Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مأساة الجنوب اللبناني تعيد شعراءه إلى الواجهة

استقبلت بيروت غداة الحرب الأهلية ظاهرة الشعر الملتزم الآتي من جبل عامل

مشهد جنوبي بريشة عبد الحميد بعلبكي (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

أنجب الجنوب اللبناني، غداة نشوب المعارك التي شنتها اسرائيل على مدنه وقراه، بدءاً من منتصف السبعينيات وما قبل، شعراء لقبوا بـ"الجنوبيين"، راحوا يكتبون شعراً وطنياً ومناضلاً وإنسانيا، ساهم المغني مارسيل خليفة في نشره شعبياً، عبر تلحين قصائد كثيرة منه وأدائها. وقد ترسخت ظاهرتهم بُعيد اندلاع الحرب الأهلية وطوال سنوات، عقب استقبال بيروت لهم ولقصائدهم.

أطلقت عليهم تسمية "شعراء الجنوب"، وعُرف معظمهم بداية بسبب غناء مارسيل خليفة لقصائدهم قبل أن ينطلق كل شاعر منهم بجناحيه الواسعين، بعدما صار رثاء الجنوب وجبل عامل وأهله وقراه ومدنه، من عادات أو أنواع الترواح الثقافي والشعري البيروتي. وعلى رأس هؤلاء كان حسن العبدالله ومحمد العبدالله وشوقي بزيع وعصام العبدالله وعباس بيضون ومحمد علي شمس الدين وإلياس لحود وجودت فخر الدين وغيرهم. وهناك بعض القصائد التي كتبها شعراء الخيام الثلاثة لا تزال صالحة حتى اليوم على رغم مرور نصف قرن على كتابتها، فقصيدة "أجمل الأمهات" لحسن العبدالله لا يزال بالإمكان تردادها خلال هذه الحرب الجديدة والشرسة من دون أدنى تردد. وقصيدة "يا علي" لعباس بيضون تنطبق تماماً على أهل الجنوب النازحين والمقيمين في "اسفل البرك" والأرصفة، كما جاء في القصيدة.

 أما قصائد مثل "من أين أدخل في الوطن" لمحمد العبدالله، و"أيمن" لشوقي بزيع و "عنقود القرى" لعصام العبدالله، فهي لا تقل جودة في أيامنا هذه عما كانت عليه حين كتبت.

فالمشهد هو نفسه يتكرر كأنه منسوخ نسخاً عن التجربة الماضية، وربما يمكن للأحياء من شعراء الجنوب الذين يجبرون على استعادة ذاكرة حربية من خلال حرب حالية، أن يؤكدوا مثل هذا التماثل بين الحربين ومعاناة أهل الجنوب النازحين، وبين فاعلية القصائد التي لم تتزعزع سواء في وصف الأحوال أو في رثاء الوضع كله بعمومه.   

"شعراء الجنوب 2"؟

اليوم، هل يمكن لهذه الحرب ولهذا "الدمار العظيم" أن ينجبا جيلاً جديداً من شعراء الجنوب؟ بل السؤال الأول هو هل لا يزال الشعر قادراً على حمل هذا الوجع من دون الوقوع في الرتابة والتكرار؟

الحرب أيام الجيل الأول من الشعراء، هي نفسها الحرب في يومنا الحاضر، سواء في القرى التي تهدم، أو في مراثي القتلى وتشييع جثامينهم وسط الحزن الساطع. وكذلك الأهالي الذين ينزحون بلا موعد معين للعودة، والألم الذي يتكرر على الحدود وفي مدن جبل عامل وقراه التي انحدر منها الشعراء الأوائل. وهي قد ينحدر منها الجيل الجديد لو تحقق أو اكتمل أو انبثق بلا تخطيط من رحم الوجع والاحتلال والمقاومة مثل مدن الخيام والنبطية وصور وبنت جبيل وبلدات كفركلا وميس الجبل وعيترون ويارون وبليدا ومركبا وحولا ورميش والناقورة.

