Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثيوبيا تحاصر ألبوما غنائيا يثير سؤال الهوية

منع ترويج الأغاني وحجب موقع المغني على الإنترنت والشركة الموزعة تنهي التعاقد معه والوعاظ يهاجمونه

أسهم المنع عكسياً في انتشار الألبوم على نحو غير مسبوق (مواقع التواصل)

ملخص

يعد هذا الألبوم هو السادس في مسيرة الفنان المعروف بمعارضته للأنظمة السياسية المتعاقبة خلال الربع قرن الماضي، والمفارقة أن تيدي الذي وافقت السلطات الإثيوبية منذ ثلاثة أعوام على منحه الدكتوراه الفخرية من جامعة "غوندر" بإقليم أمهرة (شمال إثيوبيا) وسط حضور رسمي وشعبي شارك فيه وزير الري الإثيوبي سليشي بقلي ومسؤولون آخرون لجهوده في مجال الغناء الوطني، أضحى اليوم في مرمى نيران السلطة ورجال الدين المتحالفين معها، وبات شراء ألبومه تهمة يحاكم عليها القانون.

أثار قرار السلطات الإثيوبية إلغاء حفل إطلاق ألبوم غنائي جديد للفنان تيودوروس كاساهون، المعروف بـ"تيدي أفرو"، الذي كان مقرراً بإحدى الفنادق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في الـ16 من الشهر الجاري، جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية والسياسية الإثيوبية، لجهة تعارضه مع حرية التعبير والإبداع. 

ولم تكتف السلطات بذلك، بل عملت على منع بيع الشريط الغنائي الموسوم بـ"إيتوريكا"، إضافة إلى اتخاذ تدابير أمنية لحجب الموقع الإلكتروني الخاص بالمغني من التداول في إثيوبيا، على أثر إطلاقه 18 أغنية على موقع "يوتيوب". 

والواقع أن الحجب الذي تم بحجج تعارض مضمون الأغاني مع مبادئ "الوحدة الوطنية والتحريض على معارضة النظام السياسي"، قد أسهم عكسياً في انتشار الألبوم على نحو غير مسبوق، إذ حصدت أغنيته "داس طال" التي تعني "انصب صيوانك"، نحو 11 مليون مشاهدة خلال ثلاثة أيام فقط، وهو رقم لم يبلغه أي فنان معاصر في تاريخ الأغنية الإثيوبية. 

ويعد هذا الألبوم هو السادس في مسيرة الفنان المعروف بمعارضته للأنظمة السياسية المتعاقبة خلال الربع قرن الماضي، والمفارقة أن تيدي الذي وافقت السلطات الإثيوبية منذ ثلاثة أعوام على منحه الدكتوراه الفخرية من جامعة "غوندر" بإقليم أمهرة (شمال إثيوبيا) وسط حضور رسمي وشعبي شارك فيه وزير الري الإثيوبي سليشي بقلي ومسؤولون آخرون لجهوده في مجال الغناء الوطني، أضحى اليوم في مرمى نيران السلطة ورجال الدين المتحالفين معها، وأضحى شراء ألبومه تهمة يحاكم عليها القانون. فوفقاً لتقرير منشور على موقع "بوركينا" الإخباري، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على عشرات الشباب بحجة إذاعة أغاني الألبوم الجديد في أماكن عامة.

إضافة إلى ذلك، ثار جدل آخر حول إعلان شركة "سيواسيو ملتيميديا" المتعاقدة على توزيع الألبوم إنهاء تعاقدها مع المغني، مبررة ذلك ببروز شروط جديدة للتوزيع، بخاصة بعد منع السلطات عملية توزيع الألبوم. 

وفاة الوطن 

من الواضح أن الأغنية الأكثر إثارة للجدل بالنسبة إلى السلطات الإثيوبية، هي المرثية التي حملت عنوان "انصب صيوانك"، لتضمنها مفردات جريئة تنتقد الأوضاع الراهنة في البلاد، على خلفية انتشار مظاهر الاحتراب الأهلي في أكثر من إقليم إثيوبي، وتقول كلماتها: انصب صيوانك ياقلبي/ لحزني العميق لـعزائي/ رغم الصبر والانتظار/ ورهاني مع الوقت/ رغم التعالي على الجرح/ لم آذي سوى نفسي/ قل لي يا قلبي/ أين يبكي من مات وطنه.

حصلت الأغنية على جانب كبير من النقد اللاذع، ليس على منصات النظام الرسمية، بل حتى في الكنائس التي يرتادها معتنقو المذهب الخمسيني (Pentecostal) إذ ينتشر أغلب مؤيدي السلطة، وقد انتشرت مقاطع فيديو على منصات مثل "تيك توك" لدعاة ينتقدون مفهوم "موت الوطن"، الذي روجت له الأغنية بشكل مجازي كتعبير عن حال الاحتراب الأهلي وغياب الخطاب الوطني وشعور المواطنين بالاغتراب في وطنهم.

وتقول مقاطع أخرى من الأغنية: "في قريتنا هناك/ حيث نشأت/ على ضفاف النيل/ أصبحت غريباً/ كمن لا وطن له". وهي إشارة تحمل دلالات رمزية واضحة لارتهان الوطن لإرادة مجموعة معينة أضحت تملك القرار، والمفارقة أن الأغنية التي تستخدم ترميزاً مكثفاً لإدانة الطرف المستحوذ على السلطة، لا تكتفي بتلك الإشارات بل تكاد تُحمّل الأمر بعداً هوياتياً، إذ يبدو أن الاستحواذ هنا لا يتعلق بالثروة والسلطة فحسب، بل يمتد إلى الذاكرة والتاريخ المشترك، بخاصة عند الإشارة إلى معلمين حضاريين هما أكسوم ولاليبلا، اللذان يمثلان جزءاً من التاريخ الإثيوبي، وتحديداً تاريخ كل من اثنيتي الأمهرة والتيغراي، وكلاهما ينتمي إلى المجموعة السامية التي تعرف بالعائلة السليمانية، والتي تناوبت على السلطة السياسية لفترة طويلة في الحبشة، قبل أن ينتقل الحكم إلى اثنية الأورومو التي تنتمي إلى المجموعة الكوشية عام 2018 بقيادة آبي أحمد، إذ أتى مسنوداً بنضالات القوميين الأورومو، بعدما زحزحت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي من سدة الحكم، مما أسهم لاحقاً في بروز قوى سياسية تحمل شعارات تتعلق بمظالم ذات طابع هوياتي، وهو الطرح الذي يبدو واضحاً في مقطع من الأغنية ذاتها: "استحوذوا على المركز/ ودفعوا بنا نحو الهامش".

الهوية أم البلاد؟

يرى الصحافي الإثيوبي مولو مدهن، أن ألبوم تيدي أفرو يعد بمثابة "مانفيستو" جديد للوطنية الإثيوبية التي كادت أن تندثر بفعل الانقسامات الإثنية التي تعززت أكثر مع وصول آبي أحمد للسلطة، بخاصة مع انفجار الصراعات المسلحة في أكثر من إقليم إثيوبي.

ويوضح مدهن أن الحملات الدعائية التي أطلقها مؤيدو النظام من كوادر حزب الازدهار وبعض الوعاظ الدينيين، بخاصة التابعين للكنيسة الخمسينية، ضد المغني تيدي بحجة انزياح أغانيه نحو التفسير الهوياتي للصراعات القائمة في إثيوبيا، هو تأويل متجاوز ينزع للغلو، بخاصة أن العبارة التي تم الترويج لها بشكل واسع لا تخص مجموعة إثنية بعينها، بل الشعب الإثيوبي ككل، فهي عبارة مجازية تشير إلى أن النخبة الحاكمة أزاحت الشعب من مركز التأثير الفعلي في صناعة القرار نحو الهوامش، ليصبح "مفعولاً به" عوض أن يكون فاعلاً ومؤثراً في تحقيق إرادته، لكن في الآن نفسه لا تغض الأغنية البصر عن المحاولات اليائسة التي يقودها النظام لتمكين مجموعة معينة أضحت تستحوذ على امتيازات السلطة والثروة بشكل واضح، بما في ذلك محاولات تغير هوية أديس أبابا كعاصمة لكل الإثيوبيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار إلى أن الصراع الهوياتي لا يتم تخليقه عبر أغاني تيدي أفرو، لا سيما أنه يمارس فعلياً من قبل النظام الحاكم، سواء عبر تخصيص الأراضي، أو التغيير الديمغرافي الممنهج، بجانب الاستفزازات المتكررة من بعض كوادر حزب الازدهار، الذين لا يكفون عن التأكيد على أن البلاد تعيش "عصر الأورومو"، ومن ثم فإن مجابهة هذا التوجه المعلن لا ينبغي اعتباره اذكاءً للنعرات بل حائط سد لها.

وأكد أن حال الاستنفار التي أعلنها النظام ضد ألبوم غنائي، تكشف ضعف النظام وهشاشته على رغم ادعائه القوة والقدرة على تدجين المجتمع وإخضاعه لإرادته، وهناك تدابير غير معلنة تم اتخاذها لإيقاف أي شخص يُشغل أغاني تيدي في الأماكن العامة، مؤكداً اعتقال عشرات الشباب بهذه الحجة غير القانونية.

ويرى الصحافي الإثيوبي أن "للتوقيت دلالات واضحة، إذ إن إطلاق الألبوم تزامن مع الحملات الانتخابية القائمة، إذ يسعى الحزب الحاكم لضمان مشاركة أكبر من المواطنين في الاستحقاقات البرلمانية المقبلة، فحتى لو كانت النتائج مزورة، فإن نسب المشاركة تمثل صمام أمان للسلطة الحاكمة لاتخاذها كذريعة للاستمرار".

وينوه إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي يعلم تماماً شعبية تيدي وتأثيره الكبير في الأوساط الشبابية بوجه خاص، وما يدلل على ذلك أن وصوله للسلطة كان يحمل شعاراً شهيراً هو "المحبة تنتصر"، عنوان أغنية لتيدي أفرو نفسه، إذ استفاد من شعبيته وحاول استقطابه مبكراً، وتم رفع الحظر الذي كان مضروباً على مشاركاته في الاحتفالات الرسمية على عهد جبهة التيغراي، وإشراكه في مراسم الزيارة التاريخية الأولى للرئيس الإريتري أسياس أفورقي لأديس أبابا بعد عقدين من انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

يصف مدهن المغني الإثيوبي بـ"المعارض الدائم" للأنظمة، مشيراً إلى أنه واجه اتهامات مشابهة من النظام السابق، الذي يمثل التيغراي، مما يؤكد انحيازه الدائم للشعب على حساب الأنظمة المتعاقبة، بالتالي فإنه يمثل "شوكة في خاصرة الأنظمة"، فهو مبدع لا يمكن تدجينه، الأمر الذي جعله ليس فقط متصدراً للمبيعات والمشاهدات، بل وقبلة للحالمين بالحرية بخاصة من الفئات الشبابية من مختلف الاثنيات. بدليل إلغاء عدد كبير من حفلاته الجماهيرية، بما فيها احتفالات رأس السنة من قبل أجهزة الأمن بحجة عدم القدرة على تأمينها.

رثاء الحاضر 

من جهته، يرى الناشط الإثيوبي محاري سلمون، أن أغاني تيدي ألهمت عدداً كبيراً من الإثيوبيين منذ بداية الألفية الثالثة، بخاصة المسكونين بأحلام التغير السياسي، إضافة إلى مؤيدي الأنظمة التي سبقت وصول جبهة التيغراي للسلطة عام 1991. مشيراً إلى أن ما يؤخذ على تجربة أفرو حنينه الدائم للعهود الملكية، بخاصة منيليك، وتيدروس، وهيلي سلاسي. 

وأكد أن التجربة الغنائية الجديدة وإن بدت مختلفة فإنها ذات صلة بالنهج السابق نفسه، إذ تطرح ذات الهواجس من حنين للماضي وتمجيده كما لو كان خالياً من الأخطاء والمظالم، علاوة على رثاء الحاضر عبر استخدام مفردات مشحونة بكم هائل من المشاعر الساخطة على النظام.

ويرى محاري أن ما يميز ألبوم "إيتوريكا" أنه يقيم حال هدنة مع تاريخ تيغراي أمام بروز سلطة جديدة تمثل اثنية الأورومو،  مشيراً إلى أن ثمة مفارقة حدثت هذه المرة، إذ نلاحظ أن الألبوم استقطب فئات جديدة مثل التيغراي والإريتريين، الذين ظلوا بعيدين من هواجس أفرو، لجهة حنينه الدائم للملوك الإثيوبيين. 

ويفسر محاري ذلك لأسباب سياسية، بخاصة لدى مؤيدي جبهة التيغراي والنظام الإريتري، فكلاهما يصطف الآن ضد إدارة آبي أحمد ومن ثم من المنطقي أن يتلقفا كل عمل يوجه نقداً للنظام الحاكم، فيما وجد بعض المعارضين الإريتريين ضالتهم في إسقاط أغنية "داس طال" على وضع بلدهم في ظل النظام الحاكم في أسمرة. مشيراً إلى أن هذه المفارقة لا تحدث إلا في الأعمال الفنية التي تعد ملاذاً للباحثين عن الحرية من كل التيارات، باعتبار أن الفن فعل عابر للأوطان والاتجاهات.

ويرى محاري أن الألبوم الجديد الذي أسهم النظام في رواجه من خلال تدابير غير مدروسة بشكل كاف، وإن مثل قفزة نوعية في تاريخ الأغنية الإثيوبية لتصدره "الترند" وتحقيقه نسب مشاهدة غير مسبوقة على موقع "يوتيوب"، فإنه لا يخلو من ملاحظات فنية عدة، من بينها اعتماده على إيقاعات احتفائية صاخبة في أغنية تعد بمثابة مرثية لوفاة الوطن، الأمر الذي اعتبره بعض منتقديه بمثابة الرقص على الجثث، لا سيما وأن المفردات تتضمن صوراً قاسية للواقع الإثيوبي الدامي.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات