Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يأتي زمن يصبح فيه العمل مجرد رفاهية؟

دعوة إلى الوقوف دقيقة صمت على روح العقد الاجتماعي الذي لازم البشرية منذ الثورة الصناعية الأولى

توقع ماسك أن يصبح العمل اختيارياً خلال 10 إلى 20 عاماً (أ ف ب)

ملخص

ربما تكون مهمة البشرية بدءاً من عام 2026 وما بعده، هي تعلم كيفية الاستمتاع بالحياة كمهنة بديلة عن أخرى متعبة، وترك عناء الإنتاج لمن لا يملكون جسداً ينهك وروحاً تتعب.

في ساعة متقدمة من مساء الـ17 من أبريل (نيسان)، التقط إيلون ماسك هاتفه الذكي وكتب بضع كلمات حصدت خلال ساعات أكثر من 32 مليون مشاهدة و126 ألف إعجاب، "إن الدخل المرتفع الشامل عبر الشيكات التي تصدرها الحكومة الفيدرالية هو أفضل طريقة للتعامل مع البطالة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي"، وأضاف "سينتج الذكاء الاصطناعي / الروبوتات سلعاً وخدمات تتجاوز بكثير الزيادة في المعروض النقدي، لذلك لن يكون هناك تضخم".

تدوينة لا تتجاوز سطرين، ألقت عود ثقاب مشتعل في أكوام من النظريات الجافة، وقلبت الطاولة على المفاهيم الاقتصادية الكلاسيكية، لأنها لا تقترح تحسين النظام القائم، بل تلمح إلى إمكان تجاوزه بالكامل.

وبينما ينشغل معظم الناس بالسعي وراء قوت يومهم، يلمح رجل يمتلك من الروبوتات ما يكفي لإعادة رسم خريطة العمل البشري، إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل والدولة، والمفارقة أن الشركات التي تقود هذا التحول هي ذاتها التي تسرع وتيرته، وأن من يسهم في تشكيل الأزمة يقدم في الوقت ذاته تصوراً للحل.

لم تكن كلمات ماسك مفاجئة لمتابعي مساره، لكنها جاءت في لحظة مختلفة، لم تعد الأتمتة تهدد الوظائف اليدوية وحدها، بل امتدت إلى المهن المعرفية لتقض مضاجع المحامين والأطباء والمهندسين والكتاب. ومع هذا التوسع يأتي السؤال، ماذا لو لم يكن الحل في البحث عن عمل جديد؟ بل في إعادة تعريف العمل نفسه؟

ومع الاقتراب من منتصف عام 2026، لا تبدو هذه الفكرة حتمية بقدر ما تبدو منطقية، فالأدوات التي تدفعها تتطور بوتيرة أسرع من قدرة السوق على امتصاص آثارها.

من توماس إلى ماسك

بالعودة للتاريخ، نجد أن الكاتب الإنجليزي السير توماس مور كان أول من نثر بذور الفكرة الأولى في القرن الـ16 مع طرحه مفهوم الدخل الأساس في كتابه "يوتوبيا"، ثم ناقشها لاحقاً اقتصاديون كثر، مثل ميلتون فريدمان، أحد أبرز علماء الاقتصاد الأميركيين في القرن الـ20، في صيغة ضريبة الدخل السلبية.

أما النسخة المرتفعة الشاملة المرتبطة بوفرة الذكاء الاصطناعي، فقد بدأت تتبلور بصورة جدية في أروقة التكنولوجيا منذ عام 2020 مع تصاعد قوة نماذج اللغة الكبيرة، لكن المنعطف الأهم للفكرة ظهر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، عندما صرح ماسك صراحة بأن الذكاء الاصطناعي سيصل إلى نقطة اللاعودة في الإنتاجية، مما يتطلب نظاماً مالياً يتجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على العمل في مقابل الأجر.

في هذا التصور، لا يقتصر الطرح على تطوير مفهوم الدخل الأساس الشامل، بل يتجاوزه إلى افتراض أن الإنتاج لم يعد يعتمد على الجهد البشري وحده، بل على منظومات ذكية قادرة على توليد قيمة اقتصادية ضخمة من دون تدخل مباشر من الإنسان.

وباختصار، فإن ما يطرح هنا ليس تحسيناً على نظام قائم، بل إعادة صياغة لشروطه الأساسية.

الاقتصاد الكلاسيكي

مع بزوغ فجر الثورة الصناعية الأولى، نما صراع طويل بين العامل والآلة، ظهرت تجلياته في مراحل مختلفة، لكن في كل المرات السابقة وفرت الآلة وظائف أكثر مما دمرت، لأن الإنتاج ظل مرتبطاً بالطلب البشري. لكن وللمرة الأولى يكسر الذكاء الاصطناعي هذه القاعدة، لا لأنه يستبدل العمالة فقط، بل لأنه يعيد إنتاجه بكلفة هامشية تقترب من الصفر، مما يحد من الحاجة إلى توسيع قاعدة العمالة كما حدث في الموجات الصناعية السابقة.

ولم يكن تصريح إيلون ماسك الأخير في ديسمبر 2025، وما تبعه من تدوينات صادمة قبل أيام، مجرد استشراف تقني لواقع قادم، بل كان في العمق دعوة إلى الوقوف دقيقة صمت على روح العقد الاجتماعي الذي لازم البشرية منذ الثورة الصناعية الأولى.

