ملخص
العقارات ذات العلامات التجارية أن تسكن بقلب فندق كما لو أنك تعيش في بيتك الخاص، متمتعاً بكل خدمات الرفاهية التي يحصل عليها النزلاء العابرون
في عام 1927، في فترة أطلق عليها العصر الذهبي في نيويورك، وضع فندق "شيري نيوزيلاند" حجر العقد لأول مسكن مرتبط بعلامة تجارية في العالم، ستعرف لاحقاً بـ "المساكن ذات العلامات التجارية Branded Residences"، استجابة لتحول اجتماعي في بنية الطبقة المخملية في نيويورك، التي بدأت تتخلى عن القصور المستقلة لمصلحة العيش الجماعي النخبوي.
رحلة هذا القطاع التي بدأت من ردهات فنادق نيويورك القديمة، وصلت اليوم إلى ناطحات سحاب تتحدث لغة الموضة والسرعة وتحاكي نمط حياة العلامات التجارية الفاخرة.
البناء ذو العلامة التجارية
بدأت الفكرة بسيطة، أن تسكن بقلب فندق كما لو أنك تعيش في بيتك الخاص، متمتعاً بكل خدمات الرفاهية التي يحصل عليها النزلاء العابرون، لكنها ثورية أيضاً، إذ تعني أن تمتلك عنواناً سكنياً مرموقاً مع الحصول على رفاهية الخدمة الفندقية. هذا النموذج في البناء يعتمد على طرفي أساس هما، المطور العقاري الذي يتولى البناء والتمويل والتسويق، وعلامة تجارية مرموقة تقدم اسمها وهويتها ومعاييرها وخبراتها التشغيلية. والهدف تقديم وحدات سكنية تمنح المالك أسلوب حياة وهوية العلامة التجارية، والنتيجة منتج عقاري يجمع بين خصوصية المنزل وكماليات الفنادق الفاخرة أو لمسات دور الأزياء العالمية، ويخلق بيئة معيشية لا يمكن تحصيلها في العقارات العادية.
اقتصاد التجربة
لكن المعادلة السابقة تحولت إلى قطاع عقاري مستقل بمنطقه ومعاييره وقواعد لعبته، إذ لم يكن مجرد تطور في تفضيلات الرفاهية للمستهلك، بل انعكاس لمتغير اقتصادي عميق يعرف بـ "اقتصاد التجربة"، إذ تقاس القيمة بما تشعر به، لا بما تملكه. ويكفي النظر إلى حجم الطلب المتنامي لدى أثرياء العالم الذين يبحثون عن تجارب سكنية مخصصة على مستوى فندق مع الرغبة في امتلاك أصول عقارية مستقرة وعالية القيمة. هنا لا يبيع المطور العقاري مجرد أمتار مربعة ولا يشتري المستثمر منزلاً فحسب، بل يشتري ضماناً بجودة وقصة ونمط حياة مرتبط باسم البراند.
وبهذا ثمة لحظة تحول صامتة حدثت في عالم العقارات الفاخرة أواخر القرن العشرين، إذ لم يعد المشتري الثري يسأل عن المتر المربع والموقع والإطلالة فحسب، بل بات يسأل عمن وراء هذا المبنى والقيمة التي يحملها اسمه ونوع الحياة التي يوفرها له؟
ويمكن القول إن العولمة أو عولمة الثروة هي السبب الرئيس وراء هذا التحول، إذ ظهرت طبقة من الأثرياء الذين يتنقلون بين عواصم العالم، يبحثون عن معيار موحد للرفاهية لا يتغير بتغير موقعه الجغرافي. إضافة إلى أن المشتري المعاصر لا يبحث عن مساحة للمعيشة، بل عن نظام بيئي متكامل يعبر عن انتمائه لطبقة تتحدث لغة بصرية موحدة وعابرة للحدود، وكانت العلامة التجارية العالمية هي اللغة المشترك الضامنة حصوله على ذلك كله.
أيضاً لـ "كوفيد 19" دور في تغيير مفهوم المنزل برمته، إذ أضحى البحث عن مسكن يوفر خدمات متعددة تحت سقف واحد ضرورة وليس رفاهية.
لكن البعض ما زال يسأل، لماذا يدفع المستثمرون 35 في المئة زيادة فوق سعر السوق لمجرد وجود لوغو على واجهة المبنى؟
والجواب هو: يشتري محصلة منظومة قيمية كاملة.
الثقة قبل الخرسانة
توفر هذه المساكن إدارة احترافية للأصول "إدارة عن بعد"، وهذه قيمة مهمة بالنسبة للأثرياء الذين يمتلكون عقارات في مدن عدة. فالعلامة التجارية تدير العقار بأشكال متعددة وتصونه في غياب المالك، كذلك توفر مجتمعاً متجانساً من المُلّاك الذين يتشاركون النمط المعيشي ذاته. العلامة التجارية تمنح أيضاً الثقة والضمان، فوجود اسم عالمي يضمن للمشتري جودة مواد البناء ودقة التشطيبات واستمرارية مستوى الخدمة لعقود، وهذا ما يفتقر إليه العقار التقليدي في الغالب.
كذلك تتميز هذه المساكن بقدرتها العالية على مواجهة تقلبات السوق، إذ تكمن قوتها في قدرتها على تسييل العقار. فالعقار التقليدي هو أصل ثقيل الحركة، لكن عند وسمه بعلامة تجارية، يمنح صفة عالمية يمكن تقييمها وبيعها بسهولة أكبر. إذ أثبت الواقع أن العقارات الموسومة تحتفظ بقيمتها بصورة أفضل بكثير في الأزمات الاقتصادية، وتباع أسرع في الأسواق المفتوحة، فهنا تباع الثقة قبل الخرسانة، ويشترى أسلوب الحياة قبل الأمتار المربعة.
والأهم أن لهذه المساكن اعتبارات معمارية وهندسية صارمة للغاية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الترف المعماري
لا تبنى المساكن ذات العلامات التجارية كبقية المباني، بل تخضع لاعتبارات معمارية صارمة. فالعلامة التجارية ليست مجرد لافتة توضع على المدخل الرئيس، إذ تفرض بروتوكولاً جمالياً صارماً ودستوراً تصميمياً كاملاً يسري على كل عناصر المشروع، ودليل قواعد صارم يتوجب على المعماري اتباعه. أولها وحدة الهوية البصرية، فالمبنى يجب أن يبدو وكأنه امتداد للعلامة التجارية، على سبيل المثال، المبنى الذي يحمل توقيع "بورشPorsche "، الشركة الألمانية الرائدة في عالم السيارات، يجب أن يعكس الخطوط الانسيابية والصلابة والروح الديناميكية للسيارة الرياضية. وهذا ما يحققه مبنى "بورش" في ميامي، الذي يتميز بشكل أسطواني كأنها محرك عملاق مع مصاعد زجاجية للسيارات.
أيضاً تصمم المخططات على قواعد تهندس فيها الخصوصية والخدمة، إذ توفر مسارات منفصلة للموظفين تسمح بتدفق خدمات الفنادق، بحيث لا يشعر المالك بوجودهم إلا عند الحاجة، مع توفير مصاعد خاصة ومداخل مستقلة تماماً عن الجزء الفندقي في حال وجوده، لضمان أقصى درجات الخصوصية، مما يخلق وهماً بالرفاهية المطلقة التي تحدث تلقائياً من دون ضجيج، وهو ما يمثل قمة الترف المعماري الحديث.
إنها ببساطة قصة حب ناجحة بين فن العمارة وسيكولوجية العلامة التجارية.
وفي عالم تتغير فيه قيمة العملات وتتذبذب فيه الأسواق، يبدو وكأن المساكن ذات العلامات التجارية، هي الذهب الجديد في محفظة المستثمر "الثري" والحل لمعضلة الغربة في المدن الكبرى، ففي العمق هو يشتري عقداً من الثقة مع علامة تجارية يؤمن باستمراريتها.
وفي نهاية المطاف، تطرح المساكن ذات العلامات التجارية سؤالاً فلسفياً عن طبيعة القيمة، ما الذي نشتريه حقاً حين نشتري مسكناً؟
في الاقتصاد الكلاسيكي، الإجابة واضحة: أربعة جدران وسقف وموقع جغرافي، لكن في اقتصاد اليوم، الإجابة أعقد بكثير، نحن نشتري هوية وضماناً وعلاقة مع عالم رمزي أكبر من فكرة المسكن وحده.