Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انقسام سياسي حاد في فرنسا حول هيكلة الإعلام العمومي

النواب وافقوا بغالبية ضئيلة على نشر تقرير متعلق بالبث العام تضمن 80 توصية وصفت بأنها "مقلقة للغاية"

النائب الفرنسي شارل ألونكل صاحب تقرير تمويل الإعلام العمومي (أ ب)

ملخص

صرح الصحافي بقناة "فرانس 24" محمد فرحات بأن هذا التقرير يشكل خطراً على الديمقراطية، باعتبار أن المقترحات أو النصوص التي يتضمنها تمس بمبدأ التعددية في وسائل الإعلام. ويوضح أن من بين هذه المقترحات فكرة دمج قنوات مختلفة مثل "فرانس 24" و"فرانس إنفو"، على رغم اختلاف جمهور كل منهما.

يتجدد الجدال في فرنسا حول تمويل واستقلالية الإعلام العمومي، حيث عاد هذا الملف الحساس ليتصدر النقاشات داخل أروقة البرلمان. الشرارة هذه المرة كانت تقريراً مثيراً للانقسام أعده النائب شارل ألونكل، والذي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول حياد البث العام ودوره في الحياة الديمقراطية.

وبين مواقف متحفظة ودعم مشروط من جهة، وانتقادات لاذعة من مختلف التيارات السياسية من جهة أخرى يكشف هذا التقرير عن عمق الخلافات في شأن مستقبل الإعلام العمومي في فرنسا، في لحظة سياسية تتسم بحساسية متزايدة تجاه قضايا الشفافية والتعددية الإعلامية.

اعتمد النواب الإثنين الـ27 من أبريل (نيسان)، نشر التقرير المتعلق بالبث العام، وذلك بغالبية 12 صوتاً مقابل 10. وقد أعد هذا التقرير النائب شارل ألونكل، عن حزب اتحاد الحق من أجل الجمهورية. وصوت لمصلحة القرار رئيس لجنة التحقيق، النائب عن حزب "هورايزون"، جيريمي باترييه-ليتوس.

ومن المتوقع أن تنشر هذه الوثيقة، التي تقارب 400 صفحة، في غضون أسبوع تقريباً. وفي تصريح لوسائل إعلام فرنسية، أوضح شارل ألونكل أنه "كان لا بد من تقديم عدد من التنازلات" من أجل التوصل إلى تصويت إيجابي، مضيفاً أن "الأمر لم يكن سهلاً، بل كان قراراً بالغ الصعوبة".

تضمن التقرير 80 توصية وصفت بأنها "مقلقة للغاية"، لا سيما في ما يتعلق بالممارسة الديمقراطية وإعادة هيكلة الإعلام العمومي.

وفي بيان لفرع الصحافيين التابع لنقابة اليسار الفرنسية، جرى تأكيد أن النواب الذين صوتوا لمصلحة نشر التقرير تعرضوا، بحسب البيان، لضغوط وصفت بالابتزاز. واعتبر البيان أن ما يحدث يندرج ضمن محاولة من قبل اليمين المتطرف لإضعاف الإعلام العمومي، من خلال الترويج لأفكاره داخل المجتمع الفرنسي.

في المقابل، صرح أوريليان سانتول، عضو حزب "فرنسا الأبية"، بأنهم سيخوضون هذه المعركة سطراً سطراً لكشف تناقض هذه التصريحات.

من جهتها، شددت النائبة الاشتراكية عايدة هاديزاده على أنه "يجب أن تتمتع الجمعية الوطنية بالصدقية". ووجهت كلامها إلى المقرر بعبارات حادة قائلة "نحن لسنا في مارالاغو، مقر إقامة دونالد ترمب". واعتبرت أن هذا التقرير، الذي يدعمه حزب اليمين المتطرف، قد يلقى استحسان الرئيس الأميركي.

وأضافت النائبة الاشتراكية أن هذا التقرير يفتقر إلى الصدقية، ويتعارض مع مبادئ الجمهورية الفرنسية القائمة على الديمقراطية. وفي نظرها، فإن منح هذا التقرير صفة رسمية عبر اعتماده في الجمعية الوطنية من شأنه أن يؤثر في الرأي العام، وقد يتم استغلاله مستقبلاً من قبل بعض التيارات السياسية بهدف النيل من الإعلام العمومي. أما الناشط البيئي جيريمي يوردانوف، فقد أعرب عن أسفه لما اعتبره "افتقاراً للشجاعة من جانب الكتلة الوسطية"، مضيفاً أنهم "يسلمون زمام المبادرة للتجمع الوطني"، ومندداً باستخدام "لجنة التحقيق لتقويض البث العام".

تقرير مثير للجدال يهدد التعددية

صرح الصحافي بقناة "فرانس 24" محمد فرحات بأن هذا التقرير يشكل خطراً على الديمقراطية، باعتبار أن المقترحات أو النصوص التي يتضمنها تمس بمبدأ التعددية في وسائل الإعلام. ويوضح أن من بين هذه المقترحات فكرة دمج قنوات مختلفة مثل "فرنس 24" و"فرنس إنفو"، على رغم اختلاف جمهور كل منهما. ويضيف أن الدعوة إلى إغلاق قناة لمصلحة أخرى أو تقليص عدد المنابر الإعلامية لا يمكن أن تفهم على أنها إصلاح، بل تمس بجوهر التعددية في المشهد السمعي البصري. فالتعددية، بحسب تعبيره، ليست عبئاً أو عائقاً، بل هي في حد ذاتها أحد أسس الديمقراطية، وأي مساس بها يعد تقويضاً لهذا المبدأ الأساس.

ويشير فرحات إلى أن التعددية تعد من أبرز ميزات الإعلام الفرنسي، وتشكل إحدى ركائز قوته وتميزه، وأن الموازنة المخصصة للإعلام العمومي في فرنسا ليست مناسبة، بخاصة عند مقارنتها بنماذج أخرى مثل الإعلام البريطاني، منوهاً بأن "الإشكال الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في مسألة التمويل، بل في خطر التبعية، خصوصاً أن هذا التقرير يتضمن نقطة حساسة تتمثل في الدعوة إلى تعيين رؤساء المؤسسات الإعلامية من قبل رئيس الجمهورية، وهو ما يعد مساساً مباشراً باستقلالية وسائل الإعلام".

وفي ما يتعلق بالانتقادات التي وجهت إلى التقرير، يشير الصحافي محمد فرحات إلى أن هذه الانتقادات صدرت حتى من داخل الأوساط المرتبطة به، موضحاً أن المشرف على إعداد التقرير ينتمي إلى تيار يميني محافظ، وتحديداً إلى حزب الجمهوريين، مع تقاطعات سياسية قريبة من اليمين المتطرف. ويضيف أن جزءاً من هذه الانتقادات لم يكن موجهاً إلى جوهر العمل الإعلامي بقدر ما تمحور حول اتهامات بوجود ميل لبعض وسائل الإعلام نحو اليسار.  ويعتبر أن التقرير جاء متسرعاً، ويتضمن عديداً من النقائص والأخطاء، وقد تم تسريب أجزاء من مضمونه قبل صدوره الرسمي يوم الرابع من مايو (أيار) الجاري.

وفي هذا السياق، يرى فرحات أن ما يحدث يندرج ضمن سياق أوسع، يعكس وجود توجهات أو سياسات ممنهجة تستهدف إضعاف الإعلام العمومي والتأثير في دوره في المشهد الإعلامي الفرنسي.

وفي رده على سؤال حول مدى ضرورة بقاء الإعلام العمومي مستقلاً عن الدولة، يؤكد فرحات أن ذلك أمر أساس لا غنى عنه. ويوضح أن الإعلام العمومي موجه إلى جميع الفرنسيين على اختلاف توجهاتهم السياسية، ولا يمكنه أداء هذا الدور إلا إذا كان مستقلاً، إذ يشكل في هذه الحالة رقيباً على السلطة ويسهم في كشف التجاوزات وتعزيز الشفافية.

ويحذر فرحات من أخطار خضوع الإعلام العمومي لتأثير السلطة السياسية، بخاصة في حال تغير موازين الحكم. فمثلاً، إذا وصلت تيارات سياسية معينة إلى السلطة في المستقبل، فقد يدفع بالإعلام العمومي إلى تبني رؤيتها، وهو ما يتعارض مع مبدأ الحياد. لذلك، يشدد على ضرورة إبقاء هذا القطاع بمنأى عن التجاذبات الحزبية، قائلاً "إذا فاز اليمين المتطرف في الانتخابات مع تبني هذه الرؤية سيكون ذلك في غاية الخطورة حيث تتبنى وسائل الإعلام اليمينية المتطرفة خطاب العنصرية والكراهية".

 

ويؤكد أن الاستقلالية لا تقتصر فقط على الخط التحريري، بل تشمل أيضاً الجانب المالي، إذ ينبغي أن يتمتع الإعلام العمومي بموازنة مستقلة ومستقرة. ويقارن في هذا السياق مع نموذج قناة "بي بي سي" في المملكة المتحدة، حيث يتم تحديد موازنتها بصورة دورية لسنوات عدة، نحو خمس سنوات. في المقابل، يشير إلى أن موازنة الإعلام العمومي في فرنسا والتي تحدد كل سنة تعرف ضغوطاً متواصلة وتخفيضات متكررة، وهو ما قد يؤثر في أدائه واستقلاليته على المدى الطويل.

وفي ما يتعلق بمواقف الأحزاب السياسية من نشر التقرير، يوضح الصحافي محمد فرحات أن هناك تبايناً واضحاً بين مختلف التيارات، فالأحزاب اليسارية، وعلى رأسها حزب فرنسا الأبية، تعارض هذا التقرير، بل كانت رافضة للجنة منذ بداية تشكيلها.

ويضيف أن الانتقادات الموجهة للإعلام العمومي ليست غائبة، إذ توجد بالفعل نقاط تستدعي المراجعة والنقاش، غير أن ذلك لا يبرر، بحسب تعبيره، شيطنة هذا القطاع أو تحميله مسؤولية اختلالات لا تعكس الواقع بدقة.

ويشير إلى أنه كان من الأجدر اعتماد مقاربة متوازنة تشمل أيضاً الإعلام الخاص، بدل التركيز الحصري على الإعلام العمومي. ويلفت إلى أن بعض وسائل الإعلام الخاصة ذات التوجهات اليمينية المتشددة، مثل "سي نيوز" و"فرنتيار"، تتهم بنشر خطاب متطرف أو إقصائي، ومع ذلك لم تحظَ بنفس مستوى التدقيق أو الانتقاد من قبل اللجنة.

ويخلص إلى أن هذا التفاوت في التعامل يطرح تساؤلات حول معايير التقييم وحدود الحياد في مقاربة ملف الإعلام داخل هذا التقرير.

التصويت لا يعني اعتماد التقرير

يقول المحامي والمتخصص في مجال القانون الدولي مجيد بودن إن التصويت على تقرير اللجنة البرلمانية حول كيفية عمل تمويل وحياد الإعلام العمومي في فرنسا تم بغالبية ضئيلة جداً، وهو ما يعني الموافقة على نشر التقرير فحسب، ولا يعني وجود اتفاق على مضمونه أو توصياته.

ويضيف قائلاً "هذا التقرير يندرج ضمن إطار عمل البرلمان. أولاً، في ما يخص المسار البرلماني، هناك قوانين وأنظمة داخل البرلمان تفرق بين التصويت على نشر التقرير والتصويت على اعتماد محتواه. بالتالي، فإن هذا التصويت يقتصر على نشر التقرير فحسب، ولا يعد تصويتاً على تبني مضمونه أو الالتزام به أو تقديمه للجلسة العامة للبرلمان"، مشدداً في الوقت نفسه على أن التصويت العام في البرلمان يمر عبر مراحل أخرى، قد لا تكون متوافرة في هذه الحالة، حيث يفترض أن يطرح التقرير للنقاش، وتثار حوله تساؤلات، ثم يعرض على اللجنة، وبعدها يحال إلى النواب للتصويت عليه والمصادقة.

غير أن هذه المراحل لم ترد في هذا السياق، ما يعني حسب تصريح المتخصص في مجال القانون الدولي مجيد بودن، أن العملية كانت مجرد تصويت على نشر تفاصيل التقرير، من دون أن يفهم من ذلك وجود توافق أو اتفاق على محتواه، وإنما فقط لعدم الاعتراض على نشره.

وللحديث عن محتوى وتفصيل التقرير، يشير المتخصص في مجال القانون الدولي إلى أن من ترأس لجنة التحقيق البرلمانية، والذي تم الاستماع إلى عديد من المسؤولين في الإعلام العمومي تحت إشرافه، ينتمي إلى التيار المعتدل. في المقابل، كان مقرر اللجنة، المسؤول عن صياغة التقرير، من اليمين المتطرف، وهو متحالف مع مارين لوبن وجوردان بارديلا. بالتالي، لم يتمكن من فرض غالبية محتوى التقرير.

يوضح مجيد بودن، عند حديثه عن المقترحات التي يسعى التقرير إلى تقديمها، أن هناك توجهاً لإدماج قناتي "فرنس2" و"فرنس5" ضمن قناة واحدة، أي توحيد القنوات العمومية في كيان إعلامي موحد. ويشير إلى وجود مقترح لتخفيض الموازنات، بخاصة في ما يتعلق ببرامج الترفيه، حيث سيتم تقليصها بصورة كبيرة. أما في ما يخص الرياضة، فسيتم تقليص الموازنة المخصصة لها بنحو الثلث، وهو ما من شأنه أن يفتح المجال أمام نوع من التوازن أو "التنفس" بين القطاعين العام والخاص.

ومن بين المقترحات أيضاً، تعيين رؤساء القنوات العمومية من قبل رئيس الجمهورية، خلافاً لما هو معمول به حالياً، حيث تتولى هيئة مستقلة دراسة الملفات والترشحات وفق معايير الحياد والاستقلال والكفاءة المهنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى بودن أن هذه التوجهات تمثل نوعاً من التراجع، قد لا يكون مقبولاً لدى المجتمع الفرنسي في الوقت الراهن، معتبراً أنها محاولة ذات أبعاد سياسية، بخاصة من قبل اليمين المتطرف، الذي قد يسعى إلى التحكم في تعيين رؤساء القنوات. ويقارن ذلك بما حدث في المجر في عهد فيكتور أوربان، حيث أدى التحكم في الإعلام إلى نتائج عكسية، وواجه رفضاً شعبياً في الانتخابات البرلمانية.

ويؤكد أن هذا التقرير لا يمثل الغالبية، ومن غير المتوقع أن يتم التصويت عليه بصيغته الحالية، بل يظل في إطار النشر والتداول فقط، إضافة إلى أن الأحزاب السياسية، سواء من اليمين المعتدل أو اليسار أو الوسط، لا تدعم مثل هذه التغييرات.

في سياق آخر، يشير مجيد بودن إلى أن ما يحدث حالياً يعكس وجود إرادة لإجراء إصلاحات، بخاصة أن مؤسسات الدولة، لا سيما الإعلامية منها، تحتاج بعد فترات طويلة إلى تقييم أدائها، ومن ثم إدخال إصلاحات، غالباً ما تكون ذات طابع مالي، بهدف تقليص الكلف وجعلها أكثر كفاءة وفاعلية.

قوة التمويل وتحديات الاستقلال

في الخلاصة، يعد الإعلام العمومي الفرنسي أحد أكبر المنظومات الإعلامية في أوروبا من حيث الحجم والتمويل، إذ تقدر موازنته السنوية بنحو 4 إلى 4.5 مليارات يورو. ويشمل هذا القطاع مؤسسات رئيسة مثل "فرنس تلفزيون" و"راديو فرنس"، إضافة إلى الهيئة التنظيمية "أركوم" ويعمل في هذا القطاع ما يقارب 14 ألف موظف في "راديو فرنسا" وحدها، فيما تصل بعض القنوات العمومية إلى جمهور يومي يقدر بعشرات الملايين داخل فرنسا، مما يعكس حجم تأثيره في المشهد الإعلامي الوطني.

ومنذ عام 2022، وبعد إلغاء رسوم السمعي البصري التي كانت تعد المصدر المباشر لتمويله، أصبح الإعلام العمومي يعتمد على موازنة الدولة، وهو ما أعاد فتح نقاشات سياسية واقتصادية حول آليات التمويل ومستوى الاستقلالية. وفي هذا السياق، تتواصل النقاشات في فرنسا بين من يدعو إلى تحديث هذا القطاع وتعزيز كفاءته، ومن يحذر من أن تقليص الموارد أو إعادة الهيكلة قد يؤثر في تنوعه وقدرته على الحفاظ على استقلاليته التحريرية.

ويرى بعض المحللين السياسيين أن جزءاً من الجدال القائم حول هذا الملف يعكس صراعاً أوسع حول دور الإعلام العمومي، حيث يعتبرون أن بعض التيارات في اليمين واليمين المتطرف تسعى إلى إعادة تشكيله أو إضعافه، بما قد يفتح المجال أمام الإعلام الخاص الذي يتهم أحياناً بتبني توجهات أيديولوجية أكثر انغلاقاً أو قومية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير