ملخص
في ما يتعلق بتوزيع الحصص الوزارية، تظهر المؤشرات الأولية أن عملية تشكيل الحكومة لن تخرج كثيراً عن إطار التوازنات السياسية التقليدية، إذ تتمسك القوى الرئيسة داخل "الإطار التنسيقي" بحقائبها الأساسية، مقابل منح شركاء العملية السياسية تمثيلاً يتناسب مع أوزانهم البرلمانية.
في تحول سياسي لافت، اختار "الإطار التنسيقي" علي فالح كاظم الزيدي مرشحاً لتشكيل الحكومة العراقية، بعد أشهر من التعثر في حسم هذا الملف. وبينما جاء الترشيح بوصفه مخرجاً سياسياً لتجاوز الانسداد، سرعان ما حظي الزيدي بترحيب.
مسار متعدد الأبعاد لأصغر رئيس وزراء
ينتمي علي فالح كاظم الزيدي، المولود عام 1986 في محافظة ذي قار، إلى جيل جديد من الشخصيات التي صعدت من خارج الأطر الحزبية المعروفة، ويُعد أصغر من كلفوا تشكيل الحكومة في تاريخ العراق الحديث، مما يمنح تجربته طابعاً مختلفاً من ناحية العمر والمسار.
يحمل الزيدي خلفية أكاديمية تجمع بين القانون والمالية والمصرفية، إذ حصل على شهادتين في هذين المجالين، فضلاً عن درجة الماجستير في المالية. وهذا التكوين يمنحه قدرة على التعامل مع الملفات المعقدة من زاويتين متكاملتين، قانونية واقتصادية، وهو أمر حاسم في بيئة تتداخل فيها التشريعات مع متطلبات الإصلاح المالي.
كذلك هو عضو في نقابة المحامين العراقيين، مما يعزز حضوره في الإطار القانوني ويمنحه فهماً لقضايا العدالة وسيادة القانون، وهي ملفات ترتبط مباشرة بإدارة الدولة ومؤسساتها في العراق.
من المصارف إلى الاستثمار والتعليم
بدأ الزيدي مسيرته المهنية في القطاع المصرفي، حيث تولى رئاسة مجلس إدارة "مصرف الجنوب" لأعوام عدة، واكتسب خلال هذه المرحلة خبرة في إدارة السياسات الائتمانية والحوكمة المالية والتعامل مع الأخطار، إضافة إلى العمل على تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي.
لاحقاً، انتقل إلى مجال الاستثمار عبر رئاسته لمجلس إدارة "الشركة الوطنية القابضة" التي تدير مجموعة من الشركات متعددة الأنشطة، مما عزز حضوره في القطاع الخاص ومنحه تجربة مباشرة في إدارة المشاريع وتنمية بيئة الأعمال، بما يتقاطع مع التوجهات الحديثة لتنويع الاقتصاد العراقي.
وامتد نشاطه إلى قطاع التعليم، حيث يشغل رئاسة مجلس إدارة "جامعة الشعب" و"معهد عشتار الطبي"، في مسار يعكس اهتماماً واضحاً ببناء الموارد البشرية وربط التعليم بسوق العمل، خصوصاً في المجالات التقنية والطبية.
أيضاً يمتلك حضوراً في المجال الإعلامي من خلال إشرافه وامتلاكه لقناة دجلة الفضائية، مما يمنحه أدوات إضافية في فهم الرأي العام والتأثير في الخطاب العام، كما أنه مستثمر "هايبر ماركت" في جميع مدن العراق وغيرها من الشركات.
رؤية قيادية تقوم على بناء المؤسسات
تعكس السيرة الذاتية للزيدي تركيزاً على مفاهيم بناء الدولة عبر المؤسسات والإصلاح الاقتصادي وتمكين الشباب وتطوير التعليم وتعزيز الشراكات الدولية، ويقدم بوصفه شخصية تميل إلى العمل التنفيذي أكثر من الخطاب السياسي، مع إيمان بأن التنمية ترتبط بقدرة الدولة على بناء منظومات فاعلة لا الاكتفاء بالشعارات.
ترشيح مفاجئ في لحظة حاسمة
جاء اختيار الزيدي بعد سلسلة اجتماعات داخل "الإطار التنسيقي" لم تفضِ إلى اتفاق على شخصية سياسية تقليدية، مما دفع نحو تبني خيار "مرشح التسوية". وهذا النمط من الترشيح يمنح الزيدي فرصة القبول بين أطراف متعددة، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام اختبار صعب يتمثل في الحفاظ على توازن دقيق بين القوى التي دعمته.