كانت لهذه الأمكنة قصائد وأغانٍ كتبها شعراء ولدوا فيها أو خرجوا منها، ثم عاد بعضهم ليدفن في ترابها. وبعضهم لا يزال على قيد الحياة يشاهد نسخة جديدة من فيلم حرب كان شاهده سابقاً، ولكن هذه المرة تنقل الحرب وتفاعلاتها القاصمة مباشرة على شاشات الهواتف. فلا بد من أن هذا الأمر نفسه سيبدل النظرة الشعرية إلى الحرب وطريقة كتابتها أو قولها. ولكن من الأجدر ربما طرح السؤال، كيف سنستعيد تلك "البيروت" التي كانت قادرة يوماً على تحويل الألم الجنوبي إلى جماعة شعرية، لأن التجارب تقول إن الألم لا يكفي لصناعة جماعة شعرية. الألم يصنع قصيدة، ربما. أما الجماعة فتحتاج إلى مدينة تسمع، وصحافة تسمي، ومقاهٍ تجمع، ونقاد يقرأون، وأغانٍ تحمل النص إلى الناس، وناشرين يثبتون الكتاب في الذاكرة. الحرب تمنح الصور الأولى، لكنها لا تمنح وحدها الشكل الثقافي الذي يحوّل الشعر المقاوم إلى ظاهرة.

"شعراء الجنوب" لم يولدوا من الجنوب وحده، بل من عبور الجنوب إلى بيروت التي حضنتهم. فالجنوب أعطاهم المادة والجرح والصورة الأولى، لكن بيروت أعطتهم المنبر والاحتكاك والصحافة والمقهى والأغنية والخصومات والصداقات، ومجالات النقد وأماكن الحوار والتواصل والعيش بين المطاعم والمقاهي في شارع الحمراء وشارع بلس، بمحاذاة الجامعة الأميركية ومنطقة الروشة ومقاهيها ومطاعمها. كانت بيروت تلك مليئة بالصراع والغرور والأحزاب والخصومات والضجيج، وهذا كله تفتقده اليوم، وتضاف إليه أزمات لبنانية داخلية متراكمة لا يمكن لقذيفة تنفجر فيها أن تفككها.

بيروت والماكينة الثقافية

في الخمسينيات والستينيات كانت بيروت تتحول إلى مدينة ثقافية عربية لا تشبه حجمها الصغير. الجامعة الأميركية وشارع بلس ومقاهي "أنكل سام" و"فيصل" والحمراء، و"الهورس شو" و"العجمي" و"الدولتشي فيتا"، والصحافة اليومية والسينما والأحزاب والطلاب العرب الفلسطينيون والسوريون والعراقيون والمصريون واللبنانيون الوافدون من المدن والأطراف. لم تكُن هذه الأمكنة مجرد عناوين في ذاكرة نوستالجية. كانت شبكة. وكان الدخول إليها نوعاً من الدخول إلى حياة ثقافية كاملة.

كان المقهى في تلك المدينة مؤسسة غير رسمية. ليس مكاناً للجلوس فقط، بل غرفة تحرير مفتوحة. هناك تُختبر الأفكار قبل أن تصير مقالات، ويسمع الشاعر صوته في أذن غيره. وهناك يتلقى القسوة والسخرية والتشجيع والخصومة، وهي كلها عناصر تسهم في صناعة أية جماعة أدبية.

ومن اللافت أن تلك المقاهي نفسها، أو بعضها، ارتبطت بتأسيس الكتابة الشعرية الجديدة في بيروت. يوسف الخال وأدوني وأنسي الحاج ومحمد الماغوط وفؤاد رفقة ونذير العظمة وخليل حاوي وغيرهم، لم يكونوا مجرد أسماء تمر في المدينة، بل كانوا جزءاً من حياة يومية حين صارت بيروت قادرة على احتضان انقلاب في القصيدة العربية الحديثة، وبعد مثل ذلك المخاض كان من الطبيعي أن تكون لاحقاً قادرة على التقاط أصوات الجنوب الصاعدة ومنحها مجالاً للظهور.

دخل شعراء الجنوب إلى بيروت، حاملين قراهم معهم في دفاترهم وحقائبهم ومخيلاتهم. فحملوا الجبل والسهل والتين والماء والشمس والبارود والأم واللغة الريفية التي تتكسر حين تدخل المدينة، ثم تعيد تركيب نفسها شعراً. ولم يعُد الجنوب عندهم موضوعاً خارجياً، بل مادة تحفزها الذاكرة وطول الاحتلال الإسرائيلي لأرضه.

وفي شعر حسن العبدالله، يظهر الجنوب كحياة حسية كاملة، شمس الخيام والدردارة والتين والسواقي والحقول والأشياء الصغيرة. حين يكتب عن "شمس الخيام" يكتب عنها وكأن شمس الخيام هي غيرها شمس مرجعيون أو قلعة الشقيف أو أحياء الحمراء.

