Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"يوميات" الروائي محمد طلوعي تحت القصف في طهران

الغربان تنعق وحدها في السماء ومع كل دوي نراقب أعمدة الدخان وسرديات الحرب تتناقض

مسعفة إيرانية وسط الحرب في طهران (رويترز)

ملخص

دأب الروائي والكاتب المسرحي الإيراني محمد طلوعي، على كتابة "يوميات" خلال أيام القصف، نهاراً وليلاً على طهران، التي يقيم فيها مع عائلته. وراح عبرها يدون انطباعاته، المختلفة، بين خوف ورعب ويأس وقلق، معايناً في لحظات، حدوث الموت تحت قذيفة، أوسقوط المنزل في انفجار عنيف أو انهيار الحي بكامله على أهله. ويعمد في بعض المقاطع إلى وصف الشهب التي تضيء سماء المدينة والأحياء، والحديث عن الروائح السامة المنتشرة في النواحي. عطفا على  وصف الحياة التي تستعيد بعضاً من حركتها في أوقات وقف القصف. نشر محمد طلوعي مختارات من هذه اليوميات مترجمةً إلى الفرنسية في موقع مجلة "لو نوفيل أوبس" الفرنسية، وقد اخترنا منها هذه النصوص ونقلناها إلى العربية.

في اليوم الثامن من الحرب الذي يحمل عنوان "ذلك الطفل الذي يتعلم المشي تحت القصف": "أعلن الرئيس بزشكيان أن القوات المسلحة مُنحت حرية التصرف الكاملة، مع تقديمه اعتذاراً من الدول المجاورة. ويبدو أن هناك خلافات في أعلى هرم الدولة، فما إن أنهى خطابه حتى أعلن الحرس الثوري أنهم سيواصلون الحرب والهجمات على تلك الدول المجاورة، وقالوا أيضاً إن الولايات المتحدة تستخدم الذكاء الاصطناعي في هذه الحرب. نحن حقل تجارب لحروب العصر الحديث.

ذهبنا إلى بيت أخت زوجتي، في شهرك أُميد، ولعبنا مع طفلها الرضيع. يقع الحي شرق طهران، على المرتفعات. على الشرفة، نصبت هي وزوجها منظاراً ليرصدا مواقع سقوط القنابل، وأرانا تسجيلات صوراها للقصف. وهكذا أعدنا تركيب مشهد الضربات التي كانت قد رجت نوافذنا. عند كل دوي، نهرع إلى النافذة لنراقب عمود الدخان.

الطفل الرضيع بدأ لتوه يقف على قدميه ويخطو خطواته الأولى. كم هو غريب أن يتعلم هذا الطفل المشي تحت القصف. لم يعد ذلك مجرد رمز، بل صار المعنى ذاته للحياة: إنها تنتصر دائماً، مهما كان المشهد.

اليوم يقصفون البنى التحتية، ولكن، وعلى خلاف حرب يونيو (حزيران) أو ’حرب الأيام الـ12‘ بين الـ13 والـ24 من يونيو، لم يعد هذا يرعبني. في المرة الماضية، كنت أشعر أن كل قنبلة تبتلع جزءاً مني. أما الآن فأقول لنفسي: إن دُمرت هذه البنى، فسنُعيد بناءها بعد الحرب، مع أنني أعلم أن هذه الحرب لن تحمل لنا الحرية.

دوى انفجار هائل في الجوار. انفجرت زوجتي بالبكاء، فهَمَستُ في أذنها ألا تقلق. قالت لي أن أتركها تبكي: ’هذا يريحني… أن أترك كل شيء ينساب‘.

في العمق، نموت مما منحتنا الحياة. كنت قد دونت هذه العبارة في مكان ما. أثناء التحقيقات، بعد اعتقالي، كنت أقولها لنفسي مراراً قبل كل جواب، وأشعر أن الكلمات التي جعلت مني كاتباً ستنتهي يوماً إلى تدميري، لكن هذه العبارة تصلح لكل شيء تقريباً، وتكاد تختصر طهران: حيث كبرتُ، وحيث سأموت.

القنابل لاتسأل من تصيب

القنابل لا تسأل من تُصيب، القنبلة تطيع قانونها الخاص. كانت تلك الليلة الأسوأ، الانفجارات لم تنقطع، كأن كل واحدة منها تذوب في الأخرى لتلد انفجاراً أشد" .

 اليوم التاسع وعنوانه "طوال الليل، تحدث المعلقون عن خطر الأمطار الحمضية": "كان الدخان كثيفاً في السماء حتى أن الشمس اختفت. لقد قصفوا مستودعات النفط شرق طهران وغربها وجنوبها، وكانت السماء تدخن حرفياً. ولأن الثلج كان قد هطل على المرتفعات، بقي الدخان راكداً فوق المدينة، محبوساً تحت غطاء حراري. كان هاتفي يشير إلى الثامنة وخمس وثلاثين دقيقة صباحاً، لكن الوقت بدا كأنه الخامسة فجراً. كل شيء كان أسود.

اتصلتُ بزوجتي. غطت فمها وأنفها وقالت: ’لقد أصابوا اليورانيوم‘.

شاهدنا على التلفزيون مستودعات النفط وهي تشتعل. كان أحدها في آخر شارعنا، لذلك رأينا هذا الدخان.

خرجتُ مع صديق لنعاين الدمار، كان الحي التجاري في نيلوفر قد ضُرب بعنف جعل الواجهات كلها تتناثر زجاجاً. أما مركز الشرطة فقد سُوي بالأرض، ولم يبقَ منه سوى كومة تراب، ثم بدأت السماء تمطر، تاركة خطوطاً سوداء على السيارات. كانت الحواجز ونقاط التفتيش في كل شارع.

نحن سنموت جميعاً في يوم ما، هذا صحيح، ولكن بعد يوم كهذا، لا تعود فكرة القدر نفسها قابلة للتصديق. طوال الليل، تحدث المعلقون على التلفزيون عن خطر الأمطار الحمضية واحتمال تلوث المياه الجوفية.

وفي وقت لاحق، سمعنا إطلاق نار صادراً عن مجموعة مسلحة".

ترمب يتكلم كثيراً

اليوم العاشر وعنوانه "ترمب يتكلم كثيراً: علينا أن نخمن نواياه وسط هذا السيل من الكلمات": "لم يعد لدينا أي سبب للبقاء في طهران. نريد أن نموت.

هذا الصباح، ما إن فتحت عيني حتى فتحت هاتفي. كانت قد وصلتني رسالة نصية تُبلغني بتعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً.

بقيتُ أنا وزوجتي في السرير نتحدث عن المستقبل. كانت تريد أن تعيش في إسبانيا، أن تستأجر بيتاً هناك إلى أن أتمكن من الحصول على تأشيرة وألحق بها. كانت تريد أن تبدأ تعلم الإسبانية من اليوم، ساعةً كل يوم.

بحسب الأخبار، لم يكن ترمب راضياً عن ضرب الجيش الإسرائيلي للمواقع النفطية. ولهذا السبب لم تُقصف طهران ذلك الصباح.

ولكن عند الثانية وأربعين دقيقة بعد الظهر، سقطت قذائف قرب بيتنا، وملأ الدخان المنزل.

شاهدتُ مقابلة لفانس مع رجال إطفاء بوسطن. كان يتحدث عن طفولته، ويقول إنه، وهو صغير، لم يكن يجرؤ على الاتصال برجال الإطفاء لأن أمه كانت مدمنة.

وشاهدت أيضاً مقابلة مع هيغسيث، قال فيها إن البحرية الإيرانية قد دُمرت.

ضوء أزرق في الغرب

ثم استمعت إلى روبيو في ’يوم الرهائن‘. كان يقول إن إيران هي مخترعة أخذ الرهائن. وإن جيله كله كبر على هذه الفكرة. خلال أزمة الرهائن التي استمرت 444 يوماً (احتجاز موظفين ودبلوماسيين في السفارة الأميركية بطهران عام 1979)، أغرقتهم شاشات التلفزة بصور رهائن معصوبي الأعين، حتى تشبع لا وعيهم غضباً وكراهيةً لإيران، وفي أعماقهم رغبة هائلة في تدميرها.

كانت تلك الليلة أعنف ليلة قصف شهدتها طهران. ظهر ضوء أزرق في الغرب، ربما ألقوا قنابل كهربائية لتعطيل المنشآت.

كل الطيور غادرت طهران، لم يبقَ سوى الغربان. ربما بسبب الطائرات التي تحلق على علو منخفض، أو بسبب الدخان.

زارنا مساءً حسام، وهو مخرج أفلام وثائقية. قال إن البطالة تُفقده صوابه، وإنه ذهب للعمل في الهلال الأحمر. كان يريد أن يصنع فيلماً وثائقياً عن الخط الساخن 4030. كنا جميعاً نتلقى رسائل من ’الهلال الأحمر‘ تدعونا للاتصال بهذا الرقم من أجل الدعم النفسي. قال حسام إنه نجح في الحصول على إذن للاستماع إلى الرسائل الواردة إلى الخط.

سألته: ’من يتصل أكثر؟‘

ينتظرون سقوط قنبلة لينتهي كل شيء

فقال: ’النساء أولاً، ثم الأطفال، ثم الرجال. النساء يتحدثن عن توترهن وخوفهن من الموت. الأطفال يتحدثون عن أصدقائهم الذين أصابهم امر. أما الرجال، فهم يائسون، يقولون إنهم مفلسون، لا يعرفون ماذا يفعلون، وينتظرون أن تسقط عليهم قنبلة لتنهي كل شيء.‘

قلت له: ’دوّن يوميات الحرب انطلاقاً من هذه الأصوات.‘

وحين سمعنا انفجارات قريبة، أوصت ميليكا أن نلجأ إلى الحمام، لكنني كنت متعباً. أرادت أن تحاول حمايتنا من شظايا الزجاج، أما أنا فقد صرتُ لا أبالي.

شاهدتُ خطاب ترمب من فلوريدا. كان يقول إن إيران، إذا واصلت هذا الطريق، فلن تعود قريباً إيران. وهدد بالاستيلاء على جزيرة خرج، التي يمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الخام.

ترمب يتكلم كثيراً. علينا أن نخمن نواياه وسط هذا السيل من الكلمات.

ومنذ الصباح، كانوا يعلنون عن خطاب ’خامنئي الجديد‘. وكان أنصاره قد نزلوا إلى الشارع في انتظاره.

لكنه لم يتكلم".

نحن الخاسرون من جديد

اليوم الحادي عشر عنوانه "الحرب الحقيقية هي حرب السرديات": "بسبب فارق التوقيت، يعيش الأميركيون اليوم العاشر من العملية، فيما نعيش نحن اليوم الحادي عشر، بيننا وبينهم نصف يوم من الفارق.

وخلال هذا النصف من اليوم، إذا قرأنا الأخبار الإيرانية، فنحن ننتصر في الحرب. وما إن يستيقظ الأميركيون حتى نصير نحن الخاسرين من جديد. الحرب الحقيقية هي حرب السرديات.

تقول ’إيران إنترناشيونال‘، القناة الفارسية التي تبث من الخارج، إن الأميركيين والإسرائيليين يستعرضون قواهم في طهران. أما التلفزيون الإيراني، فيقول إن قوات البلاد على أبواب القدس. وفي نهاية المطاف، لا نملك إلا أخطاءنا: نصف الساعة الزائدة التي أمضيناها في حفلة، أو الدقائق العشر التي قصرنا فيها عن متابعة الأخبار، أو الثواني الخمس التي عبرنا فيها الإشارة قبل وقتها. كلما عجلنا أو أخرنا، ننجو من النار ونبقى أحياء.

في الصباح، كانت طبقة رقيقة من الثلج تخفف وقع صوت الدفاعات الجوية. وكانت صور مجتبى خامنئي في كل مكان. غير أنصار النظام شعارهم: ’الله اختار، وخامنئي عاد شاباً‘.

أطلقت الدفاعات الجوية النار عند الواحدة وخمس وخمسين دقيقة. لا بد أنها كانت تستهدف طائرات مسيرة، لأنها لا تطلق النار حين تكون الطائرات الحربية هي القادمة.

قالت زوجتي: ’لنذهب شمالاً، ولنأخذ الدراجات‘.

أجبتها: ’أنتِ يكفي أن يتعب جسدك حتى تهدئي، أما أنا، فلا بد أن يتعب عقلي.‘

سأذهب لركوب الدراجة، فأنا أتذمر دائماً قبل كل انطلاق".

المدينة خالية كأانّ الجميع فروا

اليوم الثاني عشر وعنوانه "كانت المدينة خالية، كأن الجميع فروا" يكتب: "كانت المدينة خالية، كأن الجميع فروا. حانوت الخضار ومحل الدجاج المشوي في آخر شارعنا كانا مغلقين. سمعنا الطيور من جديد، وكان كل شيء مغطى بثلج وسخ.

فككنا العجلتين الأماميتين من الدراجتين لندخلهما في السيارة. كنت أفكر: إذا أوقفونا عند حاجز، كيف سأشرح وجود دراجتين في صندوق السيارة؟

كانت معظم الشاحنات على الطريق تنقل قوارير ماء. وحين غادرنا طهران، شعرتُ أن هذه المدينة لن تنجو من دوني، وأنني أهجرها. كان ذلك سخيفاً تماماً، وكنت أعرف ذلك.

حين تجاوزنا دماوند (البركان المطل على منطقة طهران وأعلى قمم إيران)، أدركت أن ملايين البشر عاشوا ثم اختفوا على هذه الأرض، بينما ظلت إيران باقية. دماوند، حين تمر به، يذكرك بأنك لا شيء.

أُطلق سراح الذين اعتُقلوا في الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني)، خلال التظاهرات، بكفالة.

رأيت خلايا نحل في مؤخر شاحنة صغيرة. تساءلت: هل تستطيع نحلة تائهة أن تجد طريق عودتها؟

وكان الخبر الأكبر في ذلك اليوم أن السدود المحيطة بطهران ضُربت بطائرات مسيرة."

تهمة قتل الأطفال

اليوم الثالث عشر بعنوان "الطرفان يتبادلان تهمة قتلة الأطفال": "يقول الطرفان إن الحرب لم تبدأ بعد. ولو أرادا أن يبدآها حقاً، فماذا عساهما يفعلان؟

الطرفان يتنازعان الكلمات والتعابير. يتبادلان نعوت ’العصابة الإجرامية‘ و’قتلة الأطفال‘. كل منهما يسمي الآخر ’نظاماً‘. كل منهما يحاول أن ينزع عن الآخر شرعيته.

قدنا 60 كيلومتراً، وصعدنا 1000 متر، ووصلنا إلى آب-بري. لا أثر للحرب هنا، فقط الطبيعة، ساحقة. أصدقائي يرون في هذا المكان اكتشافاً، أما أنا فيعيدني إلى مراهقتي، وإلى حزن تلك الأيام. حين يندهشون من البحر في البعيد، أكتفي بأن أومئ برأسي.

كلا الطرفين يريد الاستيلاء على الشارع. واستهداف نقاط التفتيش أعاد المسألة إلى قلبها: من يسيطر على الشارع، يحكم إيران."

علينا أن نسقي شجرتنا

اليوم الرابع عشر عنوانه "علينا أن نعود إلى طهران، لقد نسينا أن نسقي شجرتنا": "عشنا أعنف قصف في الأيام الأخيرة، مع ضربات خارقة للتحصينات. قال لنا أصدقاؤنا إنهم شعروا كأن زلزالاً ضرب المكان.

إنه يوم القدس. وقد أصدر الجيش الإسرائيلي أمر إخلاء لمنطقتَي منيريه وفيلا. نبرة الخطاب مختلفة تماماً عن حرب يونيو. ربما لأنهم يعرفون أنهم لا يستطيعون مخاطبة الشعب الإيراني كما خاطبوا غزة أو لبنان.

لكي أرسل رسالة إلى صديق، نزلت تطبيقاً محلياً، لكنه لم يكن يملكه، فلم أستطع أن أكتب له.

ذهبنا إلى سياهرود. لدى أصدقائنا هناك فيلا قديمة. لم يعودوا إليها منذ وفاة والدهم أخيراً. اضطروا إلى العودة لـ’تنظيف‘ أغراضه. يستخدمون هذه الكلمة عن قصد، كأنهم يريدون أيضاً أن يمسحوا ذكراه.

شاهدوا شرائح صورية من شبابه، من أعوام دراسته في برلين. ولأن مصباح جهاز العرض لم يعد يعمل، استخدموا ضوء هواتفهم. والدهم مع صاحبة البيت الألمانية، والدهم في مهرجان الجعة في ميونيخ، والدهم في سهرة مع رجل عربي يرتدي الدشداشة والعقال، والدهم إلى جانب خامنئي في معرض طهران الدولي. في ذلك الزمن، كان يملك مصنعاً لبطانات المكابح، وقد نال لوحة شكر من خامنئي، حين كان رئيساً.

قال صديقنا: ’كان أبي يقول لنا دائماً: نحن الذين عملنا بجد، انتهى بنا الأمر عمالاً في قمعنا.‘

فقلت له: ’مهما تغير الزمن، كانوا سيقولون الشيء نفسه.‘

ألقى بيت هيغسيث خطاباً، فيما كنا نحن نتحدث عن مسابقة أميركية في اللياقة البدنية.

قال هيغسيث إن عناصر الحرس الثوري، حين يرفعون رؤوسهم إلى السماء، يرون شيئين: العلم الأميركي ونجمة داود.

ثم انقطعت القنوات الفضائية. قلت لأصدقائنا: حين نُحرم من الأخبار ونكون بعيدين عن طهران، يبدو كأن الحرب لم تعد موجودة.

قالت زوجتي: ’علينا أن نعود إلى طهران، لقد نسينا أن نسقي شجرتنا.‘

ثم قالت: ’لنعد إلى طهران، أحب أجواء الليالي التي تسبق النوروز‘".

 ليالي النوروز في الحرب

اليوم الخامس عشر عنوانه "قالت زوجتي: لنعد إلى طهران، أحب أجواء الليالي التي تسبق النوروز": "قالت زوجتي: ’لنعد إلى طهران، أحب أجواء الليالي التي تسبق النوروز.‘

في الطريق، كان الشمال يزداد خضرةً كلما ابتعدنا عن الحرب، كأن البلاد تنقسم إلى عالمين: عالمٌ يشتعل، وآخر يتهيأ للربيع. كانت الأشجار على جانبي الطريق تميل تحت المطر، والقرى تبدو هادئة على نحو يبعث على الشك، كأنها تعرف شيئاً لا نعرفه.

حين اقتربنا من طهران، عادت رائحة الدخان قبل أن تعود المدينة نفسها. رأينا السماء الرمادية فوقها من بعيد، كأنها سقفٌ منخفض من الرماد. وعندما دخلناها، بدت الشوارع أقل ازدحاماً مما كانت عليه في مثل هذا الوقت من السنة، لكن الحركة لم تتوقف. الناس يشترون، يسرعون، يتجادلون، كأنهم يحاولون أن يُبقوا الحياة واقفةً على قدميها بالقوة.

في المساء، خرجنا لشراء ما يلزم للنوروز. كانت بعض المحال مغلقة، وبعضها يعمل كأن شيئاً لم يكن. الباعة يبتسمون أكثر من المعتاد، وربما كانوا يبتسمون خوفاً. عند أحد الأرصفة، كان رجل يبيع سمكاً أحمر في أوعية زجاجية، وعلى الرصيف المقابل كانت امرأة تبيع شموعاً معطرة. الحياة، حتى في أكثر لحظاتها هشاشة، تصر على أن تتزين.

في الليل، جلسنا نعد ما نحتاج إليه لمائدة هفت-سين. سألتني زوجتي إن كنا سنجد ثوماً جيداً، وإن كان علينا أن نشتري تفاحاً إضافياً. كانت تتكلم عن تفاصيل صغيرة، كأنها تحاول أن تعيد العالم إلى حجمه الممكن: مائدة، سبع كلمات تبدأ بحرف السين، بيتٌ يجب أن يبدو مستعداً لاستقبال عام جديد.

في الخارج، كانت صفارات الإنذار تُسمع على فترات متقطعة. وفي الداخل، كنا نناقش إن كان ينبغي أن نشتري سمكةً واحدة أم اثنتين.

تفاصيل حياة يحاصرها الموت

هذا ما تفعله الحياة: تُصر على تفاصيلها الصغيرة، حتى وهي محاصرة بالموت".

اليوم السادس عشر بعنوان "هذا هو معنى الحرب الوجودية": "حذرنا ترمب من أن الأسبوع المقبل سيكون صعباً. وهذا الأسبوع يبدأ غداً.

رجال النظام يقفون على الحواجز، ومعهم نساؤهم وأطفالهم. هذا هو معنى ’الحرب الوجودية‘: أن تزج فيها بكل ما لديك.

على الطريق الساحلي في الشمال، غُرست صفوف من النخيل. بعد 10 أعوام، ستبدو هذه الطريق مثل كاليفورنيا. أمام البيوت، حلت أشجار الأفوكادو ونخيل الزينة محل البرتقال والكيوي.

ذهبنا إلى مطعم، ثم إلى مقهى سعيدي - نيا. كان شعار المقهى قد طُمِس. كان سعيدي - نيا من المقاهي التي أغلقت أبوابها يومي الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني) تضامناً مع الشعب. اعتُقل صاحبه. ووعد الناس بأنهم سيعودون إليه ما إن يُفرج عنه، حتى لو لم يبقَ فيه قهوة، وحتى لو لم يستهلكوا سوى الهواء. وقد وفوا بوعدهم: كان المكان مكتظاً، كأنه تجمع.

قالت زوجتي إن علينا العودة إلى طهران، عيد ميلاد أختها أيضاً".

اليوم السابع عشر "حين تنتهي هذه الحرب، ستأتي حروب أخرى… حروب تطهير هذه المرة": "استيقظت باكراً، ورأيت الجبل يكلله ضباب مضيء.

اتصلت صديقة زوجتي تقول إنها رأت بأم عينيها صاروخاً يسقط على مركز شرطة نياوران.

صاروخ في باحة المسجد الأقصى

كانت إيران قد ضربت أيضاً، وسقطت شظية صاروخ في باحة المسجد الأقصى في القدس. يا للمفارقة: منذ أعوام وهم يريدون ’تحريره‘، وها هو صاروخ منهم يصيبه.

السكان عُزل في مواجهة الحكومة: لا يملكون قوة المقاومة، ولا القدرة على التحول إلى ما يريده النظام منهم. وحين تنتهي هذه الحرب، ستأتي حروب أخرى، حروب تطهير هذه المرة. سنجد أنفسنا أمام حكومة جديدة تُكرهنا على ابتلاع سرديتها المنتصرة، وتقمع كل صوت ناقد. نحن نخاف من الحكومة المقبلة بقدر ما نخاف من الحرب.

بُث نداء رضا بهلوي للاحتفال بـ’جهارشنبه سوري‘ (عيد النار قبل النوروز). أطلقه بتردد كبير، حتى لا يعود واضحاً إن كان يخاطب من في الداخل أم من في الخارج. لا يريد أن يتحمل مسؤولية الدعوة إلى الفعل، ومع ذلك يدعي أنه قائد غالبية قوى المعارضة.

وفي المقابل، صدر بيان الشرطة الذي يمنع الاحتفال بجهارشنبه سوري. ومنذ أعوام يواصل الناس الاحتفال بهذا الطقس على رغم الحظر. يعارضه النظام بعناد، عاجزاً عن الاعتراف بأن هذا التقليد جزء من ثقافتنا.

ضُربت سرجشمه، في البازار (السوق الكبيرة التقليدية)، وقُتل عدد من الناس، مجرد زبائن جاؤوا لشراء حاجاتهم للعام الجديد.

كان الطريق إلى الشمال مزدحماً، كأن طهران كلها تمضي إليه. وكانت الغيوم في السماء تشبه أعمدة دخان.

أحضرتُ شتلة أفوكادو صغيرة، سأغرسها في أرض أبي. وفي الطريق، كنت أفكر أن الإنسان كائن مفعم بالأمل، وأن غرس هذه الشجرة يشبه استعارة عن وجود البشر على هذه الأرض. لقد انتقلت من يد إلى يد عبر قرون، والآن صارت بين يدي، وبعد قرون ستكون في مكان آخر.

فجأة، أضاء الرعد والبرق السماء كأنها نهار. في البداية ظننا أنه قصف جديد، ولكن حين اقتربت من النافذة، أخذتني شدة الضوء. لم أرَ برقاً بهذا الجمال من قبل في طهران.

قلت لزوجتي: ’سوف تهطل الآن، لا تخافي.‘

وحين دوى الرعد، قلت: ’لم يُحدث أي قصف حتى الآن صوتاً بهذا العنف.‘

ثم انهمر البَرَد، وغرقت أصوات الليل والحرب في هدير المطر".

محللون يكررون أنهم لا يعرفون

اليوم الثامن عشر عنوانه "صرنا نسمع تعابير جديدة، مثل: الضربة الاستباقية": "صرنا نسمع كلمات وتعابير جديدة، مثل ’تشريح السلطة‘، و’الضربة الاستباقية‘، و’حرب الذكاء الاصطناعي‘. شاشات التلفزيون ممتلئة بالمحللين الذين يكررون أنهم لا يعرفون ما الذي سيحدث، وأن كل شيء يتوقف على ترمب، وعلى اللحظة التي سيفقد فيها صبره ويعلن أن الحرب انتهت.

هذه الليلة، قصفوا مراكز شرطة طهران. ويبدو أن الضجيج كان شديداً، لكنني لم أستيقظ حتى.

في الصباح، قالت زوجتي إنني نمت بطمأنينة مدهشة. شعور الرجل بالأمان في بيته أمر غريب.

كانوا قد قصفوا مركز شرطة نياوران، ولم يبقَ منه إلا هيكله العظمي. وأمام المبنى، نُصب علمٌ إيراني كبير".

اليوم التاسع عشر "الحرب تُعلمنا كيف نصغي إلى الأشياء التي كانت صامتة": "في الصباح، بدا كل شيء هادئاً على نحوٍ مريب. لم يكن هناك دوي انفجارات، ولا صفارات، فقط ذلك الصمت الذي يجعل المرء يتوجس من نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قالت زوجتي إن الحرب تعلم الإنسان أن يُصغي بطريقة مختلفة: إلى صوت الثلاجة، إلى احتكاك الستارة بالنافذة، إلى وقع خطوات الجار على السلم. كل شيء يصبح إشارة محتملة، وكل صوت يطلب تفسيراً.

خرجتُ لأشتري الخبز. كان الطابور أطول من المعتاد، ولكن لا أحد كان يتذمر. الناس يتحدثون بصوت منخفض، كما لو أن رفع الصوت قد يوقظ شيئاً نائماً فوق المدينة.

في الطريق، مررتُ برجل يكنس الزجاج المتناثر أمام متجره. كان يكنسه بعناية شديدة، كما لو أنه يكنس يوماً عادياً، لا أثر ليلةٍ سقطت فيها القنابل. توقفتُ لحظةً أراقبه، وفكرتُ أن الاعتياد ليس دائماً شكلاً من أشكال الإنكار، أحياناً يكون الطريقة الوحيدة للاحتمال.

عند الظهيرة، عاد التيار الكهربائي بعد انقطاعٍ قصير. صفق بعض الجيران من نوافذهم، فضحك آخرون. بدا التصفيق، في تلك اللحظة، أشبه بانتصار صغير على شيء لا نستطيع أن نسميه.

في المساء، انقطع البث فجأة. اختفت القنوات، وبقيت الشاشة رمادية. قالت زوجتي: ’حين تختفي الأخبار، لا تختفي الحرب. فقط تصير داخلنا أكثر.‘

ولم أعرف جواباً أفضل من الصمت".

لا نصر ولا هزيمة بل ما يبقى

اليوم العشرون عنوانه "ما يبقى بعد الحرب ليس النصر ولا الهزيمة، بل ما نجا": "في اليوم العشرين، بدا أن الحرب تعبت، أو أننا نحن الذين تعبنا منها. لم تعد الأخبار تُحدث فينا الذعر نفسه، ولا القصف يوقظ ذلك الرعب الأول. كأن الخوف، هو أيضاً، يستهلك نفسه مع الوقت.

قال صديق لي إن ما يبقى بعد الحرب ليس النصر ولا الهزيمة، بل ما نجا منها: بيت لم يسقط، يدٌ لم تُبتر، طفلٌ لم يفقد أمه، شجرةٌ لم يحرقها اللهب.

فكرتُ في هذا طويلاً. ربما لا تُقاس نهاية الحروب بما يُعلَن على الشاشات، بل بما يبقى قابلاً للحياة بعدها.

في الشارع، كان الناس يعودون ببطء إلى عاداتهم. رجل يساوم على سعر البرتقال. امرأة تختار قماشاً لثوب العيد. طفل يبكي لأنه يريد لعبة. هذه ليست تفاصيل هامشية، هذه هي المادة الحقيقية التي تُصنع منها النجاة.

في المساء، سقيتُ النبتة التي عدنا من أجلها. كانت أوراقها منحنية قليلاً، لكنها ما زالت حية.

قالت زوجتي وهي تراقبني: ’انظر، لقد صمدت.‘

أومأتُ برأسي. ولم أكن أعرف إن كانت تتحدث عن النبتة، أم عنا".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة