ملخص
بعد الاستقلال عن موسكو عام 1991، أعلن الرئيس آنذاك صابر مراد نيازوف أن تركمانستان أصبحت "محايدة بصورة دائمة"، وأغلق حدودها أمام معظم الزوار، واعتمد أحد أكثر أنظمة التأشيرات صرامة في العالم. ولا يزال هذا النظام سارياً بصورة كبيرة على رغم مرور عقدين على وفاة نيازوف.
من مكتب مفتوح تغمره إضاءة ساطعة، يدير أزات سيد محمدوف شركة "وابروم" للتجارة الإلكترونية التي أسسها منذ ما يقارب 10 أعوام.
قد يكون هذا مشهداً عادياً في برلين أو سان فرانسيسكو، لكن في عاصمة تركمانستان، التي تعد على نطاق واسع واحدة من أكثر دول العالم انعزالاً وتحفظاً، تبدو شركته نشاطاً رائداً.
وقال سيد محمدوف وهو أب لستة أطفال ويبلغ من العمر 38 سنة "قد يبدو هذا أمراً عادياً في أوروبا أو الولايات المتحدة، لكنه جديد بالنسبة إلى تركمانستان".
وأضاف "لا تزال التجارة الإلكترونية هنا في مراحلها الأولى، ونعتبر أنفسنا رواداً في هذا المجال".
شركته جزء من ازدهار في مجال الشركات الخاصة الذكية وذات العلاقات الجيدة في تركمانستان، وهي بلد صحراوي إلى حد كبير يقع على الحدود مع إيران وأفغانستان.
ومن مستودع في الموقع، ينطلق عاملو التوصيل من شركته إلى العملاء في أنحاء الجمهورية السوفياتية السابقة لتسليم طلبات منها ملابس وأحذية معظمها تركية الصنع.
وتمكنت "رويترز" بعد حصولها على تصريح نادر لدخول تركمانستان، من التنقل هناك خلال الآونة الأخيرة من دون مرافقة وتغطية الأخبار بحرية في بلد يتبنى بصورة متزايدة الابتكارات التكنولوجية مثل التجارة الإلكترونية. وفي الوقت نفسه، يواصل الرئيس سردار بيردي محمدوف ودائرته المقربة سيطرتهم المحكمة على الساحة السياسية.
استقلال وعزلة
بعد الاستقلال عن موسكو عام 1991، أعلن الرئيس آنذاك صابر مراد نيازوف أن تركمانستان أصبحت "محايدة بصورة دائمة"، وأغلق حدودها أمام معظم الزوار، واعتمد أحد أكثر أنظمة التأشيرات صرامة في العالم. ولا يزال هذا النظام سارياً بصورة كبيرة على رغم مرور عقدين على وفاة نيازوف.
ويصف المسؤولون عزلة بلدهم بأنها استجابة لظروفها الجغرافية الصعبة، ويشيرون إلى الحاجة إلى حمايتها من المتشددين الإسلاميين وتهريب المخدرات من أفغانستان.
لكن منذ عام 2022، عندما تولى الرئيس سردار بيردي محمدوف الرئاسة خلفاً لوالده قربان قولي بيردي محمدوف، ظهرت بوادر انفراجة طفيفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فقد قالت تركمانستان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 7.7 مليون نسمة وفقاً للإحصاءات الحكومية، إنها ترغب في تبسيط نظام التأشيرات والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتنويع الاقتصاد الذي تدير الدولة معظم قطاعاته.
وعزز الرئيس الجديد العلاقات الدبلوماسية لبلده، إذ سافر إلى الخارج أكثر من أسلافه.
وقال بعض الدبلوماسيين الأجانب في عشق أباد لـ"رويترز"، إن هناك إحساساً بالتغيير، وإن كان بطيئاً، مدفوعاً بتغير الأجيال داخل النخبة الحاكمة.
وأفاد دبلوماسي غربي مقيم في تركمانستان بأن أعضاء من النخبة مهتمون بإصلاح البلاد، وأن الحريات الشخصية زادت بعض الشيء في السنوات القليلة الماضية.
مع ذلك، لا تزال تركمانستان خياراً صعباً بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب، إذ لديها أسعار صرف رسمية وغير رسمية للدولار، في حين يخيم التعتيم والغموض على عملية صنع القرار السياسي.
والشركات الدولية العاملة هناك معظمها تركية. وتنتشر اللغة التركية بين شبان تركمانستان نظراً إلى التقارب اللغوي ووجود جالية كبيرة تعيش في تركيا.
مجتمع متغير
لكن بعيداً من السياسة، يشهد مجتمع تركمانستان تغيراً، ولا سيما مع الإنترنت على رغم تسجيل البلاد معدلات استخدام له منخفضة نسبياً.
والإنترنت في تركمانستان بطيء ويخضع لرقابة مشددة، وهو ما يقول المسؤولون إنه ضروري لمواجهة أفكار إسلامية متشددة تنتشر عبر الإنترنت في دول أخرى بآسيا الوسطى.
ومع ذلك، اكتسبت مواقع التواصل الاجتماعي مثل "إنستغرام" و"تيك توك" شعبية خلال الأعوام القليلة الماضية، وعلى رغم حجبها فإنه يمكن الوصول إليها عبر شبكات افتراضية خاصة (في. بي. أن).
وفي مراكز التسوق الراقية في عشق أباد، يصور شبان رقصاتهم بهواتفهم الذكية لنشرها على "تيك توك" وسط تشجيع أصدقائهم ومن بينهم فتيات يرتدين ملابس حمراء مستوحاة من الزي الشعبي، وهي ملابس إلزامية لطالبات الجامعات.
وبدأت المؤثرة في وسائل التواصل الاجتماعي إينيجان فيلمورادوفا استخدام "إنستغرام" في 2020 للترويج لشركة السياحة التي تديرها، وتنظم رحلات للأثرياء التركمان في أوروبا وجنوب شرقي آسيا.
وفي مكتبها الواسع بوسط المدينة والمزين بشهادات من منصات التواصل الاجتماعي وقطع زينة مغناطيسية جمعت من مختلف أنحاء العالم، قالت فيلمورادوفا إنها سعيدة لانفتاح بلادها على العالم.
وقالت "كواحدة من سكان تركمانستان، أشعر بسعادة كبيرة لأن الصور النمطية بدأت تتبدد أخيراً، والتي تقول إن تركمانستان بلد منغلق".
وفي إحدى المدارس الرياضية في عشق أباد، يستغل محمد بيرامجولييف وقت فراغه لتعليم الشبان رقص "بريك دانس".
وقال بيرامجولييف لـ"رويترز"، إن أسلوب رقص الشوارع "ستريت دانس"، الذي نشأ في نيويورك، كان يمارس بصورة خفية لفترة طويلة في تركمانستان خلال سنوات شبابه.
وأضاف "كان ذلك قرابة عام 2000. في ذلك الوقت، لم يكن لدينا راقصو "بريك دانس". كنا نشاهده فقط عبر أشرطة الفيديو وعلى شاشة التلفزيون. ورأينا كيف يتم ذلك وأردنا أن نفعله بأنفسنا".
وذكر أن الدروس التي يقدمها حالياً في استوديو حديث تلقى إقبالاً واسعاً، وأصبح الـ"بريك دانس" منتشراً.
وأضاف "نريد لشبابنا، ولرياضيينا التركمان، أن ينافسوا في بطولات آسيا وبطولات العالم على سبيل المثال. وفي الألعاب الأولمبية في المستقبل إن شاء الله".