Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جدة ومحطات فارقة في تعزيز أمن دول المنطقة العربية

من المؤتمر الذي جمع بين العراق والكويت قبل الغزو حتى آخر قمة ظلت المدينة الساحلية منصة لإعادة الصراعات في المنطقة إلى نقاط السيطرة

المؤتمر الشعبي الكويتي أسقط دعاوى العراق(سوشيال ميديا)

ملخص

شهدت السعودية ومدينة جدة بالتحديد كثيراً من المؤتمرات الحساسة والمفصلية في تاريخ الدول التي توجهت لها لإيجاد حلول عاجلة. ومن ثم اكتسبت المدينة القابعة في غرب السعودية الزخم الدولي كونها أصبحت منصة لصنع القرارات ومناقشة القضايا الراهنة ووجهة موثوقة شهدت الحلول للتحديات التي تواجه المنطقة الخليجية والعربية.

لم يكن انعقاد القمة الخليجية في مدينة جدة الثلاثاء 28 أبريل (نيسان) الماضي، إلا دلالة على مواصلة المملكة العربية السعودية جهودها الفعلية لاحتواء اضطرابات المنطقة الحالية. ففي ظل ما تشهده الساحة الإقليمية من ضغوط وتوتر جراء حرب امتدت شهرين بين مثلث النزاع الأميركي الإسرائيلي وإيران، وتوسع دائرة الحرب في تصعيد تاريخي يشمل دول الخليج العربي مع تعثر مسار مفاوضات الوسيط الباكستاني وهدنة غامضة الملامح حتى الآن، تقود السعودية بدورها المعتاد القمة الخليجية في جدة بهدف بحث تطورات الأوضاع الراهنة في المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع استهداف إيران ووكلائها للمنشآت الحيوية والبنى التحتية لدول الخليج.

هذه القمة هي تحرك جماعي خليجي موحد لحماية المصالح الاستراتيجية وضمان استقرار المنطقة. وهي ليست القمة الأولى في تاريخ القمم والمؤتمرات الاستثنائية في السعودية، بل هي سلسلة ممتدة من الاجتماعات لقادة دول مجلس التعاون الخليجي ورؤساء الدول العربية على مدار التاريخ.

وقد شهدت السعودية ومدينة جدة بالتحديد كثيراً من المؤتمرات الحساسة والمفصلية في تاريخ الدول التي توجهت لها لإيجاد حلول عاجلة. ومن ثم اكتسبت المدينة القابعة في غرب السعودية الزخم الدولي كونها أصبحت منصة لصنع القرارات ومناقشة القضايا الراهنة ووجهة موثوقة شهدت الحلول للتحديات التي تواجه المنطقة الخليجية والعربية.

جدة واستضافة المؤتمر الشعبي الكويتي 1990

غزا النظام العراقي بقيادة صدام حسين دولة الكويت في أغسطس (آب) 1990 بعد خروج بلاده من الحرب الإيرانية 1980-1988 بخسارة كبيرة وعجز مالي، مما دفعه للمطالبة بإسقاط الديون العراقية في مقابل حمايتها من أي تجاوز إيراني. ولم يكن هذا السبب الوحيد لغزو العراق كما هو معلوم، بل شكلت الخلافات الحدودية لا سيما على حقل الرميلة النفطي المشترك بين الدولتين، ورؤية صدام المتوجسة لنوايا الولايات المتحدة بعد التراجع السوفياتي في أواخر 1989، سياقاً من ملامح الحرب الباردة مس الأمن الداخلي الكويتي، ووصلت إلى محاولة اغتيال الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح آنذاك، وانتهت بحشد القوات العراقية في الثاني من أغسطس 1990 وتشكيل حكومة صورية برئاسة العقيد علاء حسين.

استطاعت حكومة آل صباح في تلك المرحلة ضبط النفس في ظل ادعاءات تمس شرعية حكمهم ومطالبات خارجية بعمل استفتاء شعبي في مرحلة خطرة جداً لمستقبل الخليج كافة. والمفارقة أن المملكة العربية السعودية في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز حاولت في المرحلة الأولى وقبل الاجتياح العراقي بفترة زمنية قصيرة جمع الأطراف الكويتية والعراقية على طاولة الحوار في مؤتمر جدة 31 يوليو (تموز) 1990 رغبة في عدم الوصول لأي تصعيد محتمل وإيجاد تسوية عادلة، إلا أن الرئيس صدام حسين قد بيت النية مسبقاً لغزو الكويت على أي حال.

كان موقف السعودية في تلك المرحلة موقفاً يدرك تبعات هذا الغزو الذي لم يحترم جهود الوساطة السعودية وضرب بعرض الحائط مواثيق وحدود دول الجوار الرسمية والمتفق عليها دولياً. دعت السعودية مع مصر والجامعة العربية لعقد قمة طارئة لإدانة الغزو، في المقابل أثمرت تلك الجهود صدور قرار من مجلس الأمن الدولي في غضون أسبوع بشجب الاجتياح، وطالب العراق بانسحاب فوري من الكويت، وأصدر قراراً بفرض عقوبات اقتصادية على العراق. في المقابل استضافت السعودية قوات تحالفية (درع الصحراء) بقيادة الولايات المتحدة لصد أي توسع عراقي في تلك الفترة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستقبلت في مدينة جدة المؤتمر الشعبي الذي جمع القيادة السياسية الكويتية بدعوة من ولي العهد الكويتي الشيخ سعد العبدالله الصباح وأمير الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح وممثل الملك فهد بن عبدالعزيز آنذاك الأمير ماجد بن عبدالعزيز أمير مكة المكرمة. وهدف المؤتمر الأول هو دحض إشاعات الرئيس صدام بأن الكويت فيها خلاف سياسي كبير في مسألة شكل البرلمان ومحتوى الدستور وخلافات عميقة بين القيادة السياسية والتجار ومختلف فئات الشعب في تشويه متعمد لغرض الإطاحة بحكم آل الصباح.

وبالفعل أجمع هذا المؤتمر الحساس في مدينة جدة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1990 على تأييد حكم أسرة آل الصباح، بموافقة النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة من جميع أطياف المجتمع الكويتي، وصدور بيان للعالم أجمع بأن الشعب الكويتي متوافق مع قيادته الشرعية. وكتب الباحث في السياسة حمد الثنيان في تغريدة عام 2017 في استذكار لموقف الملك فهد بن عبدالعزيز في ذلك المؤتمر، "لا أحد يستطيع تغيير رأيي، أنا حضرت المؤتمر لأسباب، تعود الكويت أولاً لأهلها، هذا الملك فهد، وهذا موقف السعودية".

مؤتمر 2007 لاتفاق المصالحة بين القادة الصوماليين

شكلت الانقسامات العرقية والطائفية منذ القرن الـ16 ميلادي أساس النزاع بين إثيوبيا والصومال واستمرت التوترات طوال الحقب التاريخية كنتيجة حتمية لإمبريالية ذلك العصر. ومع تغير شكل الحكومات القائمة وتغير نهجها الدستوري في الحكم جراء مشروع تسوية وترسيم الحدود بين البلدين في عام 1948، تم منح منطقة (أوغادين) الحدودية لإثيوبيا بإشراف ودعم بريطاني مع معارضة الصومال لهذا القرار، ومحاولات متكررة من الصوماليين لغزو إثيوبيا بهدف استعادة السيطرة على أوغادين التي تضم كثيراً من السكان الصوماليين الذين يعيشون في أوغادين والمختلفين طائفياً وعرقياً مع الأغلبية الإثيوبية المسيطرة وذات التوجه الشيوعي.

هذه التوترات العرقية والسياسية عبر الحدود أدت طوال حقبة زمنية إلى اشتباكات بين الحين والآخر زاد من حدتها تدخل الاتحاد السوفياتي ودعمه العسكري لإثيوبيا. انتهى الأمر في 20 يوليو 2006 إلى غزو القوات الإثيوبية المدعومة من السوفييت للصومال بهدف دعم الحكومة الانتقالية الفيدرالية المعارضة لحكم اتحاد المحاكم الإسلامية الذي يسيطر على جنوب الصومال، التي تخشى انتشاره. وتمكنت من دخول مقديشو وسط معارضة من الدول العربية التي طالبت بانسحاب إثيوبيا، لا سيما مع تدخل إريتريا الداعم لاتحاد المحاكم ضد إثيوبيا مما يعني حرباً محتملة، أوشكت في تلك المرحلة التاريخية أن تكون حرباً أفريقية إقليمية.

