Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تغيّر مفهوم النصر في الحروب الحديثة؟

فتحت الحروب الحديثة الباب لأطراف الصراع لتأويل النتائج وقد يكتب الخاسرون "الرواية الأجمل" مع تمجيد الشجاعة والصمود والبطولات وإدانة الغرور والغطرسة

بمجرد انتهاء أي حرب يبدأ المنتصرون والمهزومون في رواية قصص مختلفة عنها، وغالباً ما تكون الروايات الرسمية ذات تصميم مدروس (أ ف ب)

ملخص

على وقع عدم التكافؤ أو التساوي في القدرات والقوة لدى الأطراف، شهدت الحروب في أنماطها المعاصرة تحولات جذرية، بعدما انتقلت المواجهات من الحروب الخاطفة والحسم العسكري السريع إلى الاستنزاف الطويل الأمد والمعقد، وفق ما يقول الخبراء والمراقبون العسكريون، معتبرين أنها سياقات جعلت من غياب "النصر الحاسم" أحد السمات الرئيسة للحروب الحديثة، وفتحت معها باب التأويل للأطراف لصياغة سرديات خاصة عن "النصر"

منذ توقف الحرب الإيرانية وإعلان وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان) الجاري، وتدور معركة أخرى بين واشنطن وطهران لا تقل ضراوتها أو حدتها عن تلك التي شهدها الميدان العسكري طوال أكثر من خمسة أسابيع، إذ يحاول كل طرف تثبيت ما يراه "نصراً" على الآخر عبر مسارات الدبلوماسية والسياسة والتفاوض، مما عقّد، وفق ما يقول مراقبون، من سيناريوهات وضع حد لتلك الحرب التي اندلعت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي.

سرديات "النصر" المتقابلة وترويجها خلال الحرب والتفاوض، كشفا عن حجم التغير الذي أصبح يصبغ الحروب في أنماطها الحديثة، إذ تجاوز جوهرها مجرد الصراع على الأرض أو الموارد، إلى صراع على المعنى والسردية، مع اختبار لقدرة كل طرف على صياغة سرديته الخاصة لإقناع جماهيره وشعبه في محاولة لإعادة ترتيب الوقائع ضمن إطار سياسي وإعلامي يخدم أهدافه.

وأمام تلك المشاهد التي حولت تعريف "النصر" ليكون أكثر المفاهيم التباساً في تحليل الحروب، مع سعي كل طرف إلى إحكام السيطرة على السردية، على قاعدة أن الدولة التي تفشل في فرض روايتها حتى لو تفوقت عسكرياً، قد تجد نفسها في موقع "الخاسر"، تتصاعد الأسئلة حول كيفية صناعة "سرديات النصر" في الحروب الحديثة، وماذا عن حال الحرب الإيرانية، وما إذا كان النصر بها يُقاس بقدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات استراتيجية غير مسبوقة لقدرات طهران العسكرية والسياسية؟ أم بقدرة إيران على ما تتمسك به من "صمود وبقاء"، مع فرض كلفة إقليمية ودولية؟ أم أن النصر تحسمه فقط نتائج المفاوضات المتعثرة حتى اللحظة بين أطراف الصراع؟

الحروب وصناعة "سرديات النصر"

تقليدياً كانت "الحروب" أو "الصراعات العسكرية" من بين المصطلحات المعقدة والمركبة في تعريفها وتحديد ماهيتها، وعلى رغم تغير الأساليب والوسائل التي تشن وتدار بها باختلاف الأزمان والعصور، فإنها بقيت راسخة من ناحية الجوهر والغاية. ولعل ما طرحه المؤرخ الاستراتيجي البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831) كان الأقرب إلى توصيفها "كلاسيكياً"، حين اعتبر أن الحرب ما هي إلا "امتداد للسياسة ولكن بوسائل أخرى أكثر عنفاً ودموية"، وأن التنفيذ الفعلي لها ما هو إلا صراع إرادات يُراد به كسر إرادة الخصم (العدو) وإخضاعه لتحقيق الهدف الاستراتيجي وهو "تنفيذ إرادة" المنتصر.

وأمام هذا التوصيف، كان يقرأ كثير من الحروب والصراعات الكبرى عبر التاريخ، وكذلك الاستراتيجيات التي انتهجتها الأطراف المتحاربة، على رغم اختلافها عن بعضها بعضاً من ناحية أنواع الأسلحة المستخدمة والخطط الاستراتيجية والعسكرية للقيام بها، ولا سيما مع سعي الإنسان على مر العصور إلى توسيع مدى أسلحته وقدرات فتكها.