والسبب الجوهري هو التحول البنيوي في طبيعة الاقتصاد، إذ لم تعد الشركات تعتمد على العمالة البشرية وحدها، بل على خوارزميات وأنظمة تعلم ذاتي قادرة على كتابة المحتوى وتحليل البيانات واتخاذ قرارات تشغيلية وحتى تطوير منتجات جديدة، وبهذا بدأت القيمة الاقتصادية تنتج بصورة متزايدة خارج إطار العمل البشري التقليدي.

بعبارة أدق، نحن لا نشهد سقوطاً كاملاً لمفاهيم الاقتصاد الكلاسيكي، بقدر ما نشهد تآكلاً تدريجياً لافتراضاته الأساسية، إذ لم يعد العمل هو المحرك الوحيد لإنتاج القيمة، بعد أن أزاح الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة الإنسان من قمة الهرم الإنتاجي، لندخل طور تطبيق نموذج يعيد صياغة مفهوم الإنتاجية برمته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الأساس إلى الشامل

ما الذي يجعل طرح ماسك مختلفاً؟ الكلمة المفتاح هي "مرتفع"، إذ لم يعد الحديث اليوم عن دخل يسد الرمق، بل عن حقبة "الدخل المرتفع الشامل" الذي يعد نسخة أكثر سخاء وجرأة من فكرة "الدخل الأساس الشامل". ويعرف عادة بأنه دفعات نقدية دورية لجميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، من دون أي قيود على كيفية إنفاق هذه الأموال، إذ في حين تهدف برامج الدخل الأساس إلى تغطية النفقات الأساسية كالسكن والغذاء والمرافق، يوفر برنامج الدخل المرتفع للأفراد ما يكفي من المال لعيش حياة كريمة.

ويعتمد نموذج الدخل المرتفع على فرضية أن الآلات ستنتج ثروة هائلة بكلفة تقترب من الصفر، وهنا يتحول المال من مكافأة على الجهد إلى أداة لتوزيع الوفرة، أي أنه ينتقل من كونه حافزاً للإنتاج إلى أداة لتنظيم الاستهلاك في اقتصاد مرتفع الوفرة.

قد يبدو غريباً أن يكون حل البطالة هو عدم العمل، لكن هذا هو جوهر الحل الذي يقدمه أحد أبرز مهندسي المستقبل، إذ توقع ماسك في مؤتمر الاستثمار الأميركي - السعودي في واشنطن الذي عقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أن العمل سيصبح اختيارياً خلال 10 إلى 20 عاماً. وشبهه بقرار زراعة الخضراوات في الحديقة الخلفية، "متعب لكن يختاره بعضهم لأنهم يستمتعون به"، أي أشبه بنشاط يمارس بدافع الاهتمام، لا الضرورة.

ماذا لو؟

نحن أمام تحول كبير يضعنا أمام السؤال الوجودي الأصعب: إذا جردتنا الآلة من وظائفنا وأعطتنا الدولة ما يكفي من المال لنعيش بترف، من سنكون حينها؟ وكيف سنتعامل مع واقع يمنحنا السيادة، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام فراغ؟

كبير مسؤولي الأعمال السابق لـ"غوغل إكس" محمد جودت، يؤكد أننا "نتجه نحو عالم قد يصبح فيه الدخل الأساس الشامل حقيقة واقعة، بينما في الوقت ذاته قد يفضي الذكاء الاصطناعي إلى مستويات ثروة لم نشهدها من قبل. يغير هذا التناقض نظرتنا إلى القيمة والعمل والمشاركة، ولعل أهم خطوة هي البدء بفهم هذه التحولات مبكراً، قبل أن تشكل العالم من حولنا بالكامل". لذا ربما تكون مهمة البشرية بدءاً من عام 2026 وما بعده، هي تعلم كيفية الاستمتاع بالحياة كمهنة بديلة عن أخرى متعبة، وترك عناء الإنتاج لمن لا يملكون جسداً ينهك وروحاً تتعب.

وفي نهاية المطاف، لا يناقش الدخل المرتفع الشامل أرقام موازنات ونسب تضخم بقدر ما يطرح سؤالاً أعمق، ماذا يريد البشر من حياتهم حين لا تعود الضرورة الاقتصادية هي المحرك؟ وهل سنفقد شغفنا في العمل إذا توفر المال من دون عناء، أم سنكتشف أن القيمة الحقيقية لم تكن يوماً في الأجر؟

من جهة أخرى، يبقى التمويل أحد أكبر التحديات التي يطرحها هذا النموذج، إذ يفترض وجود فائض اقتصادي كبير ناتج من الأتمتة، لكن تحويل هذا الفائض إلى دخل يوزع اجتماعياً ليس مسألة تقنية فقط، بل سياسية وتنظيمية. وفي هذا السياق، تطرح سيناريوهات عدة، منها ضرائب على أرباح الأتمتة والصناديق السيادية أو أشكال جديدة من ملكية التكنولوجيا، لكن السؤال الأعمق هو من يملك فائض الأتمتة، ومن يقرر توزيعه؟

وفي غياب إجابة واضحة، يبقى الدخل المرتفع الشامل فكرة تتقدم بسرعة، بينما تتأخر آليات تطبيقها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير