ملخص
الصين سبقت العالم في ربط أمن الطاقة بالأمن القومي، ونجحت في ذلك عبر الاستثمار الضخم في النفط والغاز والفحم محلياً، والتوسع الهائل في الطاقة الشمسية والرياح، والتحول السريع نحو السيارات الكهربائية والهجينة، وتطوير الطاقة النووية والمائية والبيولوجية، وبناء مخزونات إستراتيجية هائلة في كل ما يمكن تخزينه، بخاصة في مجالات النفط والغاز.
أزمة مضيق هرمز أكبر أزمة جيوسياسية واقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، وكنت أوضحت في مقالات سابقة أن أزمة هرمز ليست مجرد أزمة نفط أو طاقة، بل هي أزمة شاملة تمتد إلى كل القطاعات، الصناعة والزراعة والسياحة والمواصلات، وحتى سوق العقارات، وأوضحت بأنها ستؤدي إلى ركود وتضخم وربما تغيرات سياسية في بعض البلاد.
مع إغلاق المضيق يواجه العالم شحاً في الإمدادات وارتفاعاً حاداً في الأسعار، وهو ما يؤثر في كل الاقتصادات العالمية، والأخطر أن هذا التأثير لن يقتصر على المدى القصير، بل سيمتد لأعوام، وتشير الأخبار في الأيام الماضية إلى تظاهرات في عدد من دول العالم احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود والسماد، في فرنسا وإيرلندا والنرويج ونيجيريا والفيليبين.
من منظور المنتجين في الخليج: كيف يمكن تجنب تكرار هذه الأزمة مستقبلاً؟ وهل سيجري التحول نحو أنابيب نفط وغاز جديدة تغير خريطة الطاقة في المنطقة؟ أم أن الحل يكمن في تحالفات سياسية وهدن طويلة الأمد لضمان استقرار التصدير؟ وهل سنرى تغيراً كبيراً في نظام اللوجستيات والنقل؟ ومن منظور المستهلكين، ماذا سيحدث للطلب العالمي على النفط والغاز والهيليوم والغاز المسال والمنتجات البترولية عموماً، بخاصة تلك القادمة من دول الخليج؟ وهل ستؤدي الأزمة إلى انخفاض دائم في الطلب على النفط الخليجي؟ وهل يكون هذا الانخفاض نتيجة التحول إلى دول أخرى؟ أم التحول الكامل عن المنتجات النفطية؟
التجارب التاريخية تظهر أن مثل هذه الأزمات تؤدي إلى مزيج من الأمرين، لكن الفرق الجوهري اليوم هو وجود بدائل تقنية واقتصادية لم تكن متاحة سابقاً، ولذلك فمن المتوقع أن يكون تأثير أزمة هرمز على خفض الطلب، بخاصة على النفط والغاز الخليجي، أكبر بكثير مما سبق، وأكبر مما توضحه الدراسات الأكاديمية.
اتجاهان رئيسان ناتجان من الأزمة
ستلجأ الشركات في الدول المستهلكة إلى إعادة تقييم وارداتها لسببين: أولهما إعادة تقييم محافظ الاستيراد، فكل الدول والشركات المستوردة عبر مضيق هرمز بدأت الآن في تقييم أخطار انقطاع الإمدادات، وفي مثال للتوضيح فستسعى اليابان، التي تعتمد بصورة كبيرة على الغاز المسال القادم من الخليج، إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على هرمز، وهذا يعني انخفاضاً مباشراً في الطلب على الغاز الخليجي لمصلحة دول أخرى مثل الولايات المتحدة وربما روسيا مستقبلاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والسبب الثاني هو ارتفاع الكُلف، فارتفاع أسعار الشحن والتأمين بصورة كبيرة لكل السفن القادمة إلى الخليج والخارجة منه سيقلل التنافسية السعرية للنفط والغاز الخليجي، وبالتالي فحتى لو لم ينقطع الإمداد فإن الكلفة النهائية ستصبح أعلى، وهو ما يدفع المستوردين نحو البحث عن بدائل أرخص، ومن أبرز هذه البدائل المتاحة الآن النفط الأميركي، والنفط من غيانا والبرازيل، والغاز المسال من كندا وموزمبيق وموريتانيا وغيرها، لذا فإن تنويع مصادر واردات النفط والغاز أصبح خياراً إستراتيجياً واقعياً.
انخفاض الطلب العالمي: تدمير الطلب أم انخفاض موقت؟
قبل الخوض في التفاصيل يجب التفريق بين "تدمير الطلب" و"انخفاض الطلب"، فتدمير الطلب هو تحول دائم عن المنتج، مثل تحويل محطة كهرباء من النفط إلى الغاز، أو استبدال سيارات البنزين بأخرى كهربائية، وهذا الطلب لا يعود، أما انخفاض الطلب فهو ترشيد استهلاك أو تغيّر موقت في العادات بسبب ارتفاع الأسعار، ويمكن أن ينتعش لاحقاً، ولعل ما يميز الأزمة الحالية عن سابقاتها هو وجود بدائل ناضجة، وهي السيارات الكهربائية والهجينة في قطاع النقل، والطاقة الشمسية والرياح في توليد الكهرباء، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تزيد من كفاءة الاستهلاك.
النموذج الصيني: الدرس الذي سيُعمم
الصين سبقت العالم في ربط أمن الطاقة بالأمن القومي، ونجحت في ذلك عبر الاستثمار الضخم في النفط والغاز والفحم محلياً، والتوسع الهائل في الطاقة الشمسية والرياح، والتحول السريع نحو السيارات الكهربائية والهجينة، وتطوير الطاقة النووية والمائية والبيولوجية، وبناء مخزونات إستراتيجية هائلة في كل مايمكن تخزينه، بخاصة في مجالات النفط والغاز، وهذه السياسات مكّنت الصين من الصمود أمام أزمة هرمز بصورة أفضل من غيرها، ومن المتوقع الآن أن تتبنى دول كثيرة، بخاصة في أوروبا، النموذج الصيني تحت شعار "الأمن القومي" بدلاً من "التغير المناخي"، وهذا التحول سيسمح بتجاوز الجدل حول الجدوى الاقتصادية، وسيجري تمويل مشاريع الطاقة المتجددة وبطاريات التخزين والسيارات الكهربائية بقوة، بغض النظر عن الكًلف.
خلاصة الأمر أن أزمة مضيق هرمز ستسرّع بصورة كبيرة تدمير وخفض الطلب على النفط والغاز، ولا سيما الخليجي منه، لسببين رئيسين، أولهما ارتفاع كُلف الشحن والتأمين، مما يقلل تنافسية المنتجات الخليجية، وثانيهما تبني دول العالم، تحت مظلة الأمن القومي، سياسات التحول نحو الطاقة المحلية والمتجددة والنووية والسيارات الكهربائية والهجينة وبطاريات التخزين، وبذلك قد تكون أزمة هرمز المحفز التاريخي الذي يدفع العالم نحو التقليل من الطلب على النفط والغاز بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، والواضح في الأمر أن الأزمة ستساعد صناعة الفحم، لأن دول الخليج لا تنتجه.