Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خروج تشارلز من عباءة الملكة إليزابيث

الخطاب الذكي والطريف، والمفاجئ في طابعه السياسي، الذي ألقاه العاهل البريطاني أمام الكونغرس، كان سيقابل بالاستهجان فوراً لو ألقاه ستارمر أو ماكرون وغيرهما. لكن قاعة امتلأت بالأميركيين تلقت بدلاً من ذلك درساً بارعاً في التاريخ، وبدا أنهم تابعوه وأصغوا إليه

يبدو أن تشارلز الثالث بات يجيد مخاطبة ترمب بمهارة نادرة. وإلا كيف كان له أن يطلق مزحة عن التغييرات التي طرأت على الجناح الشرقي منذ زيارته الأخيرة، من دون أن يثير غضبه؟ (رويترز)

ملخص

الملك ديمقراطي، وقد يكون، في قرارة نفسه، أقرب تعاطفاً إلى الديمقراطيين المنتشرين حوله في القاعة، قياساً إلى نمط التصفيق الحار وقوفاً، منه إلى معسكر "ماغا" ومع ذلك، فقد نجح في استدراجهم إلى التفكير في المأزق الذي تواجهه بلادهم والعالم.

كما ألمح هو نفسه، لم يكن سهلاً قط أن يخلف والدته. لكن تشارلز، في خطابه أمام الكونغرس، خرج من النفوذ الراسخ والمديد الذي خلفته الملكة الراحلة، بثقل حضورها العالمي و70 عاماً من الحكم. وفي ذلك تذكير بأن المؤسسات قد تكون أكبر من أكثر قادتها مجداً، وهو ما تحتاج إليه بريطانيا اليوم تحديداً، خلال وقت تفتقر فيه إلى كثير من عناصر القوة "الصلبة" وتعتمد أكثر من أي وقت على ما تملكه من قوة ناعمة.

كان خطاباً رشيقاً وذكياً، ألقي بالنبرة المتحفظة المدروسة نفسها التي استخدمتها والدته بفاعلية كبيرة، وقد نجح. وكما أشار هو نفسه، فإن في الأمر مفارقة أن يتمكن ملك وراثي من الحضور إلى عاصمة أمة رفضت بعنف حكم جده الخامس، جورج الثالث، ثم يلقي عليها محاضرة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكنه نجح في تمرير ذلك بفضل نكتة جيدة أداها بإتقان: "كما تعلمون، فإن الملك جورج لم تطأ قدماه أميركا قط. وأرجوكم اطمئنوا، سيداتي سادتي، فلست هنا ضمن عملية التفاف ماكرة". هذا النوع من الفكاهة القائمة على التقليل من الذات لا ينجح إلا حين يتمتع صاحبه بقدر حقيقي من الهيبة. وعلى رغم سمعته بوصفه رجلاً كثير القلق، فقد بدا مستمتعاً بمسيرته الجديدة في الكوميديا التقدمية، كأنه ستيوارت لي أرستقراطي.

الملك ديمقراطي، وقد يكون، في قرارة نفسه، أقرب تعاطفاً إلى الديمقراطيين المنتشرين حوله في القاعة، قياساً إلى نمط التصفيق الحار وقوفاً، منه إلى معسكر "ماغا". ومع ذلك، فقد نجح في استدراجهم إلى التفكير في المأزق الذي تواجهه بلادهم والعالم. فحين قال إن "الإيمان المسيحي، بالنسبة إلى كثر هنا وبالنسبة إليَّ شخصياً، يشكل مرساة راسخة وإلهاماً يومياً يوجهنا، لا على المستوى الشخصي فحسب، بل معاً أيضاً بوصفنا أعضاء في مجتمعنا"، كان من المؤكد أنه سيكسب إلى جانبه جمهور المتدينين الإنجيليين. وسرعان ما أتبع ذلك بعرض سريع ولطيف لعمله الخاص في مجال "الحوار بين الأديان"، ثم قال، بلغة توراتية ملائمة: "ولهذا آمل، وأصلي، أن نتمكن في هذه الأوقات المضطربة، من خلال العمل معاً ومع شركائنا الدوليين، من الحؤول دون انزلاق موارد القوة إلى الحرب. وكانت الرسالة واضحة لمن أراد أن يفهمها، فيما كان بوسع الآخرين أن يتلقوا هذا الكلام بوصفه موعظة بريئة لا أكثر.

وكان قادراً على أن يكون مباشراً، لكن من داخل اللغة التي يجلها الأميركيون في نظامهم الدستوري، الذي يحتفلون به هذا العام. ظهر ذلك حين شدد على الحريات التي أرساها "الميثاق الأعظم [الوثيقة الدستورية الأولى (الاوروبية)] Magna Carta، مثل الحق في المثول أمام القضاء، وهي مبادئ ما زالت حاضرة في اجتهادات المحكمة العليا الأميركية، وكذلك على مبدأ "الضوابط والتوازنات" الذي يحد من السلطة التنفيذية. ومن الطبيعي أن يقف ويصفق جمهور نشأ على تقديس هذه القيم، ويؤدي، من مشرعين وقضاة وعسكريين، قسم الولاء للدستور، حين يسمعها تتردد أمامه من جديد. لكن الجميع كان يعرف تماماً إلى من وجهت هذه الرسائل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وينطبق الأمر نفسه على تلميحات الملك إلى خدمته في البحرية الملكية، وإلي  رص حلفاء الـ"ناتو" الصفوف [ودعمهم مساعي واشطن] بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول). ولم تكن زيارة الملك والملكة إلى نيويورك مرة أخرى لتقديم واجب التعزية نابعة من الحزن العميق والشعور بالواجب فحسب، بل حملت أيضاً رسالة أوسع، وكان ذلك مفهوماً للجميع. ولاحقاً، في مأدبة العشاء الرسمية، واصل هذه المعاني، مازحاً بأن إليزابيث الثانية اضطرت بدورها إلى إعادة ضبط العلاقات عندما تسببت أزمة السويس عام 1956 في صدع سابق عبر الأطلسي.

لذلك، كانت هذه الخطابات أكثر "سياسية" من تلك التي ألقتها والدته أو جده جورج السادس خلال زياراتهما إلى الولايات المتحدة. وكانت مغامرة، نظراً إلى ما نعرفه جميعاً من سرعة انفعال دونالد ترمب، وإلى مدى تدهور علاقته بكير ستارمر، الذي كان قد جمعته به في وقت من الأوقات ألفة غير متوقعة. ويبدو أن تشارلز الثالث بات يجيد مخاطبة ترمب بمهارة نادرة. وإلا كيف كان له أن يطلق مزحة عن التغييرات التي طرأت على الجناح الشرقي للبيت الأبيض منذ زيارته الأخيرة، من دون أن يثير غضبه؟ أو من إشارة، كانت ستبدو في ظروف أكثر اعتيادية روتينية وغير مثيرة للجدل، إلى "أوكرانيا وشعبها الأشد شجاعة"؟ وعلى خلاف ما توقعه كثر، دخل الملك إلى هذه المنطقة الحساسة ولم يواجه أي مقاطعة أو استهجان. ومن المستحيل تصور أن ستارمر أو الرئيس ماكرون أو المستشار ميرتس كان يمكن أن ينصت إليهم بالطريقة نفسها.

هكذا أثبت الملك أن دوره وازن ومفيد في خدمة مصالح بلاده، وربما العالم أيضاً. لقد فعل ما في وسعه، ولعله دفع بعض الجمهوريين إلى التفكير في الوجهة التي تمضي إليها بلادهم. أما ما إذا كان هذا النجاح الدبلوماسي سيترك أثراً دائماً في الشرق الأوسط أو في حروب الرسوم الجمركية، فذلك أمر يستدعي كثيراً من التحفظ. فحتى في أيد بهذه المهارة، تظل للقوة الناعمة حدودها، ولا سيما في بلد يفضل نسختها العسكرية، ويقوده رجل يبدو كأنه يتمنى لو كان ملكاً بالفعل، بل ملكاً مطلقاً. لقد كان ترمب وأميركا في حاجة إلى هذا الدرس الصغير في التاريخ من تشارلز.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل