ملخص
بين تصورات يوتوبية حالمة وأخرى دستوبية مرعبة، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الأدب نجح مراراً في تخيل ما سيأتي، فهل ما يستشرفه الأدباء الآن محض خيال، أم مسودة أولى لمستقبل قادم لا محالة؟
خلافاً للحوادث التي يمكن تسميتها بالفردية، يتسع نطاق الاستشراف الأدبي، ليتنبأ بكوارث كونية، أو أنظمة عالمية مخيفة، كما الحال في رواية "1984"، التي تنبأ كاتبها جورج أورويل بملامح نظام عالمي قمعي، يخضع البشر عبر آليات التلصص والمراقبة، باستخدام الشاشات الذكية، ورواية "عالم جديد شجاع" للكاتب الإنجليزي ألدوس هيكسلي، الذي تنبأ بعالم استهلاكي تحكمه ديكتاتورية ناعمة، تخضع البشر عن طريق المتعة والإشباع والترفيه، لا عن طريق الألم والخوف.
وفي عام 1985 نشر الكاتب الأميركي دون ديليلو روايته "الضوضاء البيضاء"، وتدور أحداث الجزء الثاني منها حول قطار يحمل مواد كيماوية خطرة، ينحرف عن مساره في ولاية أوهايو، مما يتسبب في تسرب مواد سامة تتحول إلى سحابة سوداء تغطي سماء المدينة، مما يضطر السكان إلى إخلائها. وفي عام 2022 يجري تصوير فيلم سينمائي مقتبس عن الرواية في الولاية ذاتها، ويشارك فيه مجموعة من السكان المحليين لتصوير مشاهد الإخلاء، لتحدث المفارقة المرعبة، إذ تتحول أحداث الرواية بعد أشهر من تصوير الفيلم، وتحديداً في فبراير (شباط) 2023 إلى واقع حقيقي، ويضطر سكان بلدة إيست بالستين الذين شاركوا في مشاهد الإخلاء في الفيلم، إلى إخلاء المدينة فعلياً.
حين ترحل المدن
بدأ إبراهيم عبدالمجيد، نشر روايته "قناديل البحر"، في صورة حلقات مسلسلة في مجلة "نصف الدنيا"، وزامن نشر إحدى حلقاتها التي كانت تدور حول حركات تكتونية عنيفة تهز الأرض والجبال في مصر، وقوع زلزال عام 1992.
لم تكن هذه المصادفة فريدة من نوعها في أدب عبدالمجيد، فهناك كثير من المصادفات التي يعددها قائلاً "لأكثر من مرة تقع أحداث سبق أن كتبتها، وتصيبني الدهشة تماماً مثل القراء، ولا أجد تفسيراً لذلك، إلا ربما الصدق الفني وتواتر الأحداث". ويدلل عبدالمجيد على هذه المصادفات، بما ذكره على لسان أبطاله في رواية "الإسكندرية في غيمة"، من أنه لا يبقى للناس شيء إذا رحلت المدن، وهو ما يراه حدث بالفعل مع فقدان الإسكندرية هويتها الجمالية. ويضيف قائلاً "شيء واحد خفت أن يتحقق بعد أن كتبته في رواية ’السايكلوب‘. ففي هذه الرواية يرحل أهل مصر في سفن عبر البحر المتوسط، نحو جزيرة معزولة، يظهر لهم فيها السايكلوب (كائن خرافي)، ويلتهمهم". ويكمل "لم يخفني السايكلوب فهو محض خيال، إنما هرب الناس، وهو ما حدث ويحدث منذ سنوات، فلا ننفك نقرأ أخباراً عن مصريين حاولوا عبور المتوسط، والتهمهم الموت قبالة الساحل الليبي، أو تم القبض عليهم هناك".
ويرى عبدالمجيد أن الكتابة الاستشرافية تحدث بصورة غير مقصودة، إذ إن القصد يعني تغليب العقل على حساب الروح، التي هي جوهر الكتابة والفن. لكنه لا ينفي في الوقت نفسه تأثر الكاتب الموهوب بما يعيشه من أجواء قلقة، وواقع مضطرب، وما تهفو إليه نفسه من أمل في اليوتوبيا.
وبينما يعد عبدالمجيد اليوتوبيا نوعاً من التسلية، يرى أن الدستوبيا تنفيس وتطهير، مؤكداً أن الآلام والعقبات هي التي تصنع الفن والأدب.
