ملخص
يواجه كير ستارمر أخطر لحظات مسيرته السياسية مع تصاعد التكهنات بإطاحته بعد انتخابات محلية يتوقع أن تكون كارثية لحزب العمال، وبين أزمات داخلية وضغوط اقتصادية وتمرد داخل الحزب، يبدو مستقبل رئيس الوزراء البريطاني معلقاً على نتائج أيام قليلة قد تحدد مصير حكومته وإرثه السياسي.
كم يبدو غريباً وغير مريح أن تكون مكان كير ستارمر الآن، ففي مثل هذا الوقت من الأسبوع المقبل، وبعد ظهور نتائج الانتخابات المحلية التي يتوقع أن تكون كارثية، بات كثيرون يتوقعون أنه سيفقد منصبه، لكن توقيت رحيله وطبيعته قد يشكلان جزءاً أساسياً من إرثه السياسي.
لا نعرف بالضبط كيف أو متى سيغادر ستارمر، لأن الدستور البريطاني غامض إلى حد مفاجئ في مسألة عزل رئيس الوزراء، لكن السوابق السياسية حيث جرى استبدال رئيس الوزراء خمس مرات خلال العقد الماضي وحده، تطرح سيناريوهات متعددة.
قد يتدخل مجلس الوزراء ليعلن أن الوقت قد حان، كما حدث إجمالاً عام 1990 مع مارغريت تاتشر، أو قد يبدأ الجسم الحكومي بالتفكك تحت أقدام ستارمر، كما حدث مع بوريس جونسون: خلال أسبوع مليء بالأزمات انتهى بتنحي جونسون في يوليو (تموز) 2022، استقال أكثر من 60 وزيراً ومساعداً برلمانياً ومبعوثاً، مما دفعه إلى إضافة جملة في خطاب الوداع قال فيها: "حين يتحرك القطيع، فإنه يتحرك دفعة واحدة".
ويمكن لنواب المقاعد الخلفية [الذين لا يشغلون مناصب وزارية] أن يعربوا عن عدم ثقتهم به - "استقل، وإلا" - كما حدث مع تيريزا ماي وليز تراس. وتفيد التقارير بأن عدداً من نواب حزب العمال مستعدون للمطالبة باستقالة ستارمر هذا الأسبوع، على رغم أن وزير الإسكان ستيف ريد حذر اليوم النواب المتململين من أن "تغيير القادة بصورة متواصلة" لن يجدي نفعاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد نرى استقالة أو اثنتين لشخصيات بارزة، لتحفيز المعارضة ضد ستارمر وتوحيد الصفوف خلف زعيم جديد. وقد بدأت بالفعل حملة دعائية تحت شعار "أي شخص سوى أنجي"، لمنع سيطرة الجناح اليساري على حزب العمال [أنجيلا راينر نائبة في البرلمان وقيادية في حزب العمال ذات توجهات يسارية]، فيما أفادت التقارير بأن وزير الصحة ويس ستريتينغ، وهو من أبرز الأصوات اليمينية داخل الحزب، قد حصل على دعم أكثر من 81 نائباً، أي نحو خمس أعضاء حزب العمال في البرلمان، في حال شغور المنصب الأعلى.
قد ينصح الأصدقاء رئيس الوزراء بالتنحي الآن بشرف، حفاظاً على مصلحة الحزب والبلد على حد سواء. وقد تقول فيكتوريا ستارمر لزوجها إنها تعتقد أن المسألة قد حسمت، وعندما سئل ستارمر عن هذا الأمر بصورة غير مباشرة الأسبوع الماضي، أقر بتأثيرها فيه في ما يتعلق بمثل هذه القرارات الجسيمة.
حتى لو كان ستارمر عنيداً كما يظهر، فهو ليس غبياً: إنه يدرك جيداً أن بعض أعضاء مجلس وزرائه الجالسين إلى جانبيه، وشخصين في الأقل من خارج المجلس، يعتقدون أنهم قادرون على أداء المهمة أفضل منه.
في رأيي، من المدهش حقاً أن يتمكن شخص يرزح تحت هذا القدر من الضغوط الشخصية من التركيز على شؤون رئاسة الوزراء اليومية بتصميم يضاهي تصميم ستارمر. ومع ذلك، وعلى رغم كل الضجيج المحيط به، فإنه يواصل مسيرته بثبات. لقد عاد لتوه من قمة أوروبية أخرى، في أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء بريطاني إلى أرمينيا منذ استقلالها، وهو مصمم على تقريب المملكة المتحدة من أوروبا، خطوة خطوة.