ومحمد العبدالله بدا كمن يجعل الخريطة تبدأ من الدم والأسماء. "من هنا تبدأ الخارطة والكلمات" ليست مجرد عبارة شعرية، بل النقطة التي تحولت فيها القرية إلى ذاكرة. أما عصام العبدالله، فحمل الخيام إلى بيروت بطريقة أخرى. أدخل المحكية والمقهى والنكتة والحرية وساحة الضيعة إلى شارع الحمراء، كأن بيروت عنده لا تصير مدينة كاملة إلا حين تعترف بأنها "عنقود من الضيع".

أما عباس بيضون، فكتب في "يا علي" صورة لا تزال تصلح، بقسوة مؤلمة، لقراءة النزوح الجنوبي إلى المدن، أهل الجنوب حفاة عند عتبات المدينة، لا يأتون إليها لأنهم يريدون التخلي عن قراهم، بل لأن الحرب تدفعهم إليها كما يدفع البحر حطامه إلى الشاطئ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 محمد علي شمس الدين حمل "دخان القرى" إلى القصيدة، وجعل الجنوب اتجاهاً روحياً لا جغرافياً فقط. وجودت فخر الدين كتب الحرب كحالة نفسية تعود، لا كحدث عابر. أما شوقي بزيع فرأى في الجنوب جزءاً مصاباً من الجسد لا هامشاً من الخريطة.

بيروت التي لا تسمع كما كانت

بيروت اليوم ليست المدينة نفسها. فالتحول الذي أصابها ليس مجرد تبدل طبيعي في الذائقة أو العمران، بل هو تبدل في الوظيفة الثقافية التي كانت تؤديها. والصحافة التي كانت تسمي الظواهر تقلصت. والملاحق الثقافية اختفت ومعها كثير من الصحف التي كانت تمنح النص شرعية الظهور والانتشار. أما قصائد شعراء المنصات الرقمية التي تمنح النص حياة سريعة، فإنها تمنحه موتاً سريعاً أيضاً في قاع لا آخر له من الصور والتعليقات والمراثي.

هناك بالتأكيد شباب وشابات يكتبون الجنوب الآن، من داخله أو من نزوحهم عنه. لكن الشعر انتقل من عالم المنبر إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي الجارية كنهر من المعلومات والصور والحيوات التي يعرضها أصحابها على الجميع، إنها منابر تدمر القصائد بقسوة أكبر مما تفعل بها الحرب.

 وقد تظهر قصيدة جنوبية جديدة، لكنها قد لا تظهر كجماعة. قد تكون قصيدة غرفة، لا مقهى. قصيدة شاشة، لا جريدة. قصيدة خوف شخصي، لا نشيد عام. وقد يكون هذا هو شكل صدقها الجديد. لكن ما نخسره في هذه الحال هو الصدى الجماعي، أي قدرة النص على أن يتحول من تجربة فردية إلى ذاكرة عامة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننتهي إلى حكم قاطع يقول إن جيلاً جديداً من الشعراء الجنوبيين والعامليين لن يولد. قد يولد شيء ما في مكان لا نراه الآن خارج بيروت أو داخلها. فالجيل الجديد أيّاً تكُن هوية شعرائه، أو سنّهم أو تجاربهم الشعرية، فلا بد من أن تكون له طرق أخرى في اللقاء والكتابة والتداول. لكن حتى الآن، لا يبدو أن هذه الطرق أنتجت اسماً جماعياً أو حركة واضحة.

في السابق، كانت بيروت مركزاً ضرورياً. اليوم لم تعُد كذلك بالمعنى نفسه، لا لأن مكانتها الرمزية اختفت، بل لأن المركز نفسه تفتت. فقد يكتب شاعر من الجنوب وينشر في باريس أو مونتريال أو برلين قبل أن يمر ببيروت. وقد يقرأه أصدقاؤه على الإنترنت قبل أن يعرفه ناقد لبناني. وقد تصنع الخوارزمية شهرته العابرة من دون أن تصنع له موقعاً في خريطة شعرية. وهذا كله يغير معنى الجيل والجماعة.

قد يكون الجنوب اليوم أكثر امتلاء بالمادة الشعرية مما نعتقد أو نعرف. لكن المادة الشعرية وحدها لا تصنع جيلاً. قبل نصف قرن تقريباً، دخل هذا الألم إلى بيروت كانت لا تزال قادرة على تحويله إلى صوت عام. لذلك فإن من المرجح أن يكتب أبناء الجنوب الشعراء، هذه الحرب. وربما ستخرج منها قصائد صادقة وموجعة، ولكن من سيجمعها؟ من سيسميها؟ من سيمنحها صدى يتجاوز الشاشة؟ ومن سيقول، بعد أعوام، إن جيلاً جديداً من شعراء الجنوب قد ولد فعلاً؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة