Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قصة روبنصن كروزي" أول رواية مترجمة الى العربية

من المرجح أن أحمد فارس الشدياق عربها في مالطا عام 1835

روبنسون كروزوي في رسمة شعبية (سوشيل ميديا)

ملخص

تعد رواية "روبنسون كروزو" Robinson Crusoe للكاتب الإنجليزي دانييل ديفو،  التي نشرت عام 1716، من الأعمال الروائية الأولى في تاريخ الأدب العالمي الحديث، وبحسب دراسة للباحث المصري محمد سيد عبد التواب فقد تكون "أول رواية معربة"؛ استناداً إلى ترجمة لها صدرت في مالطا عام 1835.

في عام 1835 صدرت في جزيرة مالطا ترجمة لرواية "روبنسون كروزو"، لدانييل ديفو، إلى اللغة العربية، خلت من اسم المؤلف، وكذلك من اسم المترجم، وأصدرها المركز القومي للترجمة في طبعة ضمن سلسلة "ميراث الترجمة"؛ تتصدرها دراسة للباحث محمد سيد عبد التواب، يسبقها تقديم لأستاذ الأدب العربي في كلية الآداب في جامعة القاهرة خيري دومة. وسبقت هذه الترجمة، التي حملت عنوان "قصة روبنصن كروزي"، ترجمة بطرس البستاني للرواية نفسها تحت عنوان "كتاب التحفة البستانية في الأسفار الكروزية، أو رحلة روبنصن كروزي" التي نشرت في بيروت عام 1861.

كذلك هي سبقت بالطبع ترجمة رفاعة الطهطاوي لرواية "مغامرات تيليماخوس" للفرنسي فرانس فينيلون التي نشرت في بيروت عام 1867 تحت عنوان "مواقع الأفلاك في مغامرات تليماك"، علماً أن طبعتها الفرنسية صدرت عام 1699. ومن هنا جاء تصنيف "قصة روبنصن كروزي" باعتبارها "أول رواية معربة"، لكن يبدو أن البحث بشأن هوية من قام بتعريبها لم يصل بعد إلى نتيجة يقينية.

الشدياق أم مستشرق مجهول؟

نشأت حول رواية "روبنسون كروزو" – يقول خيري دومة - مكتبة كاملة من الدراسات بكل اللغات، فقد توقف عندها كل من كتبوا عن نشوء فن الرواية وتطوره في العالم الحديث، وغير ذلك من الموضوعات الأدبية المتصلة بهذا الأمر.

وهي أول رواية تترجم إلى العربية، بحسب الباحث محمد سيد عبد التواب الذي يرجح أن من قام بتعريبها هو اللبناني أحمد فارس الشدياق، لكن خيري دومة يستبعد ذلك، ويرجح أن "المترجم المجهول" مستشرق آثر ألا يذكر اسمه لسبب غير معلوم. لكن يظل الأمر مستحقاً من وجهة نظر دومة للبحث عن إجابات للأسئلة التالية: ما موقع هذا "الكتاب" بين الكتب الأولى؛ سواء المترجمة إلى لغة الضاد أو حتى المطبوعة بالعربية؟ من قام بترجمة الكتاب وطباعته؟ وعن أي طبعة من الطبعات الكثيرة للرواية قام بالترجمة؟ وبأي مستوى من اللغة العربية ترجم النص الإنجليزي؟ وإلى أي مدى أدخل تعديلات على النص بحيث يتواءم مع الذائقة القصصية العربية في ذلك الزمان؟

تحتفظ دار الكتب المصرية بنسخة من تلك الترجمة، ويرجح دومة أن من أنجزها "كان أجنبياً لا يتقن اللغة العربية". ولاحظ دومة كذلك أن اللغة التي ترجم بها الكتاب في مجمله "هي أقرب ما تكون إلى اللهجة العامية المصرية"، ما يرجح أن المترجم "لا يعرف من العربية إلا مستواها العامي المستخدم في الشارع، والمسموع (أو المقروء) في ألف ليلة وليلة، أي أنه على الأرجح كان واحداً من المستشرقين الذين تعلموا العربية وزاروا المنطقة ومشوا في شوارعها واختلطوا بأبنائها، ثم استقر في مالطة وأشرف على مطبعتها".

ويرى دومة أن الذي يرجح ذلك الاحتمال؛ "هو كثرة الأخطاء النحوية والإملائية، والألفاظ المخترعة والمبنية خطأ على نحو لا يتسق وسليقة ابن اللغة الأم، حتى في مستواها العامي". أما عبد التواب فرأى أنه بعد قراءة عميقة وبخاصة في ما يتصل بالمهاجرين لجزيرة مالطة، وجد أن كثيراً من الشواهد تشير إلى أن صاحب الترجمة هو أحمد فارس الشدياق (1801 – 1887) الذي ذكر جرجي زيدان أنه سافر إلى مالطة عام 1834 وأقام فيها زهاء 14 سنة "يدرس في مدارس المرسلين الأمركان (كذا) وقد تولى تصحيح ما يطبع في مطبعتهم هناك وأخذ في التأليف والتصنيف، ولا يكاد يوجد كتاب مطبوع في مطبعة مالطة إلا كان هو مؤلفه أو مترجمه أو مصححه". وفي سياق مختلف، سبق أن أنجزت رضوى عاشور أطروحة حول السؤال الشهير: ما هي الرواية الأولى في الأدب العربي الحديث؟ وساقت عبرها الكثير من الأدلة التي ترجح كفة رواية الشدياق "الساق على الساق"، في مقابل أدلة أخرى تصب في مصلحة رواية "زينب" للمصري محمد حسين هيكل.

رواية تبشيرية؟

ويذكر عبد التواب أن الشدياق تلقى بعض العلم عن أخيه أسعد والذي كان نابغة عصره وخلع مذهب والديه وتمذهب بالمذهب الإنجيلي فغضب عليه البطريرك وما زال يتهدده ويسومه العذاب حتى يرجع عن رأيه فلم يزده إلا تمسكاً وإصراراً إلى أن انتهى إلى موته في عنفوان شبابه. وهذا ما دفع الشقيق الأصغر إلى مغادرة بلاد الشام؛ "ناقماً عليها وعلى الذين كانوا سبباً في موت شقيقه، والرواية نفسها تطرح المذهب البروتستانتي الذي ذهب أسعد ضحيته".

ويتفق عبد التواب مع دومة في غرابة لغة الترجمة؛ لأن العامية تسيطر عليها، وعلى رغم أن الشدياق سافر إلى مصر عام 1826، واستقر هناك لأكثر من ثماني سنوات مما يرجح أنه أتقن عامية المصريين، إلا أن المعروف عنه حرصه على اللغة العربية، "الأمر الذي يجيز التشكك في أن يكون هو من قام بتعريب هذه الرواية أو حتى تصحيحها، ولكن ألا يمكن أن يكون قد لجأ إلى هذه اللغة في الترجمة خوفاً من المصير الذي لاقاه أخوه أسعد وبخاصة أن الرواية تنطلق من مرجعية أخلاقية ترى أن العالم البروتستانتي هو النموذج الأمثل للتمدن؟".     

وفي المقابل يتساءل دومة: "لماذا تقدم مطبعة تبشيرية ينصب اهتمامها على تقديم الكتب الدينية المسيحية، وعلى هامشها كتب قليلة في التاريخ وفي اللغة وفي المعارف العامة كالرسم والفلك والعلوم، على ترجمة رواية؟". ويجيب: "ربما تكمن الإجابة في تلك الرحلة الخيالية التي يرويها الكتاب، رحلة مغامر أوروبي يبحث عن أرض جديدة، يستعمرها ويعلم أهلها، ينقل لها الحضارة وينشر فيها تعاليم المسيحية، وعلى مدار الرواية يستخدم "كروزو" لغة وصوراً دينية، وإشارات من الكتاب المقدس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف: "ربما أيضاً كانت الترجمة جاهزة بعد أن أنجزها أحد المستشرقين؛ إذ تشير المصادر إلى أن الرحالة والمؤرخ السويسري جون لويس بوركهارت الذي ذهب إلى كمبردج عام 1808 لدراسة اللغة العربية، ومرَّ بمالطة في العام التالي، في طريقه إلى حلب، التي أقام فيها وانغمس في دراسة اللغة العربية، كان قد قام هناك بترجمة "روبنسون كروزو" إلى العربية". ويرى دومة أنه ربما لا تكون لهذه الترجمة قيمة فنية وتاريخية عظيمة، غير أنها تكشف عن أمور مهمة؛ لأنها تضع أمامنا المخاض الأول لمولد ترجمة النوع الروائي قبل نشوئه مؤلفاً في الأدب العربي الحديث، وتضع أيدينا على الكيفية التي توصل بها هؤلاء المترجمون المجهولون الأوائل، إلى تكييف النوع الروائي مع تقاليد القص العربي الراسخة والمختلفة.

غياب اليقين  

وفي حين يرجح عبد التواب أن يكون ذلك المترجم من الشوام، فإن دومة لم يتفق مع هذا الطرح ورأى أن لا أحد يعرف على وجه التحقيق الظروف التي أحاطت بترجمة هذه الرواية ونشرها، ولا من قام بالترجمة؛ "كل ما نعرفه يقيناً هو ما تقوله صفحة العنوان من أنها منشورة في مالطا عام 1835".

وعثر محمد سيد عبد التواب على نص هذه الترجمة حين كان يشتغل على رسالته للماجستير عن روايات القرن التاسع عشر، وقدَّم نسخة إلكترونية منها عام 2012 للدكتور خيري دومة لنشرها ضمن سلسلة "ميراث الترجمة"، باعتبارها "أول رواية معرَّبة"، ولكن كانت تنقصها – كما يقول دومة – "بعض الكلمات والسطور"، ثم قدم بيتر هيل الذي كان وقتها باحث دكتوراه في جامعة أكسفورد يعمل على موضوع "اليوتوبيا في القرن التاسع عشر"، نسخة أوضح لهذه الترجمة فجرى اعتمادها للنشر.

ولاحظ دومة أن مقدمة طبعة نيويورك الإنجليزية (1853) تضمنت "إشارة غامضة" إلى هذه الترجمة العربية: "طبعت روبنسون كروزو تقريباً في كل لغة مكتوبة، وصارت متعة كل الناس في كل الأديان ومن كل الطبقات. من تلميذ لندن في فصله الدراسي، إلى العربي في خيمته". وربما كانت أقدم إشارة في المصادر العربية إلى هذه الترجمة، هي التي وردت في كتاب إدوارد فان دايك عام 1897 "اكتفاء القنوع بما هو مطبوع"، إذ قال في ترجمته لبطرس البستاني، ضمن الستة الكبار ما نصه: "... وترجم قصة روبنصن كروزي من اللغة الإنجليزية، طبعت في بيروت، وهذه الترجمة أضبط وأوفى من التي طبعت في جزيرة مالطة عام 1835". وتوالت الإشارات بعد ذلك في كتب كثيرين ممن أرَّخوا لدور الترجمة في نشوء الرواية العربية وتطورها، وكان أهمها وأشدها وضوحاً ما جاء عام 1983 ضمن كتاب متى موسى عن "أصول القص العربي الحديث"؛ حين قال: "إن ترجمة مجهولة لروبنسون كروزو، ظهرت في مالطة عام 1835، ربما كانت من عمل فارس بن يوسف الشدياق، الذي كان قد انخرط مع الإرساليات الأميركية هناك عام 1834 ليساعدهم في ترجمة الأدب الديني إلى العربية. وقد تكون هذه هي الترجمة العربية الأولى لعمل قصصي انجليزي".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة