ملخص
جهاز "بريك" هو أداة مغناطيسية صغيرة تساعد على التخلص من إدمان الشاشات عبر حجب التطبيقات المشتتة للانتباه على الهاتف. ويمكن تفعيل الجهاز بتحديد أوضاع تسمح بالتركيز في العمل أو الدراسة أو غيرها من الأوضاع التي يمكن أن يصل عددها إلى 10، للحد من الفترات التي يمكن تمضيتها على الهاتف.
منذ أيام قليلة أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستفرض حظراً قانونياً على استخدام الهواتف الذكية في المدارس ضمن تشريع جديد يهدف إلى تعزيز الانضباط وتحسين بيئة التعلم، وشددت وزارة التعليم على أنها شجعت على جعل المدارس خالية من الهواتف في اليوم المدرسي، إلى جانب المطالبة الرسمية للمدارس بالالتزام لأن الهواتف تسبب تشتيتاً وتقوض الانتباه، ولأن الحظر الكامل ضروري لحماية الأطفال من الأضرار المحتملة.
يعد هذا المشروع من أهم التشريعات المتعلقة بحماية الأطفال في العقود الأخيرة بعدما أصبح من الثابت علمياً أن الاستخدام المفرط للهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي يؤدي إلى بلوغ مرحلة الإدمان عليها، بما يترتب عن ذلك من أضرار، وما يرافقه من مشكلات مثل تراجع القدرة على التركيز والذاكرة والنتائج الدراسية عندما يقضي الأطفال والمراهقون فترات طويلة أمام الشاشات. وعلى رغم أن السيطرة على الذات والإرادة مطلوبة للحد من استخدام الهواتف، لكن يواجه البعض صعوبة في تحقيق ذلك عندما تخرج الأمور عن السيطرة وفي حال الوصول إلى حد الإدمان، هذا ما استدعى توفير أدوات تساعد على ضبط الأمور والتحكم بفترات استخدام الهاتف.
أضرار مثبتة علمياً
دفعت تلك النتائج التي أصبحت مثبتة لحال الإدمان على الشاشات دولاً عديدة إلى فرض قيود على استخدام منصات معينة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16 سنة. وكانت أستراليا الرائدة في هذا المجال، إذ حظرت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16 عاماً، مع غرامات قاسية في حال المخالفة. وصادقت دول أخرى على مشاريع قوانين تحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون هذه السن، على أن تتبع دول أخرى بفرض حظر مماثل في العام الحالي، مثل الدنمارك وإسبانيا واليونان، إذ أصبح من الواضح أن الإدمان على الهواتف، خصوصاً في فئة الشباب، من المشكلات التي خرجت عن السيطرة، مما استدعى اتخاذ إجراءات صارمة واللجوء إلى وسائل وحلول تساعد على السيطرة على الذات لدى فقدان القدرة على التحكم بالأمور.
وأظهرت الدراسات وجود نقاط مشتركة بين إدمان الشاشات وإدمان التبغ والكحول من حيث التأثير في مركز المكافأة في الدماغ أي الدوبامين، مما يسبب اعتماداً سلوكياً أو جسدياً يصعب قطعه، وهذا ما يسبب مشكلات صحية ونفسية واجتماعية بحسب الاختصاصي في المعالجة النفسية أنطوان الشرتوني، ويؤدي إدمان الشاشات إلى أضرار نفسية ومعرفية مشابهة لتلك التي تنتج من إدمان التبغ والكحول، إلى جانب أن من يحاول التوقف عن استخدام الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي يواجه تغيرات نفسية وجسدية مزعجة، "في ظل سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات على حياتنا، خصوصاً حياة الأطفال والشباب، أصبح إدمان الشاشات آفة مقلقة متزايدة تصيب كثيرين، وأصبح ينظر إليه على أنه صورة من صور الإدمان السلوكي الذي يتطلب اهتماماً كبيراً، فمن يعاني هذا الإدمان يرزح تحت الحاجة الملحة للمزيد. وإدمان الشباب على الشاشات وإقبالهم الكثيف على وسائل التواصل ومتابعتها، بصورة مطولة، له أسباب واضحة وعديدة. فما يرونه عليها ليس دائماً حقيقياً ما يحفزهم على بناء أحلام وتوقعات وقصص قد لا يكون لها أساس في الحياة الفعلية، في وقت لن يكون هناك فيه من يردعهم في العالم الرقمي الذي يبدو كل شيء مسموحاً فيه".
للإدمان أسبابه
يستطيع الشباب تحقيق أرباح ومكاسب كثيرة بالاعتماد على الهاتف وعلى العالم الرقمي من دون جهد يذكر، فيتمكنون من تأمين مدخول بأبسط الطرق، مما يسمح لهم بتحقيق أهدافهم وكسب الشعور بالرضا الذي يبحثون عنه ما دام كل شيء مسموح به في العالم الرقمي مع مكاسب مؤمنة. بالتالي، لا يكون هناك أي سبب يدفع الشباب بعيداً منها بما أن هذا ما يبحثون عنه بصورة أساسية في هذه المرحلة العمرية، أما ما ينقلهم إلى مرحلة إدمان الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، فهو بناء عالم افتراضي على هذه الوسائل، وقد يكون هذا العالم الافتراضي أقرب إلى ما يحلمون به وكل ما يطمحون إليه، وشيئاً فشيئاً هم يصلون إلى حد الإدمان كونهم يصلون إلى ما يسعون إليه، وما يرغبون بتحقيقه في الحياة.
وتابع الشرتوني "يؤثر الاستخدام المتكرر للشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي على الدماغ، وتحديداً على الدوبامين فيه، بحيث تصبح هناك حاجة مستمرة إليه. فيشعر الفرد بملل وفراغ في وقت ينتقل إلى مرحلة الإدمان التي يجد فيها لذة، ولو موقتة، باستخدام وسائل التواصل ونشر صور أو فيديوهات مع انتظار المكافأة عليها عبر الإعجابات والتعليقات، لكن هذا الشعور بالمكافأة يخف مع الوقت، وتصبح هناك حاجة إلى المزيد، فيدخل في دوامة تصعب الخروج منها. وبصورة عامة من يفرطون في استخدام الهواتف ويصلون إلى حد الإدمان هم من الأشخاص الذين يعيشون في عزلة وتغيب لديهم الحياة الاجتماعية والصداقات، مما يجعلهم يغرقون في هذا العالم الرقمي، ويصلون إلى حد الإدمان بحثاً عن الراحة وعن معنى لحياتهم بالتواصل مع أشخاص لا يعرفونهم، وإن كانوا يكذبون عليهم أو لا يقولون لهم الحقيقة. هذا ما يؤكد الأذى الكبير الذي تسببه وسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة الإلكترونية، خصوصاً عندما يصل الشخص إلى حد الإدمان، ويجد صعوبة في العيش من دونها طوال ساعات النهار والليل حتى أحياناً".
تصميم يدعو إلى الإدمان
تصمم منصات وسائل التواصل الاجتماعي على أساس خوارزميات وما يعرف بـuser experience، مما يدعو المستخدم لأن يبقى أطول وقت ممكن في التنقل بين المقاطع والأخبار والفيديوهات أو أي محتوى آخر، وصولاً إلى الدخول إلى أماكن ما لا تكون هناك رغبة أصلاً في الدخول إليها، بحسب المتخصص في التحول الرقمي علي بشارة الذي أضاف "من المؤكد أن هذا ليس نتيجة عمل المبرمجين فحسب، فلهذه المنصات جيوش من الاختصاصيين النفسيين والخبراء في التسويق والمصممين وغيرهم. يهدف هؤلاء إلى جعل المستخدم يبقى أطول وقت ممكن في هذه المنصات، بغض النظر عما إذا كان من المحتوى أي فائدة أو لا. من الحيل المعتمدة في المنصات ما يدعى التمرير اللانهائي، فإذا كانت هناك محاولة للدخول إلى أي منصة تواصل اجتماعي أو (يوتيوب) مثلاً لن يكون من الممكن الوصول إلى النهاية لأنها مصممة بصورة تدعو إلى التمرير اللامتناهي والتصفح الذي لا ينتهي".
تصمم منصات وسائل التواصل الاجتماعي بصورة دقيقة تسمح بكشف اهتمامات وميول المستخدم بمجرد أن يتصفح مقاطع معينة لثوانٍ معدودة. فيعرف النظام أنه يستمتع بمثل هذا المحتوى ويغذيه أكثر وأكثر، إضافة إلى أنه بسبب حيلة المشاركة في التنبيهات التي قد يضغط المستخدم عليها من طريق الخطأ، تنهال عليه التنبيهات لمقاطع جديدة. بحسب بشارة "لا يؤثر ذلك في الوقت أو الإنتاجية فحسب، بل يؤثر أيضاً في التركيز والانتباه فضلاً عن التأثير في الصحة النفسية إذا كان المحتوى غير مناسب لمن يتفاعل معه، علماً أنه لكل فئة عمرية أساليب ومنصات معينة تستهدفهم وتجذبهم. على سبيل المثال تخاطب منصة (تيك توك) الأطفال والمراهقين بصورة أساسية وتطاولهم، فيكون هؤلاء معرضين لمحتوى غير مناسب لهم وقد يؤثر في صحتهم النفسية أو حتى أخلاقهم. أما فئة الشباب فتجذبهم أمور معينة مثل الرياضة والسياسة، وقد يدخلون في جدال ومواضيع غير مرغوب بها. حتى إن فئة من هم أكبر سناً لهم أيضاً المنصات الخاصة بهم، والتي تطاولهم".
