ملخص
في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تبرز نواكشوط كشريك استراتيجي نادر يجمع بين الاستقرار الأمني والدبلوماسية المتوازنة، مما يجعلها في قلب إعادة تشكيل الحضور الفرنسي في أفريقيا، وتعد موريتانيا من بين الدول القليلة من المستعمرات الفرنسية السابقة التي لم تستضف قاعدة عسكرية فرنسية، إلى جانب غينيا ومدغشقر وجزر القمر.
في وقت بلغت المبادلات التجارية بين فرنسا وموريتانيا نحو 323 مليون يورو (381.97 مليون دولار) عام 2023، مع وجود أكثر من 40 شركة فرنسية توفر ما يزيد على 2000 فرصة عمل، وتعزيز الاستثمارات التي تجاوزت 155 مليون يورو (183.30 مليون دولار) في بعض المشاريع الكبرى، تتجه الأنظار إلى الزيارة التي يقوم بها محمد ولد الغزواني إلى باريس بدعوة من إيمانويل ماكرون، والتي تأتي في سياق إقليمي معقد، إذ استقبلت موريتانيا أكثر من 300 ألف لاجئ، وتعد شريكاً رئيساً للاتحاد الأوروبي في إدارة تدفقات الهجرة، إلى جانب دورها المتنامي في مكافحة الإرهاب، بخاصة أنها لم تشهد هجمات كبرى منذ عام 2011.
وفي ظل تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، تبرز نواكشوط كشريك استراتيجي نادر يجمع بين الاستقرار الأمني والدبلوماسية المتوازنة، مما يجعلها في قلب إعادة تشكيل الحضور الفرنسي في أفريقيا، وتعد موريتانيا من بين الدول القليلة من المستعمرات الفرنسية السابقة التي لم تستضف قاعدة عسكرية فرنسية، إلى جانب غينيا ومدغشقر وجزر القمر.
في المقابل، يواجه هذا التعاون انتقادات متكررة من منظمات حقوق الإنسان، التي تندد بما تصفه بانتهاكات في حق المهاجرين، فيما تدعو منظمات غير حكومية الشركاء الأوروبيين، بما في ذلك فرنسا، إلى تشديد شروطهم المرتبطة باحترام الحقوق الأساسية.
ورقة توازن نادرة
يوضح الباحث في الشؤون الأفريقية، إبراهيم إدريس سليمان "في لحظة يتسارع صراع النفوذ الدولي في أفريقيا بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا، تبرز موريتانيا كحجر زاوية نادر في منطقة تتآكل فيها مراكز الثقل التقليدية بسرعة، خصوصاً مع تفاقم الأزمة في تشاد، وتعمق الحرب في السودان".
ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، أن "تمدد الحركات الإسلامية المسلحة من شمال مالي نحو الحدود الموريتانية يفاقم من تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة، هذا الواقع يجعل من نواكشوط، بالنسبة إلى باريس، شريكاً لا غنى عنه، ليس فقط باعتبارها آخر دولة مستقرة في الساحل بعد تراجع النفوذ الفرنسي في مالي والنيجر، بل أيضاً لاعتمادها دبلوماسية هادئة وواقعية، ويقارن هذا النهج بالتجربة العمانية في الخليج، إذ نجحت مسقط في أداء دور الوسيط المتوازن والحفاظ على تماسك بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وفي لحظة تتسابق فيها واشنطن وموسكو وبكين وباريس على إعادة رسم خرائط النفوذ في القارة الأفريقية، يشير سليمان إلى أن موريتانيا تتجنب الانتظام في صراعات المحاور، مفضلة انتهاج سياسة متوازنة في علاقاتها مع القوى الكبرى، مما يمنحها قدرة نادرة على التواصل مع أطراف متعارضة، في وقت تتراجع قدرة باريس على التأثير المباشر في محيطها التقليدي.
ويخلص الباحث إلى أن الزيارة التي قام بها محمد ولد الغزواني إلى باريس تكتسب أهمية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تمثل بالنسبة إلى فرنسا فرصة لإعادة تثبيت حضورها في منطقة الساحل عبر دولة توصف بأنها "عمان غرب أفريقيا"، وفي ظل تصاعد التوترات الدولية، لا سيما المرتبطة بالنزاع الإيراني وأهمية الأزمات الراهنة باعتبارها حجر الزاوية في المشهد السياسي الدولي، تبرز موريتانيا كفرصة لتعزيز التوازن الإقليمي والدولي.
في الاستراتيجية الفرنسية
يوضح المحلل السياسي المتخصص في الشأن الفرنسي نبيل شوفان أن توقيت زيارة الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس ولقائه نظيره إيمانويل ماكرون يفيد دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي لتعكس تحولات أعمق في مقاربة فرنسا لملف الساحل، في ظل تراجع نفوذها بصورة واضحة في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بعد سلسلة الانقلابات العسكرية وقطع العلاقات مع باريس.
