Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسائل تشارلز الخفية خلال خطابه أمام الكونغرس

قدم ملك بريطانيا رؤية للدور الأميركي في العالم تتناقض مع سياسات ترمب من دون أن يذكره

الملك تشارلز عقب إلقاء خطابه في الكونغرس الأميركي (رويترز)

ملخص

أعاد الملك تشارلز تعريف الدور الأميركي عالمياً بطريقة تختلف عن نهج ترمب من دون ذكر اسم الرئيس الأميركي. استخدم المسيحية كمرجعية أخلاقية مشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة، داعياً إلى السلام والتفاهم بين الأديان بدلاً من التوظيف السياسي للدين. وشدد على أهمية وحدة "الناتو" ودعم أوكرانيا ورفض الانعزال، في مقابل سياسات "أميركا أولاً"، وتطرق ضمنياً إلى قضايا المناخ، محذراً من تدهور الأنظمة الطبيعية.

ضمن خطاب ملكي حمل كثيراً من الرسائل في شأن المشهد الدولي الذي يضج بالفوضى، تحدث ملك بريطانيا تشارلز الثالث أمام الكونغرس الأميركي أمس الثلاثاء، في خطاب هو الثاني من نوعه الذي يلقيه عاهل بريطاني في "الوايتهول" منذ خطاب والدته الملكة الراحلة إليزابيث الثانية عام 1991. 

بطبيعة الخطابات الملكية، التزم الملك تشارلز الحياد تماماً خلال خطابه الذي استمر نحو 28 دقيقة، متجنباً أية انتقادات لسياسات مستضيفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن في الوقت نفسه بدت عناصر الخطاب تحمل مبادئ مناوئة لتلك التي تقوم عليها الإدارة الأميركية الحالية. واحدة من هذه الرسائل الخفية هي حديث الملك البريطاني عن العقيدة المسيحية "كقيم مشتركة" بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، إذ كان يدعو إلى السلام حول العالم. 

المسيحية كمرجع أخلاقي 

بدا تشارلز يختار بعناية تعبيراته وحديثه عن العقيدة المسيحية، مشيراً تحديداً إلى العلاقات بين الأديان وتعزيز التفاهم، وقال موجهاً كلامه إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الجمهوري عن ولاية لويزيانا، "سيدي الرئيس، بالنسبة إلى كثرٍ هنا، ولي شخصياً، يمثل الإيمان المسيحي ركيزة راسخة ومصدر إلهام يومي يرشدنا، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل معاً كأفراد في مجتمعنا". وأضاف "بعد أن كرستُ جزءاً كبيراً من حياتي للعلاقات بين الأديان وتعزيز التفاهم، وجدتُ هذا الإيمان بانتصار النور على الظلام مؤكداً مرات لا تُحصى. ومن خلاله، يلهمني الاحترام العميق الذي ينشأ مع نمو فهم أتباع الديانات المختلفة لبعضهم بعضاً. لذلك، فإن أملي ودعائي، هو أن نتمكن، في هذه الأوقات العصيبة، من خلال العمل معاً ومع شركائنا الدوليين، من وقف تحويل المحاريث إلى سيوف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار الملك إلى أن المسيحيين ما زالوا يحتفلون بعيد الفصح الذي وصفه بأنه "الموسم الذي يعزز أملي أكثر من أي وقت مضى"، وقال "أؤمن من صميم قلبي بأن جوهر أمّتينا هو كرم الروح والواجب في تعزيز الرحمة، ونشر السلام وتعميق التفاهم المحايد وتقدير جميع الناس من جميع الأديان ومن لا دين لهم".

وكثيراً ما استخدم الرئيس الأميركي وبعض من أعضاء إدارته مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، الخطاب الديني أثناء مخاطبتهم قاعدتهم السياسية من المحافظين وتبرير أفعالهم وقراراتهم. ففي وقت سابق من الشهر الجاري، قال ترمب، إن الله يدعم التحركات الأميركية في الحرب ضد إيران. ففي حين يستخدم ترمب الخطاب الديني المسيحي للتعبئة والاصطفاف السياسي، استدعى الملك تشارلز خلال خطابه المسيحية بصيغة ثقافية وحضارية تلجأ إلى الدين كمرجعية أخلاقية، فمثّل الخطاب الملكي إعادة صياغة لكيفية استخدام الدين في السياسة. 

"الناتو"

وبعث الملك برسالة أخرى تتعلق بوحدة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يواجه ضغوطاً وهجوماً مستمراً من الرئيس الأميركي الذي يتهم التحالف العسكري الغربي بالتخلي عن الولايات المتحدة في حربها ضد إيران ووصفه بأنه "نمر من ورق". وبدا ذلك عندما أشار تشارلز إلى ما فعله "الناتو" في أعقاب أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) "عندما فعّل ’الناتو‘ المادة 5 للمرة الأولى، وتوحد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مواجهة الإرهاب، لبّينا النداء معاً كما فعل شعبنا لأكثر من قرن، جنباً إلى جنب، خلال حربين عالميتين والحرب الباردة وأفغانستان ولحظات شكلت أمننا المشترك"، حتى إنه تحدث صراحة عن ضرورة أن تدافع بريطانيا والولايات المتحدة عن أوكرانيا. 

كذلك لمح إلى قضية جزيرة غرينلاند التي هدد ترمب مراراً بالاستيلاء عليها، وهي جزيرة تابعة للدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي، كرسالة وحدة في وجه الخصوم المشتركين بدلاً من الانقسام، وبدا ذلك في قول الملك "من أعماق المحيط الأطلسي إلى ذوبان القمم الجليدية الكارثي في ​​القطب الشمالي، يكمن التزام وخبرة القوات المسلحة الأميركية وحلفائها في صميم ’الناتو‘، ملتزمين الدفاع عن بعضهم بعضاً، وحماية مواطنينا ومصالحنا، والحفاظ على أمن سكان أميركا الشمالية وأوروبا من خصومنا المشتركين."

"أميركا أولاً"

وبدت خلال خطاب الملك إشارة واضحة إلى سياسات ترمب الانعزالية التي تندرج تحت شعار "أميركا أولاً" عندما قال "أدعو من كل قلبي أن يستمر تحالفنا في الدفاع عن قيمنا المشتركة، مع شركائنا في أوروبا والكومنولث، وفي جميع أنحاء العالم، وأن نتجاهل الدعوات الصريحة إلى الانغلاق على أنفسنا." وروّج الملك لما وصفه بمصالح مشتركة تمتد لقرون، بما في ذلك ضمن مجالات سعى فيها ترمب إلى إحداث قطيعة حادة مع السوابق الأميركية في مسعاه لإعادة تشكيل المجتمع والحكم الأميركيين.

تغير المناخ

وفي وقت اتخذ ترمب موقفاً متحفظاً تجاه سياسات المناخ، إذ وصف خلال إدارته السابقة تغير المناخ بأنه "كذبة صينية" وانسحب من "اتفاق باريس لتغير المناخ"، قال الملك إن المجتمعات بحاجة أيضاً إلى معالجة "انهيار الأنظمة الطبيعية الحيوية"، مشيراً إلى قضية تغير المناخ من دون أن ينطق بكلمة "تغير المناخ".

ووفق الكاتب الأميركي مايكل برينبوم، فإن الرؤية التي طرحها الملك تشارلز للدور الأميركي في العالم، تتناقض تماماً مع رؤية ترمب الذي صرح بأن الهجرة تضعف المجتمعات، واستخدم الأوامر التنفيذية لتجاوز الكونغرس، وهاجم القضاة الذين أصدروا أحكاماً ضده، وشكك في الإجماع العلمي حول تغير المناخ، وأعلن رغبته في إنهاء الدعم للدفاع عن أوكرانيا ضد الهجوم الروسي. وجاء هذا الخطاب في اليوم الذي وجهت فيه وزارة العدل لائحة اتهام جديدة ضد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي الذي كثيراً ما كان هدفاً لترمب.

ويشير برينبوم إلى أن الملك تشارلز حظي بتصفيق حار متكرر من أعضاء الحزبين الذين نادراً ما يتفقون حتى على أبسط القضايا، مستغلاً منصبه كرمز حي للدولة، وليس كقائد منتخب، في محاولة لإعادة إحياء العلاقات الأنغلو-أميركية في وقت سعى كثرٌ على جانبي المحيط الأطلسي إلى إدارة ظهورهم لبعضهم بعضاً، وفعل ذلك بأسلوب لطيف لدرجة أن ترمب وصف الخطاب لاحقاً بأنه "رائع"، مشيراً إلى أنه "تمكن من جعل الديمقراطيين يقفون. لم أستطِع فعل ذلك قط".

المزيد من تقارير