حكومة بنمط تقليدي
وفي ما يتعلق بتوزيع الحصص الوزارية، تظهر المؤشرات الأولية أن عملية تشكيل الحكومة لن تخرج كثيراً عن إطار التوازنات السياسية التقليدية، إذ تتمسك القوى الرئيسة داخل "الإطار التنسيقي" بحقائبها الأساسية، مقابل منح شركاء العملية السياسية تمثيلاً يتناسب مع أوزانهم البرلمانية. وتتركز المفاوضات بصورة خاصة على الوزارات السيادية والخدمية ذات التأثير المباشر مثل الداخلية والدفاع والمالية والنفط التي تُعد محور التنافس الأبرز بين الكتل.
وفي المقابل، يطرح خيار إدخال شخصيات تكنوقراط في بعض الوزارات، إلا أن نجاح هذا التوجه يبقى مرهوناً بقدرة رئيس الوزراء المكلف على فرض توازن دقيق بين متطلبات الكفاءة وضغوط الاستحقاق السياسي، في مشهد يعكس استمرار معادلة "تقاسم النفوذ" بوصفها العامل الحاسم في رسم شكل الحكومة المقبلة.
ترحيب دولي يعكس حجم التوقعات
منذ إعلان تكليفه، توالت ردود الفعل الدولية المرحبة، في إشارة إلى اهتمام واضح بسرعة تشكيل الحكومة العراقية واستقرار المشهد السياسي.
وكانت بريطانيا من أوائل الدول التي رحبت، إذ أعرب سفيرها لدى بغداد عن تمنياته للزيدي بالنجاح في تشكيل حكومة جديدة بسرعة، مع التأكيد على استعداد لندن للتعاون في مجالي الأمن والاقتصاد، وهما من أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة الحالية.
وفي السياق ذاته، هنأ السفير الفرنسي في بغداد علي الزيدي، مؤكداً وقوف بلاده إلى جانب العراق في جهود تحقيق الاستقرار والإصلاح والتنمية، وهي رسالة تعكس استمرار الاهتمام الأوروبي بدعم المسار السياسي والاقتصادي في البلاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما ألمانيا، فشددت على أهمية الإسراع في تشكيل الحكومة، معتبرة أن ذلك يمثل عاملاً أساساً في تعزيز الاستقرار والتقدم الاقتصادي، مع تأكيدها على استمرار التعاون مع بغداد في مختلف المجالات.
وعلى المستوى الإقليمي، عبر رئيس الوزراء الأردني عن دعمه للعراق، مؤكداً أن استقراره يمثل مصلحة مشتركة ومبدياً تطلعه إلى تعزيز العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة.
قراءة سياسية للترحيب الدولي
يرى المحلل السياسي أحمد الكعبي أن هذا الترحيب السريع يعكس رغبة دولية في استقرار العراق، بخاصة وسط التحديات الإقليمية، مشيراً إلى أن الخلفية الاقتصادية للزيدي تجعله مقبولاً في الأوساط الدولية، خصوصاً في ملفات الإصلاح والاستثمار.
في المقابل، يتوقع المحلل محمد الكناني أن يمنح هذا الدعم الزيدي فرصة لفتح قنوات تعاون اقتصادي أوسع، لكنه يؤكد أن العامل الحاسم سيبقى داخلياً، مرتبطاً بقدرته على إدارة التوازنات السياسية وتشكيل حكومة متماسكة.
تحديات مبكرة بانتظار الحسم
على رغم ما يمتلكه الزيدي من خبرة مهنية ودعم دولي، فإن الطريق أمامه لن يكون سهلاً، إذ يواجه تحديات تتعلق بتشكيل حكومته وإدارة ضغوط القوى السياسية وتحقيق إصلاحات ملموسة في وقت قصير، إضافة إلى التعامل مع تطلعات الشارع.
ويقف علي الزيدي اليوم أمام مرحلة مفصلية، ينتقل فيها من إدارة المؤسسات إلى إدارة دولة بكل تعقيداتها، إذ سيكون نجاحه مرهوناً بقدرته على تحويل هذا الزخم إلى مشروع حكومي فعلي يلامس أولويات العراقيين ويعزز الاستقرار في البلاد.