لكن كاتب الدستوبيا موعود بالعقاب كما يؤكد بقوله "إن المسؤولين عن الدستوبيا الواقعية، قد يسجنون كاتب الدستوبيا الروائية، لأنهم يرون ما يفعلونه هو اليوتوبيا بعينها، وهذا ما حدث في ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، والاتحاد السوفياتي بعد الثورة البلشفية، وأيضاً الصين بعد الثورة الشيوعية".
الدستوبيا والأسئلة الصعبة
ترى الكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي أن الكاتب حين يحاول استشراف المستقبل، فهو يحاول امتلاكه، خصوصاً في ظل الأزمنة المضطربة بالحروب، والتحولات التكنولوجية، وأزمات الهوية، إذ يشعر بأن الحاضر غير مكتمل الفهم، فيندفع إلى الأمام، لا هرباً، بل محاولة لإضاءة ما يحدث عبر تخيل ما سيؤول إليه. وهذا ما يجعل من استشراف المستقبل - على حد وصفها - استجابة معرفية للقلق، الذي تراه منشأ نبوءة الكاتب، التي تعدها مزيجاً من حدس جمالي وقراءة ذكية للواقع.
وتؤكد أن الكاتب بطبيعته يشتغل على "الاحتمال"، لا على "الواقع الثابت"، لذا فهو لا يكتفي بوصف العالم، بل يسأل: ماذا لو؟ ماذا بعد؟ أما عن الشعبية الكبيرة للدستوبيا فتفسرها قائلة: "هذا النوع الأدبي يلامس القلق الجماعي، ويمنح القارئ أدوات لفهم واقعه ومواجهته، كما أنه يبالغ في رسم مشكلات الواقع، مثل الرقابة، والاستبداد، وتدمير البيئة ولا سيما بالأسلحة النووية، والتقنية، وفقدان الحريات، لذا لا تفقد رواية ’حكاية الخادمة‘ لمارغريت أتوود على سبيل المثال بريقها، بل إنها أضحت اليوم أكثر قرباً وواقعية".
وتضيف: "تنجح الدستوبيا لأنها تطرح الأسئلة المحرجة والصعبة والممنوعة، ولأنها وإن كانت تعكس تشاؤمنا الجماعي، فإنها أيضاً تحمل أمل القدرة على تخيل المقاومة".
وتوضح صاحبة رواية "قلب الملاك الآلي" أسباب عدم رواج اليوتوبيا كما الحال في الدستوبيا بقولها: "إن القارئ الذي خلق جزوعاً، ينجذب بطبيعته إلى الصراع والتوتر الدرامي، الذي يفتقر إليه المجتمع المثالي، كما أن تصوير الواقع المرير يتيح فرصاً أغنى للنقد الاجتماعي، والتحذير من مخاطر الحاضر".
سيناريوات مأسوية
ويرى الكاتب الأردني جلال برجس أن الكاتب يلجأ إلى الاستشراف عندما يشعر بالخوف على المكانة الإنسانية، فهو ليس مجرد حالم ينقل أحلامه، بل ناقد ومفكر وسياسي، بعين ثاقبة ترى الواقع، على رغم تجاهل المؤسسات الرسمية له. ويؤكد أن معظم الروايات الدوستوبية الناجحة، انطلقت من هذه القدرة على تصور ما قد يحدث للعالم، إذا استمر على مسار الخطر.
ويشير إلى أن رؤية الكاتب تتشكل في شرفة المخيلة، لكنها ترى النور بأدوات الواقع نفسه، مع كل عناصره التي لا توحي بالاطمئنان. ذلك أن الكاتب كائن خائف وحالم في الوقت ذاته، يهتم بالبقعة التي يقف عليها، وبالسماء التي يحلق فيها العصفور، ويكره الحرب وكل من لا يؤمن بحق الإنسان في الحياة.
ويستدعي برجس رواية "1984"، كإحدى أهم الروايات الاستشرافية التي كشفت عن آليات السيطرة الحديثة، وبينت كيف يمكن للسلطة التحكم بالإنسان عبر المراقبة، وتزييف الحقيقة، والتلاعب باللغة، مؤكداً أن أهمية هذه الرواية تكمن في تذكيرها لنا بأن اللغة أداة لتشكيل الوعي، وأنها تثير تساؤلات عن الحرية والهوية والحقيقة، إضافة إلى أن أفكارها تبدو راهنية في ظل هيمنة المعلومات والتقنيات الحديثة، مما يجعلها مرجعاً لفهم العلاقة بين الكلمة، والسلطة، والكتابة، والدفاع عن المعنى.
ويرى أن روايات الدستوبيا تزدهر في فترات القلق الجماعي والأزمات السياسية والاقتصادية، إذ يشعر الإنسان بفقدان التوازن، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وهي عوامل تجعل القارئ يبحث عن نصوص تفسر التحولات وتمنحها معنى.
ويرصد برجس الجماليات السردية، التي تسهم في نجاح الرواية الدوستوبية ويعددها بين المشهدية المكثفة، التي تجعل القارئ يعيش العالم المتطرف، إضافة إلى بناء عوالم متسقة داخلياً، والتركيز على التجربة النفسية للشخصيات لتعميق التعاطف، فضلاً عن إتقان الإيقاع، واستخدام الرمز الذي يعكس الواقع. وكذا النزوع إلى الخيال، من دون تجاهل التحليل الدقيق للواقع، كيلا يفقد النص صدقيته.
وحول تجربته في الأدب الاستشرافي يستطرد برجس: "في روايتي ’معزوفة اليوم السابع‘ استشرفت ما قد يكون عليه العالم مستقبلاً، مركزاً على وقوف الإنسانية على حافة الهاوية، حيث يعيش سكان ’مدينة الجد الأول‘ في عالم يفقدون فيه القدرة على رؤية أنفسهم في المرايا، على نحو يحيل لفقدان الهوية والوعي الذاتي، وقد حاولت في هذا النص ربط القارئ بالتحولات الواقعية من خلال حكاية خيالية مستوحاة من الواقع".
لذة التلصص
وترى الكاتبة المصرية منصورة عز الدين أن استشراف المستقبل يبدأ من التبصر في ما تحمله اللحظة الراهنة من بذور ستنمو لاحقاً لتشكله، وأن ما يجذب القراء للدستوبيا، أنها تريهم جوانب قاتمة مخفية من حاضرهم، عبر وضعها تحت عدسة مكبرة تكثفها في صورة وضع مستقبلي، فضلاً عن أنها تمنحهم لذة التلصص على ظروف عيش كابوسية، من دون أن يختبروها فعلياً، إذ تعاني الشخصيات الفنية من واقع جحيمي، فيما يحصل القارئ على دفقة الأدرنالين الناتجة من مراقبة هذا الواقع من مسافة آمنة.
وتشير إلى أن الأمور في الفن لا تجري على نحو مباشر، إذ يمكننا الكتابة عن الخير والجمال عبر الخوض في قلب الشر والقبح وتحليلهما، وأن إظهار واقع قاتم سواء مستقبلي أو معاصر، قد يحمل في جوهره بصيص أمل، إذ قد يقدم للقارئ درجة ما من التطهير، أو يدفعه للتمسك أكثر بالقيم الإيجابية بعد أن تأثر برؤية ما يمكن للشر أن يوصلنا إليه.
وتفند تطور الأدب الاستشرافي وتغير توجهاته عبر التاريخ قائلة "إن معظم الروايات التي تدور في المستقبل تصور دستوبيا قاتمة أو تدور في أجواء ما بعد أبوكاليبتية، لكن في القرن الـ19 مثلاً لم يكن الأمر كذلك، إذ كانت تصورات المستقبل وردية، نظراً إلى ثقة الناس حينذاك في العلم، وإيمانهم بأن التاريخ يسير في إطار تصاعدي صوب الأفضل، غير أن الحروب العالمية والأحداث العنيفة التي وقعت في القرن الـ20، جعلت الميزان يميل أكثر صوب التخيلات الكابوسية والدستوبية للمستقبل".
وتتبنى منصورة عز الدين رؤية مغايرة للعلاقة بين اليوتوبيا والدستوبيا، إذ تعتبرهما وجهين لعملة واحدة، ذلك أن اليوتوبيا - على حد قولها - تفترض نموذجاً يراه مؤسسوها الأفضل، لكن النموذج نفسه سيكون دستوبياً لمن لا يتواءم معه. وتوضح أن ثمة تقليد شائع في روايات الدستوبيا، مفاده بأنها تبدأ كيوتوبيا زائفة، إذ ترى في البداية باعتبارها تقدم مجتمعاً مثالياً، وصل إلى الدرجة الأرقى من التقدم، ثم يحدث أن ينتبه البطل إلى أنها ليست كذلك، كأن هذه الانتباهة هي فقط ما يحولها من يوتوبيا إلى دستوبيا.
وتنطلق عز الدين من حقيقة أن كثيراً من عناصر عصرنا الحالي تبدو دستوبية، مما يجعل المسافة بين الواقعي والتخييلي المفارق للواقع، تكاد تختفي في كثير من الأحوال، لتتساءل: هل ستظل روايات الدستوبيا جاذبة للقراء في وقت يتحول الواقع فيه إلى دستوبيا كاملة الأوصاف؟
الخوف الأكبر
ويرى الكاتب السعودي وائل الحفظي أن الكتابة في جوهرها محاولة لفهم الذات، نتيجة صراع معها أو مع محيطها، وأن استشراف العالم ليس غاية مستقلة بقدر ما هو أثر جانبي لمحاولة الكاتب فهم ما يدور حوله، أو حتى بداخله.
ويستطرد قائلاً "حين يصبح الواقع هشاً ومضطرباً، يميل الأدب تلقائياً إلى التساؤل: إلى أين نمضي؟ لذلك فإن الأدب الاستشرافي غالباً ما يولد من الخوف، أو الحيرة، أو الرغبة في التقاط مصير الإنسان قبل وقوعه الكامل".
ويؤكد أن الكتابة لا يمكن أن تخرج بالكامل عن ذاتية كاتبها، لأنها كما تتكئ على الإحساس والرؤية الشخصية، فإن الكاتب في الوقت ذاته، لا يكتب من فراغ، بل يراقب الواقع، يلتقط إشاراته الصغيرة، ثم يدفعها بخياله إلى نهايات محتملة. لذا يرى أن نبوءة الكاتب ليست خيالاً محضاً ولا قراءة علمية بحتة، بل مزيج بين الحدس الفني وقراءة الواقع، مما يجعل الأدب في أحيان كثيرة قادراً على إصابة المستقبل، لأنه يفهم الإنسان أكثر مما يفهم الأحداث نفسها.
ويرصد الحفظي المسافة الشاسعة بين اليوتوبيا التي تقدم عالماً يريد الإنسان الوصول إليه، التي تبدو مستحيلة أو بعيدة من التجربة الإنسانية، وبين الدستوبيا التي تقدم العالم الذي يخشى أنه يعيش بداخله بالفعل. ويعد هذا الفارق، المسؤول الرئيس عن رواج الدستوبيا، موضحاً أن الإنسان بحاجة إلى ما يفهمه، ويعكس هشاشته أكثر من حاجته إلى حلم كامل لا يشبه واقعه. وأن كثرة الأوهام والشعارات المثالية في العصر الحالي، تجعل القارئ أكثر انجذاباً إلى الأدب الذي يواجه المعتم في زوايا حياته، بدلاً من أن يتجاوزها بسهولة إلى مناطق الضوء.
ومن جهة أخرى يرى أن أهم ما يمنح الأدب الاستشرافي قوته، هو قدرته على جعل العالم المتخيل قابلاً للتصديق. عبر الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة، بناء المناخ النفسي، وحتى طريقة تشكل العلاقات الإنسانية، فكلها - على حد قوله - عناصر تجعل القارئ يشعر أن ما يقرأه ليس بعيداً منه. ويشير إلى أن نجاح هذا النوع الأدبي مشروط بقدرة الكاتب على الموازنة بين الخيال والواقع، معتبراً أن الخيال الجامح وحده قد ينتج عالماً مدهشاً ولكن فارغاً، بينما التحليل الصارم وحده قد يحول الرواية إلى تقرير فكري، لذا يعتبر أن جودة هذا الأدب مقرونة بجعل الخيال امتداداً منطقياً للواقع.
وعن الخوف الأكبر الذي يراه صاحب رواية "ترف الانكفاء"، نواة لعمل أدبي استشرافي قد يقدم على كتابته، يقول "إن أكبر مخاوفي هو فقدان الإنسان لقدرته على الشعور الحقيقي، أخشى من عالم تصبح فيه العلاقات أكثر هشاشة، والذاكرة أكثر قابلية للمحو، والإنسان أكثر عزلة على رغم كل هذا الاتصال الهائل. أظن أن النص الذي قد أكتبه لن يكون عن كارثة كبرى، بقدر ما سيكون عن التآكل البطيء للروح الإنسانية، وعن الإنسان الذي ينجو تقنياً من كل شيء، لكنه يفقد نفسه بالتدريج".
الحب يتحول إلى خوارزمية
"إننا نعيش لحظة توترات كبرى، تسببت بها الحروب، وصعود الشعبوية، والأوبئة، وأزمات المناخ والطبيعة، وهي لحظات تزدهر فيها الدستوبيا". هكذا تستهل الكاتبة المغربية المقيمة في ألمانيا ريم نجمي حديثها، مؤكدة أن الكاتب حين يشعر أن الواقع صار غير مطمئن، يبدأ في تخيل النهايات المحتملة، وأن الأزمات الاقتصادية، والتغير المناخي، والمراقبة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وانهيار الثقة في الحقيقة، كلها مواد خام لأدب دستوبي. وتشير إلى أن الدستوبيا هي غالباً ابنة هذا الواقع المأزوم، فمع شعور الإنسان بالعجز أمام صور الموت، وإدراكه أن حريته مهددة، أو أن الطبيعة تنتقم، أو أن التكنولوجيا تعرف عنه أكثر مما يعرف عن نفسه، يتحول الخيال إلى مساحة إنذار، ولذا لا يمكن اعتبار الأدب الدستوبي هرباً من الواقع، بل مواجهة له.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تتخيل نجمي نصاً دستوبياً تكتبه فتختار أن تكتب عن عالم تتحول فيه المشاعر إلى بيانات، والذاكرة إلى ملف قابل للتعديل، والحب إلى خوارزمية، معتبرة أن ذلك قد يحدث في المستقبل القريب، وتوضح فرضيتها قائلة "لن يقع الناس في الحب مباشرة، كل علاقة ستمر أولاً عبر وسيط ذكي، وتطبيق لا يكتفي باقتراح الشريك المناسب، بل يترجم المشاعر، ويصوغ الرسائل، ويختار توقيت الاعتذار، ويحذف العبارات القاسية، ويقترح متى يجب أن تصمت ومتى يجب أن تقول: أحبك".
وتكمل: "مع الوقت، سيصبح الحب أكثر سلاسة، ولكن أقل صدقاً. لا أحد يجرح أحداً، لا أحد يتلعثم، لا أحد يرسل رسالة غبية في الثالثة صباحاً. الذكاء الاصطناعي يحمي العلاقات من سوء الفهم، لكنه يحرمها أيضاً من هشاشتها الإنسانية".
وحول الإنجاز العربي في الأدب الدستوبي تشير نجمي إلى وجود أعمال روائية مميزة، تذكر من بينها رواية "نزوح" للكاتب حبيب عبدالرب سروري. وترى أن قيمة هذه الرواية، تنبع من كونها لا تتعامل مع الخيال العلمي بوصفه هرباً من الأرض، بل بوصفه طريقة أخرى للنظر إليها من بعيد، إضافة إلى أنها تحول الحب والجسد والأمومة إلى أسئلة استشرافية، لاستكشاف ماذا يحدث للمشاعر حين تنتقل خارج شروطها الطبيعية؟ ماذا يحدث للجسد حين يصبح موضع مراقبة علمية وإنسانية وكونية؟ وماذا يعني أن يولد طفل في مكان لم تختبر فيه الولادة من قبل؟
تصورات حالمة وقاتمة
يقارن الكاتب الأردني فادي زغموت بين المنتج الغربي والعربي من هذا النوع الأدبي، لافتاً إلى التفوق الغربي، في مقابل محاولات عربية قليلة نسبياً لتخيل المستقبل ضمن الأدب الدستوبي، غير أنه يرى أن بعض الأعمال البارزة نجحت في تقديم رؤى لافتة، تنطلق من واقع المنطقة العربية وتضخمه، ومن بينها رواية "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي، التي تعيد تشكيل حاضر بغداد العنيف في صورة كابوسية، إذ يتجسد الخراب في كائن حي يعكس عبثية العنف واستمراريته. وكذلك رواية "حرب الكلب الثانية" لإبراهيم نصر الله، التي تقدم تصوراً مستقبلياً قاتماً لعالم تحكمه النزعة الاستهلاكية والسلطة.
ولم يكتف زغموت بدور المراقب لأدب الاستشراف، بل قدم إسهامه الخاص، فنشر ثلاثية "الشباب الدائم" التي ضمت روايات "جنة على الأرض"، و"أمل على الأرض"، و"فرح على الأرض". وانشغل في الجزء الأول بمستقبل يجد فيه العلم حلاً للشيخوخة. واستشرف في الجزء الثاني قدرات استثنائية للذكاء الاصطناعي، حد استغلاله من جماعة دينية متطرفة، لمحاكاة تجربة الحساب، أما في الجزء الثالث فاستشرف مقاومة الإنسان للخوارزميات الذكية، كيلا تتحكم به. كما يستشرف في مجموعة قصصية - قيد الطبع - أثر التكنولوجيا الحديثة في حياة البشر، ويتناول عبر قصصها، الميتافيرس، والعلاقة بين الإنسان ومساعده الآلي، واللجوء إلى تقنيات العلاج الجيني، واستخدام تكنولوجيا النظارات الذكية لحل مشكلات المكفوفين. وفي إحدى قصص المجموعة يتخيل مستقبلاً يوتوبياً لمدينة عمان تقوم فيه الآلة بالعمل، بينما يتفرغ الناس للرفاهية والاستمتاع بالحياة.