يرى شوفان أن هذه الزيارة تبدو جزءاً من إعادة تموضع فرنسي يسعى إلى الحفاظ على موطئ قدم في المنطقة عبر شركاء ينظر إليهم على أنهم أكثر استقراراً وموثوقية، وفي مقدمهم موريتانيا، ويقرأ هذا التقارب على أنه محاولة فرنسية لتعويض الخسائر الاستراتيجية التي منيت بها في الساحل، من خلال تعزيز علاقاتها مع نواكشوط، مع العلم أن نواكشوط لم تنتظم في مسار القطيعة مع باريس، بل حافظت على تعاون أمني وتقني قائم على التدريب والاستخبارات، واحتفظت في الوقت نفسه بالاستقلالية السيادية، وهو ما يجعل منها نموذجاً مختلفاً في المنطقة، وأحد آخر الشركاء الذين يمكن لفرنسا الاعتماد عليهم في مقاربة التحديات الأمنية المتفاقمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالجماعات الإرهابية في الساحل، يوضح شوفان أن "هذه الزيارة تكتسب أهمية مضاعفة، إذ تؤكد مركزية الملف الأمني في العلاقات الثنائية، فموريتانيا التي لم تشهد هجمات إرهابية على أراضيها منذ عام 2011 تقدم في الخطاب الفرنسي كشريك قادر على تقديم نموذج للاستقرار النسبي في محيط إقليمي شديد الاضطراب، خصوصاً أن موقعها الجغرافي، عند تقاطع غرب أفريقيا والمغرب العربي، يمنحها دوراً محورياً في احتواء تداعيات الأزمات الأمنية والهجرات غير النظامية".
ويستند شوفان في تحليله إلى تصريح ماكرون الذي أكد أن زيارة الغزواني تمثل "إشارة صداقة وثقة ووضوح في عالم يتغير"، وتشديد الرئيس الفرنسي على أن موريتانيا تعد "شريكاً أساسياً" لفرنسا بحكم موقعها الجغرافي عند ملتقى العالم العربي وأفريقيا، وكذلك خياراتها القائمة على الاستقرار والحوار والسيادة، فضلاً عن دورها في منطقة ساحلية تعاني اضطراباً عميقاً.
وكان الرئيس الفرنسي أشاد بما وصفه بـ"الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية" اللذين أظهرتهما موريتانيا في مواجهة الأزمات والإرهاب والاتجار غير المشروع والتأثيرات الخارجية التي تسعى إلى إضعاف الدول، معتبراً أن باريس ونواكشوط اختارتا معاً طريق الشراكة واحترام السيادة والعمل المشترك من أجل دعم جهود بلدان المنطقة وتجنب مزيد من زعزعة الاستقرار.
من جانبه أكد الرئيس الموريتاني أن الزيارة "تمثل على نحو مثالي عمق الروابط التي تجمع موريتانيا وفرنسا"، مشيراً إلى أن الملف الأمني في الساحل يظل أولوية كبرى بالنسبة إلى بلاده.
في هذا الإطار، يقول شوفان "لقد حذر الغزواني من احتمال انزلاق الوضع في الساحل إلى مزيد من التأزم وتوسع هذا التأزم، معتبراً أن تداعيات مثل هذا السيناريو ستكون كارثية على مجمل المنطقة، وستؤثر بصورة كبيرة في أنماط الهجرة العالمية، ودعا إلى تعزيز التعاون مع فرنسا، كذلك تطرق إلى الحرب في الشرق الأوسط والجهود التي تبذلها موريتانيا لحماية سكانها من انعكاساتها الاقتصادية، مطالباً بمزيد من الدعم من الشركاء الفرنسيين والأوروبيين".
في الجانب الاقتصادي، يذكر شوفان أن ماكرون كان قد أكد ضرورة ترجمة الشراكة إلى نتائج ملموسة، معتبراً موريتانيا "بلد فرص"، ومشيراً إلى استثمارات فرنسية بارزة، منها 155 مليون يورو (183.30 مليون دولار) لشركة "ميريديام"، ونشاط نحو 40 شركة توظف أكثر من 2000 موريتاني، كذلك أبرز مشاريع لتعزيز المياه والطاقة، إلى جانب مضاعفة فرنسا تمويلاتها التنموية لدعم موريتانيا، بخاصة في استيعاب أكثر من 300 ألف لاجئ.
ويضيف أن هذه الزيارة ركزت أيضاً على ملفي الهجرة والأمن البحري، إذ تعد موريتانيا نقطة عبور رئيسة نحو أوروبا وشريكاً أساساً لفرنسا والاتحاد الأوروبي في الحد من الهجرة غير النظامية، على رغم انتقادات منظمات حقوقية، وفي المقابل، تسعى نواكشوط إلى تعزيز مراقبة مياهها الإقليمية لمواجهة الصيد غير القانوني، في قطاع يمثل نحو 10 في المئة من الناتج المحلي و50 في المئة من الصادرات.
ويفيد شوفان أن برنامج الزيارة شمل زيارة إلى بريست للاطلاع على منشآت بحرية وبحث التعاون في هذا المجال، إلى جانب لقاءات سياسية في باريس، على أن تختتم بالمشاركة في منتدى أعمال مع "ميديف" لتعزيز الشراكة الاقتصادية، وتبقى فرنسا أول ممول تنموي لموريتانيا بـ39 مشروعاً، فيما بلغت المبادلات التجارية 323 مليون يورو (381.97 مليون دولار) في 2023، مع تبادل يشمل المنتجات الزراعية والصيد وخام الحديد، واهتماماً متزايداً بالغاز البحري.
بحسب نبيل شوفان، تشير رهانات الزيارة إلى تثبيت الشراكة الثنائية، وإلى إعادة صياغة الحضور الفرنسي في الساحل على أسس جديدة أقل عسكرة وأكثر اعتماداً على التعاون الاقتصادي والتنمية والثقافة ودعم القدرات المحلية، مقابل رغبة موريتانية في تعزيز حضورها الدولي ضمن توجه نحو شراكة أوسع تجمع الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
ما سيحمله المستقبل
مدير مركز أفريقيا جنوب الصحراء في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية آلان أنتيل، يرى أن هذه الزيارة تجسد نموذجاً لعلاقة هادئة بين فرنسا وإحدى مستعمراتها السابقة، تتسم بقدر أكبر من التوازن، إذ يمكن التعبير عن التباينات في وجهات النظر من دون أن يشعر أي من الطرفين بالإهانة.
ويوضح أن "موريتانيا، بخلاف بعض الدول مثل مالي التي اعتمدت بصورة كبيرة على فرنسا، نجحت في الحفاظ على سيادتها الكاملة على إدارة ملفها الأمني، مع مواصلة التعاون مع باريس في هذا المجال، وبين تراجع النفوذ الفرنسي وصعود الدور الموريتاني، تتغير خرائط التأثير في الساحل الأفريقي، وهكذا، تبرز موريتانيا اليوم كفاعل أساس في معادلة الاستقرار الإقليمي، وشريك لا يمكن تجاوزه في الحسابات الفرنسية داخل أفريقيا، وفي المحصلة تعكس هذه الزيارة مرحلة جديدة في العلاقات بين باريس ونواكشوط، تقوم على شراكة أكثر براغماتية تفرضها التحولات العميقة في ميزان القوى داخل منطقة الساحل".
في سياق أمني وإنساني متزايد التعقيد، تستقبل موريتانيا اليوم أكثر من 139 ألف لاجئ مالي مسجلين رسمياً وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إضافة إلى آلاف الطلبات الجديدة، بما يعكس استمرار تدفقات الهجرة من منطقة الساحل، وسجلت السلطات الموريتانية أكثر من 30 ألف عملية ترحيل لمهاجرين غير نظاميين خلال عام 2025، في إطار تعاون مكثف مع الشركاء الأوروبيين لتعزيز مراقبة الحدود الجنوبية لأوروبا.
في المقابل، تؤكد التقارير الدولية أن موريتانيا أصبحت محوراً رئيساً في إدارة ملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، في ظل دعم أوروبي تجاوز 80 مليون يورو (94.60 مليون دولار) منذ عام 2015 لتعزيز القدرات الأمنية والرقابية على الحدود.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يأتي هذا الدور في وقت يشهد الساحل الأفريقي إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، مع تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من الدول وارتفاع أهمية الشركاء الأكثر استقراراً. وتعززت مكانة موريتانيا، خصوصاً بعد التحولات السياسية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كأحد آخر الشركاء المستقرين لباريس في غرب أفريقيا، مستفيدة من استقرارها الأمني النسبي واستمرار تعاونها في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة.
ومن منظور فرنسي تكتسب موريتانيا أهمية متزايدة باعتبارها أحد آخر الشركاء المستقرين لباريس في منطقة الساحل، خصوصاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مما جعل نواكشوط محوراً أساساً في مقاربة باريس الجديدة للمنطقة، التي تركز على التعاون الأمني والاستخباراتي بدل التدخل المباشر، وتظهر البيانات الاقتصادية استمرار الحضور الفرنسي في موريتانيا، إذ بلغت المبادلات التجارية بين البلدين نحو 323 مليون يورو (381.97 مليون دولار) في 2023، مع توسع الاستثمارات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع موريتانيا الاستمرار في أداء دور الوسيط المستقر بين أوروبا ومنطقة الساحل، من دون أن تتحول إلى ساحة ضغط دائمة بين متطلبات الأمن من جهة، واعتبارات حقوق الإنسان من جهة أخرى؟