مع زيادة الضغط الدولي اضطرت إثيوبيا لإعلان انسحاب قواتها، واستبدالها بقوات حفظ السلام، وبطبيعة الحال خلفت هذه الحرب آثارها السلبية من تصاعد العنف والدمار وظهور حركات تمرد متطرفة معارضة على أساس أيديولوجي حتى بين الصوماليين أنفسهم (كحركة الشباب) الدينية. على هذا الصعيد اقترحت الولايات المتحدة الجلوس على طاولة الحوار بعد جهود دبلوماسية من قبل السفير الأميركي رانبرغر آنذاك الذي اقترح مؤتمر المصالحة الذي عقد في العاصمة الصومالية في 30 أغسطس وانتهى من دون التوصل إلى اتفاق، مما دفع الهيئات الدبلوماسية الأجنبية للدعوة إلى إنهاء الصراع الذي مزق الصومال وأسقط ثالث رئيس لجمهورية الصومال محمد سياد بري.

في تلك الفترة عزمت المملكة العربية السعودية على تعزيز دورها في حل هذه الأزمة إدراكاً منها لأهمية الصومال الجيوسياسية، إذ إن استقراره يسهم في تعزيز استقرار أمن البحر الأحمر وخليج عدن الشريان الاقتصادي للسعودية. ودعت الأطراف المعنية كافة لمؤتمر مصالحة جديد يعقد في مدينة جدة وبرعاية الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وأكدت السعودية لدى استضافتها الجميع ضرورة أن تلتزم كل الأطراف المختلفة بما يتم الاتفاق عليه. وبالفعل وقع الاتفاق بين رئيس الجمهورية الانتقالية الصومالية آنذاك عبدالله يوسف أحمد ورئيس البرلمان الحالي في الصومال آدم محمد نور مدوبي. وتمت الموافقة على نشر قوات عربية أفريقية تحت إشراف الأمم المتحدة، لتحل محل القوات الإثيوبية التي تحتج عليها المعارضة لا سيما الإسلامية منها.

مؤتمر مكافحة تنظيم "داعش" 2014

اتخذت المملكة العربية السعودية إجراءات حازمة بعد تصاعد خطر تنظيم "داعش" في العراق وسوريا نتيجة للاضطراب السياسي والعنف الطائفي وتدخلات الخارجية، مما أدخل دول المنطقة في دوامة تطرف فكري تهدد أمنها الداخلي، وتمثلت تلك الإجراءات في اجتماع مبدئي جمع الملك عبدالله بن عبدالعزيز مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري في تلك الفترة. نتج عنه أن استضافت مدينة جدة مؤتمراً إقليمياً حضره وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر والعراق والأردن ولبنان وتركيا، لبحث سبل مكافحة الإرهاب والتصدي لـ"داعش".

وذكرت أطراف خليجية تعليقاً على ذلك المؤتمر أنه "هجوم استباقي" "وشامل" عسكرياً وفكرياً، خصوصاً بعد أن اختتم المؤتمر أعماله بضرورة تجفيف منابع تمويل التنظيمات الإرهابية المتشددة، وتوقيع جميع الدول المشاركة على بيان يتعهد مواجهة الإرهاب الدولي، ومن ثم اتخاذ استراتيجية القضاء على هذا التنظيم في كل من سوريا والعراق من خلال وقف تدفق الأموال لتنظيم "داعش" والجماعات المتطرفة الأخرى، ورفض خطابات أيديولوجيات الكراهية، ومنع أي شكل من أشكال التجنيد باسم أي جهة مشبوهة.

أكد مؤتمر جدة 2014 الالتزام بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (2170)، الذي يحظر توريد الأسلحة لأفراد مرتبطين بتنظيم "القاعدة" وداعش" ومحاسبة منتهكي القانون الدولي. وقد أيد المؤتمر في تلك الفترة تشكيل حكومة عراقية جديدة وشاملة لكافة القوى السياسية العراقية تتبنى الدفاع عن مصالح المواطنين العراقيين بكافة أطيافه، والمساهمة في جهود الإغاثة الإنسانية، ومساعدة المناطق السكانية التي تعرضت لفظائع تنظيم "داعش"، وذلك من خلال إعادة الإعمار والتأهيل.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل