العصابات، كما أن التنسيق الأمني الإقليمي بين الدول الأفريقية يواجه عقبات سياسية وخلافات دبلوماسية تضعف كفاءة العمليات العسكرية المشتركة (مثل القوة المشتركة لدول الساحل)"، وخلُص الحداد إلى أنه "من جهة أخرى، فإن المواجهة الجاهزة لا تقتصر على السلاح فقط، بل تفتقر القارة إلى المقاربات التنموية والفكرية الشاملة لمعالجة جذور التطرف. فما دامت الحلول تقتصر على الحملات العسكرية من دون معالجة أزمات الفقر، والتهميش، وغياب العدالة الاجتماعية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، فإن التنظيم سيظل قادراً على تعويض خسائره البشرية بسهولة؛ مما يجعل القارة في وضع دفاعي مستمر بدلاً من المبادرة واجتثاث الخطر من جذوره".