ملخص
تبدو المعادلة التي تواجه الحكومة المقبلة معقدة للغاية، فتوسيع قاعدة المشاركة السياسية يعزز الشرعية والاستقرار، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار نتيجة تضارب المصالح وتعدد مراكز التأثير، لا سيما في بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة، قد لا يكون هذا التباطؤ خياراً مريحاً، خصوصاً في ملفات تتطلب قرارات سريعة، مثل الإصلاح الاقتصادي ومعالجة الأزمات الخدمية.
في لحظة سياسية مكثفة، تتقاطع فيها المواعيد الدستورية مع حسابات القوى المتعددة في العراق، تبدو مهمة رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالمشهد السياسي العراقي لم يعد محكوماً بثلاث كتل رئيسة كما في السابق، بل بات موزعاً على أكثر من 20 كياناً سياسياً، لكل منها مطالبه وشروطه، مما يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على اتخاذ القرار والحسم.
هذا "التضخم السياسي" لا ينعكس فقط على مسار تشكيل الحكومة، بل يمتد ليؤثر في أدائها المتوقع، في ظل معادلة صعبة، كلما زاد عدد الشركاء، تراجعت قدرة الحكومة على المناورة السريعة واتخاذ القرارات الحاسمة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول شكل الإدارة المقبلة في بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.
تحركات متسارعة تحت ضغط الوقت
وتشير اللقاءات السياسية الأخيرة إلى تسارع واضح في وتيرة الحوارات، مدفوعة بالضغط الدستوري من جهة، وبالرغبة في تجنب أي انسداد سياسي من جهة أخرى. فقد استقبل رئيس "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي رئيس الجمهورية العراقية نزار آميدي، إذ بحث معه مستجدات الأوضاع السياسية والحوارات الجارية لتشكيل الحكومة، مؤكدين أهمية تسريع التفاهمات بما ينسجم مع الاستحقاقات الدستورية ويلبي تطلعات الشارع.
في السياق ذاته، شدد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني على ضرورة إنجاز الاستحقاقات ضمن التوقيتات المحددة، مع تأكيد تعزيز التعاون بين المؤسسات الدستورية لضمان الاستقرار السياسي.
أما رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، فواصل لقاءاته مع مختلف القوى، من بينها "تحالف العزم"، إذ جرى تأكيد ضرورة تشكيل حكومة "وطنية" قادرة على تلبية طموحات العراقيين، في خطاب يعكس محاولة لطمأنة الأطراف المختلفة من دون استثناء.
وعلى مستوى الحراك السياسي الكردي، حملت زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى بغداد زخماً سياسياً إضافياً، إذ التقى مختلف القوى والتحالفات خلال اليومين الماضيين، وأكد في ختام زيارته دعم الإقليم الكامل لتشكيل الحكومة، مشدداً على قضايا أساسية مثل حصر السلاح بيد الدولة، ومعالجة الوضع الاقتصادي، والنأي بالعراق عن صراعات المنطقة. كما ناقش مع الشركاء ملف تشكيل الحكومة، في مؤشر إلى انخراط جميع الأطراف في سباق التفاهمات.
تلقينا اتصالاً هاتفياً من وزير الحرب الأمريكي السيد بيت هيغسيث، هنَّأنا فيه بمناسبة تكليفنا لتشكيل الحكومة الجديدة.
— علي فالح الزيدي (@AliFalihAlzaidy) May 6, 2026
وجرى بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، في مختلف المجالات، ولاسيما الخاصة بالتعاون الأمني، طبقاً لما تضمنته اتفاقية الإطار الإستراتيجي بين العراق والولايات… pic.twitter.com/6XRtobRdaN
بين التوافق والتعقيد
وعلى رغم هذا الزخم، فإن تعدد الكيانات السياسية يفرض واقعاً تفاوضياً معقداً. فبحسب المحلل السياسي مجاشع محمد، لم يعد رئيس الوزراء المكلف يتعامل كما في السابق مع قيادات المكونات الثلاثة (الشيعة والسنة والكرد) لتوزيع الحصص، بل بات منشغلاً بالحوار مع مجمل القوى السياسية التي يصل عددها إلى 22 كياناً، وهو ما يجعل عملية التفاوض أكثر تشابكاً ويثقل مهمة تشكيل الحكومة المقبلة بصورة غير مسبوقة.
ويضيف محمد أن هذا التحول لا يتعلق فقط بزيادة عدد الأطراف، بل بتداخل مصالحها وتباين أولوياتها، مما يفرض على رئيس الوزراء المكلف إدارة شبكة معقدة من التفاهمات المتقاطعة، بدلاً من اتفاقات كبرى كانت تبرم سابقاً بين رؤوس المكونات الرئيسة.
هذا الواقع لا ينعكس فقط على مرحلة التشكيل، بل يمتد إلى طبيعة عمل الحكومة لاحقاً، إذ قد تتحول كثرة الشركاء إلى عامل ضغط دائم داخل مجلس الوزراء، يبطئ عملية اتخاذ القرار ويجعل الوصول إلى توافقات أمراً أكثر صعوبة.
آلية "النقاط" حل تقني أم تعقيد جديد؟
وفي محاولة لتجاوز الخلافات التقليدية، برزت آلية جديدة لتوزيع الوزارات تعتمد على "النقاط" وفق الوزن الانتخابي. ووفق ما كشف عنه المتحدث باسم "ائتلاف النصر" سلام الزبيدي، فإن الوزارات السيادية قد تصل قيمتها إلى 15 نقطة، بينما توزع بقية الوزارات وفق معايير محددة، بما يحقق "العدالة والاستحقاق".
ولقيت هذه الآلية قبولاً أولياً لدى معظم الأطراف، بما في ذلك القوى الكردية، التي ناقشت حصتها الوزارية خلال زيارة نيجيرفان بارزاني، التي وصفت بأنها أسهمت في تهيئة الأرضية لتشكيل حكومة "متوازنة". غير أن هذا الحل التقني لا يخلو من تحديات، إذ قد يتحول إلى ساحة جديدة للتفاوض المعقد، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول بعض الوزارات السيادية، مثل الخارجية.
مطالب متزايدة وتمثيل أوسع
ولا تقف التحديات عند حدود الكتل الكبرى، إذ تبرز مطالب المكونات الأصغر بصورة متزايدة، كما في مطالبة رئيس إقليم كردستان بتخصيص حقيبة وزارية للمكون المسيحي، في مؤشر على اتساع دائرة المطالب التمثيلية داخل الحكومة المقبلة.
هذا التوسع في التمثيل، على رغم أهميته في تحقيق الشمولية، قد يزيد من صعوبة إدارة التوازنات داخلها.
البرلمان يترقب.. والحسم قريب؟
على الصعيد البرلماني، تبدو المواعيد أكثر وضوحاً، إذ أعلن رئيس مجلس النواب أن البرلمان سيتسلم البرنامج الحكومي قريباً، على أن تعرض "الكابينة الوزارية" للتصويت خلال أيام، مما يعني أن مرحلة التفاوض تقترب من نهايتها الشكلية.
غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن إقرار الحكومة لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة من التحديات داخل مجلس الوزراء نفسه.
تحذيرات من "خطر على النظام"
في موازاة ذلك، تتصاعد التحذيرات من تداعيات هذا التعقيد السياسي، إذ يرى رئيس كتلة "الإعمار والتنمية" بهاء الأعرجي أن النظام السياسي يواجه "خطراً كبيراً"، في ظل تعدد التحديات الاقتصادية والأمنية، وعدم وضوح الرؤية لدى بعض القوى.
في المقابل، يربط نواب آخرون نجاح الحكومة بمدى قبولها شعبياً، وقدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، مع تأكيد أهمية إشراك الكفاءات في صناعة القرار.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي أحمد الربيعي أن اتساع عدد القوى المشاركة لا يمثل فقط عبئاً عند التشكيل، بل يتحول إلى عائق بنيوي داخل مجلس الوزراء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح أن "الوزارات غالباً ما تتحول إلى مراكز نفوذ حزبي، مما يجعل أي قرار استراتيجي بحاجة إلى توافقات متعددة قد تستغرق وقتاً طويلاً"، مشيراً إلى أن "الحكومات التوافقية تعمل أحياناً بمنطق الفيتو غير المعلن، إذ تستطيع أية كتلة تعطيل قرار لا يخدم مصالحها".
ويحذر الربيعي من أن "هذا النمط قد يضعف قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات جوهرية، ويجعل رئيس الوزراء في موقع إدارة التوازنات أكثر من كونه صاحب قرار، مما ينعكس سلباً على ملفات حيوية تتطلب سرعة في الحسم".
في المقابل، يقدم المحلل السياسي علي حسين قراءة مختلفة، إذ يعتبر أن "تعدد الكيانات يعكس تحولاً نحو تمثيل أوسع داخل النظام السياسي، وهو أمر يفرض نفسه في المرحلة الحالية". ويقر بأن "هذا التعدد يبطئ القرار"، لكنه يرى أن "هذا البطء قد يكون ثمناً لتجنب الإقصاء السياسي وتعزيز الاستقرار".
ويشير حسين إلى أن "نجاح الحكومة يعتمد على قدرتها في تنظيم العلاقة بين الشركاء، عبر آليات واضحة لاتخاذ القرار، والانتقال من التوافق على الحصص إلى التوافق على السياسات، بما يقلل من تأثير تضارب المصالح داخل السلطة التنفيذية".
وتبدو المعادلة التي تواجه الحكومة المقبلة معقدة للغاية، فتوسيع قاعدة المشاركة السياسية يعزز الشرعية والاستقرار، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى بطء في اتخاذ القرار نتيجة تضارب المصالح وتعدد مراكز التأثير، لا سيما في بلد يواجه تحديات اقتصادية وأمنية متراكمة، قد لا يكون هذا التباطؤ خياراً مريحاً، خصوصاً في ملفات تتطلب قرارات سريعة، مثل الإصلاح الاقتصادي ومعالجة الأزمات الخدمية.