إلا أنه ومع ظهور ما بات يعرف عسكرياً بـ"الحروب اللامتماثلة" أو "غير المتكافئة"، باتت مفاهيم وديناميكيات الحروب أكثر تركيباً وتعقيداً، بما يتجاوز حدود السيطرة الميدانية أو التفوق العسكري، وصولاً نحو الأبعاد الرمزية والسياسية والإدراكية لدى الأطراف المتحاربة، ولا سيما مع التوسع في الاستخدام غير المسبوق للتقنيات التكنولوجية والحاسوبية في إدارة المعارك وتسليحها، مما صعب من "حسم الحرب" عسكرياً على أحد الأطراف، وفتح الباب أمام ما يعرف بـ"تأويل" النتائج العسكرية لدى الأطراف المتحاربة، وفق قاعدة أهداف وغايات متباينة.

 

وبحسب الأدبيات العسكرية، فإن الحروب "اللامتماثلة" هي تلك التي تندلع بين أطراف غير متساوين في القوة والقدرة والإمكانات، مع استخدام أدوات غير تقليدية لأحد الأطراف لتعويض الفارق، وعليه يكون الهدف من تلك الحرب لا هزيمة العدو عسكرياً بقدر ما يكون إرهاقه واستنزاف إرادته السياسية وتحويل الحرب إلى عبء دائم عليه.

وعلى وقع عدم التكافؤ أو التساوي في القدرات والقوة لدى الأطراف، شهدت الحروب في أنماطها المعاصرة تحولات جذرية، بعدما انتقلت المواجهات من الحروب الخاطفة والحسم العسكري السريع إلى الاستنزاف الطويل الأمد والمعقد إقليمياً، مما يظهر بوضوح أن موازين القوى التقليدية بدأت تتآكل أمام استراتيجيات جديدة تعتمد على النفس الطويل واللامركزية والقدرة على الصمود المادي والنفسي، وفق ما يقول الخبراء والمراقبون العسكريون، معتبرين أنها سياقات جعلت من غياب "النصر الحاسم" أحد السمات الرئيسة للحروب الحديثة، وفتحت معها باب التأويل للأطراف لصياغة سرديات خاصة.

يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية بـ"جامعة غلاسكو" في اسكتلندا سيان أودريسكول، صاحب كتاب "الانتصار ومأساة الحرب العادلة" أن "شبح الحروب المعاصرة التي لا تنتهي، يجعلنا نعيد التفكير في فكرة النصر، وهل تكتسب دلالة خاصة ومختلفة في الحال المعاصرة"، معتبراً ضمن مقالة له في موقع "كونفرسيشن" أن "الإيمان بفكرة النصر في الحرب الحديثة ليس أكثر من أسطورة"، وعليه فقد حان الوقت للتفكير مرة أخرى وبصورة أعمق مما فعلنا من قبل، حول معنى النصر في الحروب.

وأمام غياب "النصر الحاسم"، يثار السؤال حول صناعة الأطراف لـ"سردية النصر" الخاصة بهم وفهم فلسفتها، فتقول عنه الأستاذة بالأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت ومؤلفة كتاب "البحث عن الحرب الجيدة: النسيان الأميركي والسعي العنيف وراء السعادة" إليزابيث ساميت إننا "نحن نعيش في عالم ينتصر فيه راوي القصة الأبرع على صاحب التحليل العقلي الأوضح، وتبلغ بعض القصص من النجاح ما يجعلها تكتسب طابع الأسطورة، وعند تلك اللحظة، كما يكتب منظّر الأدب الأميركي بيتر بروكس، في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان ’مفتونون بالقصة‘، يُنسى أنها مجرد خيالات ويُتعامل معها بوصفها تفسيرات حقيقية للعالم".

وتضيف ساميت ضمن تحليلها في مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تحت عنوان "عقدة السرديات العسكرية" أن "في مواجهة هذا الاستيلاء السردي يجب على القراء تفعيل الذكاء النقدي والتحليلي في مواجهة السرديات التي تغوينا بقبول الأيديولوجيات السائدة"، مشيرة إلى تأكيد بروكس أن "ما يحتاج إليه المستمعون والقراء هو مقاومة الخدر الذهني السلبي الذي يعوّق قدرتنا على الاستجابة الواعية".

ومحاولة تفسير دور السرديات في زمن الصراعات، رأت ساميت أنه "في الواقع تغوي القصص المتنافسة الأفراد والأمم بخوض الحروب، وما إن ينضموا إلى الصراع حتى يبدأ المشاركون والمشاهدون بنسج مزيد من الحكايات لفهم علاقتهم بتلك الفوضى العنيفة، وتوفر مرحلة ما بعد الحرب أرضاً خصبة لسرديات جديدة عن نشأتها وسيرها ونهايتها"، مشيرة إلى أن "السرد فعل فردي وجماعي في آن واحد، إذ تمتزج الذكريات الشخصية بـالخيال السياسي والحقائق التاريخية والتحريف الأسطوري، في طوفان من القصص عادة ما يتبع الحروب".

وبحسب ساميت، فإن "الأمم تنسج أساطير من انتصاراتها، وتمحو هزائمها بوعد انتصارات مقبلة"، وتميل إلى موازنة "الحروب السيئة" بـ"الحروب الجيدة"، معتبرة أن الحروب ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) "دخلت فيها الدول وحتى جهات غير حكومية بأشكال مختلفة، ويبدو في كل مرة أنها (الأطراف) تبحث عن قصة تمنحها لذة السرد المرتبطة بتلك الحرب، قضايا عادلة وحبكات واضحة وقوية عن التحرير والانتقام العادل وأبطال وأشرار لا لبس فيهم ونهايات حاسمة، ومع ذلك لم ينجح أي من نسخ الحروب اللاحقة للحرب العالمية الثانية في منافسة جاذبية القصة الأصلية"، وأشارت إلى أنه "عندما يتعلق الأمر بالنزاعات العنيفة تكون كلفة هذا النهج باهظة للغاية، فبسرعة مذهلة يتحول الاحتمال الضعيف إلى احتمال مرجح ثم إلى يقين، فيما يرفض الناس الروايات الهادئة والمعقدة وغير الجذابة التي تتحدث عن التسوية الحكيمة أو الدبلوماسية الغامضة أو التقدم التدريجي".

 

وذكرت ساميت أنه "بمجرد انتهاء أية معركة أو حرب، يبدأ كل من المنتصرين والمهزومين برواية قصص مختلفة عنها، وغالباً ما تكون الروايات الرسمية ذات تصميم مدروس، وإن لم يكُن بالضرورة خبيث النية"، وتابعت "صحيح أن التاريخ يُكتب بأقلام المنتصرين، لكن الخاسرين هم غالباً من يروون القصة الأجمل. ومع نهاية كل حرب تظهر رواية جديدة تمجد الشجاعة الجسدية وبطولات ساحة المعركة وتدين الغرور والغطرسة، لكنها في الوقت نفسه تشوه العلاقة بين الحرب والسياسة وتقلل من شأن فضيلتين عمليتين، يمكنهما منع الحرب، هما الحكمة وضبط النفس، وتتجاهل دور الصدفة والفوضى".

من جانبه لفت الصحافي والناقد كارلوس لوزادا في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية إلى أن "الصقور" المتشددين في السياسة والحرب يمتلكون "ميزة سردية" تجعل قصصهم أكثر جاذبية وإقناعاً من قصص "الحمائم" الداعين إلى السلام، مرجحاً أن "يكون ذلك غير عادل"، إلا أن قصص الحرب عادة ما تكون أكثر إثارة من قصص السلام، وأن السيناريوهات القاتمة التي تتحدث عن الأخطار والتصعيد تكون دائماً أكثر جذباً من الأصوات المعارضة التي تشرح كيف يمكن تجنب الصراع".

وبحسب لوزادا، فإن غالباً ما يُثير "الصقور" الحماسة التلويح بـ"قميص ملطخ بالدماء" أو باستحضار خيانة ما، وأحياناً يقدمون حتمية الحرب في إطار من الندم والتردد وكأنهم يبررونها بأسف متعمد.

صناعة السردية في الحرب الإيرانية

لم تكُن الحرب الإيرانية الأخيرة نموذجاً مختلفاً عما باتت تعرفه الحروب الحديثة على مستوى العمليات والأسلحة المستخدمة، وحتى في ما يتعلق بمفاهيم وسرديات "تحقيق النصر" لأطراف الصراع، إذ منذ إعلان وقف إطلاق النار وبدء مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، تبنت كل دولة "سردية نصر" مغايرة عن الأخرى، ففي وقت يكرر الجانب الأميركي على لسان كبار مسؤوليه الرسميين في البيت الأبيض و"البنتاغون" والخارجية، تمكنهم في أقل من 40 يوماً من المعارك العسكرية من تدمير وإزالة القدرات العسكرية الإيرانية كافة بدءاً من برنامجها النووي، مروراً بقدراتها الصاروخية والجوية وسلاح بحريتها فضلاً عن "تغيير النظام"، تروج طهران في المقابل أنها "استطاعت هزيمة العدو وإجباره على الخضوع أمام شروطها ومطالبها"، وإن لم يكُن بالمفاهيم العسكرية والردع فـ"بالقدرة على البقاء وإفشال مخططات الخصوم".

 

تلك الروايات المتباينة في فلسفة كل طرف لسرديته الخاصة، دفعت كثيراً من الباحثين والمراقبين إلى التساؤل حول العناصر التي ترسم ملامح النصر في الحروب الحديثة سواء المعركة ذاتها أو السياسة أو الترويج الإعلامي لسرديات كل طرف، وإلى أي مدى يمكن الارتكان لرواية طرف على الآخر.

خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، رأى الباحث والمحلل السياسي الإيراني إبراهيم شير أن "معركة الإعلام والترويج لسردية النصر لكل طرف لم تكُن أقل أهمية مما شهدته ميادين القتال"، موضحاً "منذ وقف إطلاق النار وحتى على مدى أيام الحرب، تبنّى كل طرف سردية خاصة بالصراع وبالنصر في آن واحد، وسعوا إلى ترويجها إعلامياً على نطاق واسع، بهدف تقديمها إلى الرأي العام المحلي والمجتمع الدولي، وأمام هذا التباين بقي السؤال الأكبر من يمتلك سردية أدق وأصدق بين الطرفين".

وقال "بالنسبة إلى السردية الأميركية، فقد اعتمدت بالأساس على الإنجازات العسكرية التي تمكنت من وجهة نظرها من تحقيقها والمتمثلة في القضاء على عدد كبير من قيادات الصف الأول السياسي والعسكري في إيران، وتدمير البرامج العسكرية سواء النووية أو الصاروخية الإيرانية، وعليه فمن وجهة النظر الأميركية قد حققت النصر، في المقابل تبنت طهران ولا تزال سردية أخرى، مفادها بأنه وعلى رغم الحرب مع القوى العظمى الأكبر في العالم، فإن الأخيرة لم تتمكن من تغيير النظام، أو القضاء على كامل القدرات العسكرية، أو الدور الإيراني الخارجي على المستويات السياسية والعسكرية والاستراتيجية، مرجعة حجم الخسائر الكبير إلى أنه كلفة مطلوبة استراتيجياً من أجل البقاء والصمود وتحقيق النصر".

وذكر شير "حتى مع انطلاق المفاوضات وعلى رغم تعثرها حتى اللحظة، فإن كل طرف يتمسك بروايته في ظلها، فالجانب الأميركي يرى في الحرب ضرورة أجبرت طهران على الجلوس إلى طاولة التفاوض وتقديم تنازلات لم تكُن لتقدمها لولا الضغط العسكري عليها، فيما يرى الجانب الإيراني أن حضوره للتفاوض جاء بعدما كشفت الحرب عن قدرتها على الصمود والبقاء وعدم قدرة الجانب الأميركي على تحقيق أهدافه عبر العمليات العسكرية، بالتالي فهي تتفاوض كندّ للولايات المتحدة وليس من منطلق الانكسار أو الاستسلام كما حدث في حالات دولية سابقة".

ووفق شير، فإن تمسك كل طرف بسرديته الخاصة، أظهر مجدداً أهمية الدور الإعلامي ومعارك الصورة والكلمة خلال الحروب الحديثة، قائلاً "لم تعُد الحروب في شكلها الحديث حروباً كلاسيكية، بل باتت الصورة والترويج الإعلامي لها عنصراً مهماً في إدارتها، وتشكل الوعي حولها قد يتجاوز في بعض الأحيان الخطاب العسكري"، وأشار إلى أن "كثيراً من المعارك قد تكون مهمة مع تحقيق أحد الأطراف فيها تفوقاً استراتيجياً، لكن قد يخفت بريقها وأهميتها في مقابل معارك أخرى أصغر رُوّج لها بسردية متماسكة على اعتبارها تحولاً في الحرب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبه يقول الباحث والمحلل الأميركي جوزيف ماردسوف إنه "لم يعُد بالإمكان فهم الحرب ونتائجها عبر ثنائية رابح وخاسر، مما يعكسه تباين السرديات وتنافسها في ما يتعلق بالحرب والتفاوض، إذ يقدم كل طرف رؤيته لما يجري ويحاول بناء سرديته الخاصة لإقناع جمهوره بتحقق أهدافه"، ويضيف خلال  حديثه إلينا "مع هذا التعقيد لم تعُد الحروب تنتهي عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها مرحلة لا تقل أهمية لتفسير ما حدث، وهي معركة قد يكون الانتصار النهائي فيها من نصيب القادر على صياغة السردية والترويج لها، لا من يملك القدرة العسكرية والنارية الأكبر".