في الوقت نفسه، أضاف المتخصص في التحول الرقمي "يخلق الاستخدام المكثف بيئة مثالية لظهور أنماط جديدة من الاحتيال، فتظهر مثلاً عروض مرتبطة بمواسم مثل شهر رمضان الكريم أو الأعياد، فتستدرج المستخدمين، سواء عبر حسابات مزيفة أو روابط لمواقع مشبوهة، وتسوق هذه المواقع المنتجات المناسبة وتكون بأسعار مغرية أو بكميات غير معقولة، أو حتى في بعض الأحيان هي مطابقة لما هي عليه أسعارها في الواقع مع بعض التخفيضات. ومن أسباب الوقوع في هذه الحملات المشبوهة الاعتياد على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لعمليات الشراء، وكثيرة هي الحالات التي وقع فيها الضحايا في وقت التمرير اللانهائي عندما لا يركز المستخدم في حيثيات العملية المالية التي سيعملها، مما يؤكد أن ما يعرف بجدران الحماية، في عقل المستخدم، تكون ضعيفة أثناء انغماسه في التمرير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جهاز "بريك" وأدوات أخرى في مواجهة الإدمان
في مواجهة خطر الإدمان وعدم القدرة على السيطرة على الذات في فترات التمرير المتواصل واللامتناهي، برزت أدوات تساعد على التحكم الشخصي في الهواتف. فقد لا تكون الإرادة الذاتية كافية لدى البعض للسيطرة على الذات والحد من الاستخدام، خصوصاً عندما تصل الأمور إلى حد الإدمان. في مثل هذه الحالات، إضافة إلى التحكم الشخصي، في الهواتف ميزات تساعد المستخدم على تقليل الاستخدام بصورة مبرمجة. على سبيل المثال، أشار بشارة إلى خاصية Screen Time في أجهزة "آيفون"، أيضاً، في هواتف "أندرويد" خاصية digital well-being، ويمكن للمستخدم أيضاً البحث في متاجر التطبيقات عن برامج من نوع Focus app،App blocker، Social media limiter.
بالنسبة إلى الأهل، هناك أدوات رقابة أسرية تتيح متابعة استخدامات الأطفال وتحديد أوقات الشاشة والتحكم في نوعية المحتوى، وهو أمر أصبح ضرورياً في ظل صعوبة مراقبة ما يتعرض له الأبناء بصورة مباشرة.
ومن الوسائل الحديثة المتاحة أيضاً لتحقيق هذا الهدف جهاز "بريك"، وهو أداة مغناطيسية صغيرة تساعد على التخلص من إدمان الشاشات عبر حجب التطبيقات المشتتة للانتباه على الهاتف. ويمكن تفعيل الجهاز بتحديد أوضاع تسمح بالتركيز في العمل أو الدراسة أو غيرها من الأوضاع التي يمكن أن يصل عددها إلى 10، للحد من الفترات التي يمكن تمضيتها على الهاتف. ويعتمد "بريك" على الجهاز المغناطيسي لحجب التطبيقات لاستعادة القدرة على التركيز والحد من إدمان الهاتف، ويحصل ذلك باختيار التطبيقات التي يجب حجبها بطريقة غير معقدة، ومن دون حاجة حتى إلى اشتراك شهري. حتى إن الأداة مصممة بطريقة تعزز نية الابتعاد عن الشاشة والحد من الإدمان الرقمي، بما يساعد الشباب على تحسين إنتاجيتهم.
في الوقت نفسه، شدد بشارة "على أن هذه الأدوات لا تغني عن التواصل الفعال مع الأبناء، ومناقشة تلك الأمور، وعدم الاكتفاء بالحجب فحسب، إضافة إلى أهمية الإرادة الشخصية للسيطرة على الذات والتحكم بفترات الاستخدام ونوعية المحتوى".