إذا تمكن ستارمر، خلال الفترة المتبقية له في المنصب، من وضع بريطانيا على طريق توثيق العلاقات مع أوروبا - وآخر فكرة في هذا الصدد هي أنه مقابل رسوم سنوية تبلغ نحو مليار جنيه استرليني، يمكننا أن نعزز قدرتنا على دخول السوق الموحدة، فإن "إعادة ضبط بريكست" التي يقترحها ستصبح إحدى الركائز الأساسية لإرثه كرئيس للوزراء.
قد يكون الأسبوع الأخير "الآمن" لستارمر في منصبه هو الأغرب حتى الآن.
وقد استضاف قمة في "داونينغ ستريت" لمعالجة تزايد معاداة السامية في بريطانيا، كما أنه منشغل بالإشراف على خطط الطوارئ لمواجهة الأزمة الاقتصادية المرتقبة الناجمة عن حرب دونالد ترمب في إيران، التي من المتوقع أن تتسبب في نقص في الطاقة والأدوية وارتفاع جديد في تكاليف المعيشة. وربما يفكر في إجراء تعديل وزاري بعد ظهور نتائج الانتخابات المحلية غداً الجمعة، وإن كان ذلك ينذر بخطر خلق بعض الخصوم الجدد.
على أية حال، لا أعتقد أن ستارمر على وشك أن يطرد من "داونينغ ستريت"، لكن عدداً كبيراً من الأخطاء التي شهدها عهده حتى الآن يمكن أن يعزى مباشرة إلى سوء تقديره للأمور، لا سيما في ما يتعلق بمسألة التعيينات، وإلى عدم اهتمامه الغريب بما تقوم به حكومته، وخصوصاً وزارة الخزانة.
في الوقت الحالي، لدينا رئيس وزراء شبه متهالك، يفقد قوته السياسية وسلطته، ويتعرض لهجمات متزايدة من داخل حزبه، وغير قادر على استباق الأحداث والتحكم في مصيره، بل إنه سلم للملك تشارلز الموقع الذي انتزعه بشق الأنفس بصفته شخصية قادرة على التأثير في ترمب.
على رغم وجود عدد من المرشحين المحتملين لمنصب رئيس الوزراء، فإن أياً منهم لا يتمتع بالشعبية أو بالصفات اللازمة لخلافة ستارمر. لكن ذلك لن يمنع أياً منهم من المحاولة، كما أنه لن يمنع عدداً من نواب حزب العمال من التآمر للتخلص منه. ومن شأن ذلك أن يترك لأية خليفة له حزباً وحكومة متصدعين، وهو ما لن يحل أي شيء، بل سيؤدي إلى مزيد من الانقسامات.
وإذا نجا ستارمر، بأعجوبة ما، من خسارة حزب العمال لما قد يصل إلى ألفي منصب في المجالس المحلية بإنجلترا، في حين يتوقع أن يحل محله في ويلز إما حزب "بلايد كيمرو" أو حزب "ريفورم"، ويخرج من صفوف المعارضة في اسكتلندا، فإن ذلك سيزيد من صعوبة مهماته فحسب. بعد فترة وجيزة، ستتصاعد مرة أخرى النميمة والتكهنات، وكأنها لعنة "داونينغ ستريت"، حول خليفة ستارمر، تماماً كما حدث عندما خلفت ماي ديفيد كاميرون، قبل أن ينتزع جونسون منصبها، ثم تحل تراس محله، ويضطر ريشي سوناك إلى تولي المنصب بعدها.
أصبحت حالة "الحمى" هي الوضع الطبيعي الجديد في وستمنستر، تغذيها الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، وهي تجعل بريطانيا دولة يتعذر حكمها. فقد أصبح نظامنا السياسي بطبيعته غير مستقر، بغض النظر عن الحزب أو الغالبية في مجلس العموم، فيما تزيد الأحزاب "المتمردة" من حالة عدم اليقين وتضيف التطرف إلى كل ما سبق.
ليس ستارمر سوى أحدث ضحية لهذه الاتجاهات العميقة والمقلقة، ولن يكون الأخير.
© The Independent