ووفق ماردسوف، فإن صراع السرديات "يهدف بالأساس إلى تشكيل وعي الجمهور وتوجيه مواقفه"، مستعيناً في ذلك بالطفرة الكبيرة التي شهدتها وسائل الإعلام والفضاء الرقمي في تشكل الصورة وصياغتها"، ويشير إلى خطورة الوصول لنتيجة أن "من يمتلك السردية يمتلك الميدان".

 وأمام هذا التصور عن "صناعة سردية النصر"، يبقى السؤال حول كيفية حسم نتائج الحرب في أنماطها الحديثة، مما أوضحه مدير "معهد بيكر للسياسات العامة" في "جامعة رايس" الأميركية والمبعوث الأميركي السابق للقضايا الإنسانية في غزة السفير ديفيد ساترفيلد خلال حوار سابق مع "اندبندنت عربية"، إذ قال إن النصر تحسمه على نحو أساس "النتائج السياسية للصراع وحجم التنازلات التي سيقدمها كل طرف إلى الآخر لإنهاء الحرب"، معتبراً أنه "مع تبني كل طرف سردية نصر مختلفة، يبقى السؤال هو كيف سينتهي هذا الصراع، لنرى بالضبط ما سيتم الاتفاق عليه، ومن قدم تنازلات إلى من وبأية درجة".

ومع تأكيده على أن الجانبين "يقدمان روايات متنافسة من أجل تشكيل المفاوضات والرأي العام العالمي وكذلك المحلي لكل منهما، لكن في النهاية دعونا نرى إلى أين سيؤدي ذلك فعلياً على طاولة المفاوضات"، قال ساترفيلد عن تأثير الرأي العام المحلي في معادلات الصراع وسرديات مخرجاته، إنه بالنسبة إلى الجمهور الإيراني فهو "مهم في معادلة الحرب بالنسبة للنظام"، موضحاً أنه "بقدر رغبة الشعب الإيراني في استبدال نظام بلاده البائس والقاتل والفاسد والعاجز، ولا سيما بعد أن وصل بقمعه إلى مستويات غير مسبوقة كما شهدنا في بداية العام الحالي حين قتل أثناء التظاهرات ضده أكثر من 8 آلاف شخص، إلا أنه يملك تأثيراً في النظام وسلوكيته".

وتابع "بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد كشفت معظم استطلاعات الرأي عن عدم تأييد الحرب واستمرارها"، مضيفاً "لكن لم يكُن له حتى الآن تأثير حاسم في الخيارات التي تتخذها الإدارة بمرور الوقت. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لدينا، لا شك في أنه إذا استمر الصراع، وإذا استمرت الأسعار في الارتفاع ليس فقط بالنسبة إلى الهيدروكربونات ولكن بالنسبة للمنتجات الأخرى مثل البلاستيك ورقائق أشباه الموصلات والأسمدة والمنتجات الزراعية، فإن ذلك سيكون له تأثير حتمي، ولكن حتى الآن لم يحدث ذلك".

وكان لافتاً تصوير المستويات السياسية والعسكرية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة لإعلان وقف إطلاق النار  وحتى مسار المفاوضات المتعثر، على أنه "إنجاز حاسم" لإرادتها وقدراتها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، زاعمة أنها تمكنت من تحقيق أهدافها المعلنة من تلك الحرب، وأن وقفها جاء بالأساس "نتيجة لقوة الردع التي تملكها"، في المقابل تمسك الطرف الأميركي بأن "إيران هزمت عسكرياً وسياسياً" في الحرب، ولم تعُد تملك أية أوراق يمكن التفاوض في شأنها، مشيداً بالقدرات العسكرية والأمنية التي يملكها من أجل تحقيق ذلك.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير