ملخص
أشار المدير العام للهيئة العامة للأجهزة التعويضية السابق جمال حامد إلى "زيادة الإقبال على الأطراف الاصطناعية، إذ يجري تصنيع نحو 900 طرف شهرياً"، مؤكداً أن هذا الرقم لا يشمل من تعرضوا للبتر نتيجة مضاعفات مرض السكري أو الحوادث المرورية".
"أكثر من 1.5 مليون طفل من ذوي الإعاقة تعرضوا لإصابات عدة بقذائف المدافع والطائرات المسيرة منذ اندلاع الحرب في البلاد".
في قسم الطوارئ، ترقد الطفلة فاطمة (10 سنوات) على سرير المستشفى بولاية وسط دارفور، وهي تتألم بعدما أصابت شظايا القصف الجوي قدمها من منطقة أسفل الركبة. عند حضور الطبيب أشارت إلى منطقة الألم، وبعد الفحوص قرر الأطباء إجراء جراحة سريعة لإنقاذ حياتها ووقف النزف المستمر.
في اليوم التالي اقترب الطبيب من فاطمة وتحدث معها برفق عن الحادثة، وتبين أنها كانت قريبة من مكان قصف طائرة مسيرة أدى إلى مقتل وإصابة عدد من المدنيين، بينهم أطفال، إذ شن طيران الجيش هجمات عدة على مدن ومناطق بإقليم دارفور.
وبحسب تقارير لمتطوعين وأطباء، فإن أكثر من 1500 طفل فقدوا جزءاً أو أجزاءً حيوية من أجسادهم جراء استهداف الطائرات المسيرة للمدنيين في ولايات كردفان ودارفور من قبل طرفي الحرب منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.
عمليات بتر
في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، يرقد خالد منذر (14 سنة) بلا حراك على سريره في منزل الأسرة، إذ فقد أجزاءً من أطرافه نتيجة قصف طائرة مسيرة لقوات "الدعم السريع" في فبراير (شباط) الماضي.
بسبب الحادثة بتر جزء من كفه، وأصيبت قدمه اليمني بكسور وجروح عميقة، وتكسرت عظام اليسرى، ولا يزال ينتظر إجراء ثلاث عمليات جراحية إضافية.
يقول الطبيب المتطوع بشارة كوكو إن "نحو 13 طفلاً قتلوا، وكذلك تعرض العشرات لإصابات خطرة جراء قصف كثيف شنته قوات ‘الدعم السريع‘ و‘الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال‘ المتحالفة معها في مارس (آذار) الماضي". وأضاف أن "كثيراً من الأسر اضطرت إلى إجراء عمليات بتر لأطراف الأطفال بسبب التأخر في تقديم الرعاية الطبية، ويعيش العشرات منهم ظروفاً جسدية ونفسية بالغة الصعوبة بعدما فقدوا الحركة".
إعاقات دائمة
في السياق أوضح وزير التنمية الاجتماعية المكلف الخرطوم، صديق فريني إن "6 آلاف طفل تعرضوا لإصابات متفاوتة أدت إلى إعاقات دائمة خلال الحرب في السودان". ونوه بأن "هناك حاجة ماسة لتوفير أطراف اصطناعية ودعم نفسي متخصص وإنشاء مساحات صديقة، وكذلك ضرورة إعادة تأهيل دور التدريب للأطفال المشردين وفاقدي الرعاية الأبوية".
من جانبه أشار المدير العام للهيئة العامة للأجهزة التعويضية السابق جمال حامد إلى "زيادة الإقبال على الأطراف الاصطناعية، إذ يجري تصنيع نحو 900 طرف شهرياً"، مؤكداً أن هذا الرقم لا يشمل من تعرضوا للبتر نتيجة مضاعفات مرض السكري أو الحوادث المرورية".
استهداف اليافعين
في مدينة أبو زبد بولاية غرب كردفان، أصابت شظايا القصف الجوي قدم الطفلة صفية النور من منطقة الساق، مما تسبب بقطع الشرايين. تقول والدتها حليمة البشر "أصابنا الذعر من خطر الإصابة، وبعد جهود كبيرة نقلنا الطفلة إلى مستشفى في ولاية النيل الأبيض لتلقي العلاج، واتخذ الأطباء مضطرين خيار بتر رجل (صفية)، وأجروا لها جراحة سريعة لتطبيب جرحها بعد البتر". وأضافت "نفكر جدياً في تركيب طرف اصطناعي لها، لكن نفاد المدخرات المالية يحول من دون ذلك، لدينا سيارة في إحدى الولايات الآمنة سنضطر إلى بيعها حتى نتمكن من القيام بالخطوة لكي نعيد البسمة إلى طفلتنا". وأوضحت الأم حليمة أن "عدد الأطفال الذين تعرضوا لإصابات خطرة في ولاية غرب كردفان جراء قصف الطائرات المسيرة، كبير للغاية، بخاصة مع تزايد عمليات القصف الجوي على مقار قوات ‘الدعم السريع‘ قرب المناطق السكنية وفي الأسواق".
إحصاءات صادمة
في المنحى ذاته، قال الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان عبدالقادر عبدالله إن "أكثر من 1.5 مليون طفل من ذوي الإعاقة تعرضوا لإصابات عدة بقذائف المدافع والطائرات المسيرة منذ اندلاع الحرب في البلاد".
وبين أن "200 ألف طفل داخل الفاشر ونيالا بولايتي شمال وجنوب دارفور تعرضوا لقذائف ‘الدعم السريع‘ منذ اندلاع الحرب وحتى أغسطس (آب) 2025، إضافة إلى تضرر أكثر من 100 طفل في المناطق الممتدة من مدينة أم درمان بولاية الخرطوم إلى بارا وأبو قعود في شمال كردفان، جراء تصاعد هجمات تلك القوات". ونوه أبو بأن "نحو مليون طفل قتلوا نتيجة المشاركة في القتال، إذ بلغ عدد الجرحى منهم نحو 315 طفلاً". وتابع "مجلس رعاية الطفولة، بالتعاون مع الشركاء، سيبدأ تنفيذ مسح صحي على مستوى البلاد، إلى جانب وضع خطط خلال العام الحالي لتعزيز الخدمات المقدمة للأطفال".
أخطار ومخاوف
على الصعيد نفسه، يبدي المتخصص في مجال حقوق وحماية الطفولة عامر فتحي، مخاوفه الشديدة من أن استمرار هجمات القصف الجوي العشوائي من قبل طرفي الحرب ضد المدنيين وتمددها إلى ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق، يعني بالضرورة موت أعداد أكثر من الأطفال، إضافة إلى تعرض المئات منهم لإصابات خطرة قد تقود لإعاقات دائمة، بخاصة في ظل انعدام الرعاية الصحية بمناطق النزاع النشطة ونزوح الكوادر الطبية، وكذلك صعوبة إجراء عمليات جراحية". ورأى أن استمرار استهداف الأطفال بقصف الطائرات المسيرة في الأسواق وداخل الأحياء السكنية ودور الإيواء أكثر من ذلك، يعني ببساطة القضاء على أي مستقبل كان ينتظر لمن بقي على قيد الحياة من أطفال السودان، الذين تتفاقم معاناتهم أكثر في ظل حرمان يكابدونه أصلاً في الحصول على الحد الأدنى من حقوقهم من الرعاية الطبية والتعليم".
ويتساءل فتحي عن أسباب ضعف التفاعل الإنساني الذي وصفه بأنه لم يكن بحجم المأساة التي يعيشها أطفال السودان، خصوصاً من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية المهتمة بقضايا الطفولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صدمات نفسية
على نحو متصل، شددت اختصاصية الطب النفسي رانيا بشير على "ضرورة عدم إهمال الأطفال الذين تعرضوا لإصابات خطرة نتيجة استهداف القصف الجوي، إلى جانب استحداث أقسام وعيادات لتقديم دعم نفسي، لأن تداعيات آثار الصدمة الناتجة من القصف والمشاهد المروعة ستلقي بظلالها في نفوس اليافعين لأعوام، مما يستوجب اتباع نهج شامل وطويل الأمد لتوفير خدمات معالجة المشكلات النفسية". وبينت أن "تجربة فقدان الطفل طرفاً أو عضواً من جسده صادمة تؤثر في حياته طوال العمر، لكن النظريات العلمية الحديثة تتيح سبلاً للدعم ومساعدته على استعادة توازنه النفسي وحمايته من اضطرابات ما بعد الصدمة".
وترى بشير أن "الأثر النفسي الناتج من عملية الفقد يتوقف بصورة كبيرة على عمر الطفل وحجم الصدمة، لذا يحتاج إلى جلسات علاج خاصة حتى يتهيأ لتقبل حياته الجديدة، ويجري التخفيف عنه من خلال تركيب أطراف اصطناعية بصورة سريعة". وتمضى اختصاصية الطب النفسي بالقول "الروح المعنوية لمن يعيش معهم الأطفال مهمة للغاية وتساعد كثيراً في الاستجابة للعلاج، إذ يحتاج اليافعون إلى رؤية أناس أكثر شجاعة وقوة في المواجهة لتخطي الصعوبات بأمان وسلام نفسي".
تفاقم المأساة
على صعيد متصل قالت المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) كاثرين راسل "ظل الأطفال في السودان وعلى مدى ثلاثة أعوام يقتلون ويصابون بمستويات هائلة، وتتعرض منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم لهجمات مستمرة". وأضافت أن "الوسائل الجديدة المستخدمة في الحرب تسهم في تفاقم المأساة، بخاصة أن 78 في المئة من الإصابات بين الأطفال التي أفادت عنها التقارير، نجمت عن هجمات بالطائرات المسيرة". وتابعت "سجلت ولايتا دارفور وكردفان أعلى معدل الإصابات بين لأطفال، وهي مؤشرات تعكس فشلاً جماعياً من أطراف النزاع في حماية اليافعين".