Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بنسيون كليو" تستعيد ذاكرة مبعثرة بين زمن ومكان

مي خالد تستحضر أصواتاً ذكورية لتروي هشاشة العمر

بانسيون في القاهرة (سوشيل ميديا)

ملخص

تقدم مي خالد في روايتها "بنسيون كليو"، دار العربي، كتابة مغايرة عما عُرف في أعمالها السابقة، فهي تختار هذه المرة أن تتكئ على أصوات ذكورية، فتمنح الرجل لسان السرد، بما يحمل من هشاشة التقدم في العمر والخوف من الغد والحنين إلى كل ما مضى من رفاق وأماكن.

لا يحضر الرجل في رواية "بنسيون كليو"، بوصفه ممثلاً للنظام الأبوي، بل كائناً مثقلاً بأسئلته وندوبه التي تركها الزمن. تقوم الرواية على صداقة طويلة جمعت بين: سعد الجبيلي، الذي تبدأ معه الرواية، مع عزت نوح وأسعد نعيم. ثلاثة ولدوا في أربعينيات القرن الماضي، وعاشوا مرحلة شبابهم ونضجهم في ظل تغيرات سياسية واجتماعية كبيرة، تركت بصمتها على حياتهم ومصائرهم. يحمل سعد اسمه تيمناً بالزعيم سعد زغلول "الذي كان مثاراً للسخرية أن يحمله طفل صغير، حين ينادى به في الفصل، مما تغلب عليه لاحقاً، حين كان يحرص على نطق اسمه بالكامل (سعد زغلول الجبيلي)، فيصير لفظ الجبيلي، مثل جبل ثقيل يجثم على ما قبله".

تبني مي خالد نصها على حركة زمنية مرنة، تنتقل فيها بين الماضي والحاضر بسلاسة، فتجعل الأزمنة تتحاور داخل الصفحة الواحدة، ويغدو الماضي قوة فاعلة تفسر الحاضر وتعيد تشكيله، بينما يظل الحاضر مرآة متأخرة لما انكسر أو اكتمل في الأزمنة السابقة.

تفتتح الكاتبة روايتها بليلة رأس السنة في يناير (كانون الثاني) 2011، وهي لحظة مشحونة بالتوتر عقب تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية، فتؤسس منذ البداية مناخاً عاماً من القلق والانكسار. غير أن هذا الحدث لا يستثمر بوصفه خلفية سياسية عابرة، وإنما بوصفه رجة نفسية وأخلاقية تتسلل إلى البيوت والعلاقات ونظرة الأفراد إلى العالم. ومن هنا يتبدى أحد رهانات الرواية الأساسية: فالتاريخ لا يتحقق خارج الشخصيات، بل يعبر داخلها، ويعيد تشكيل مشاعرها وخياراتها ومصائرها.

تتحرك الرواية بعد ذلك عبر قفزات زمنية واسعة، فتعود إلى القاهرة في أربعينيات القرن الماضي، ثم تمضي عبر عقود متعددة، لتكشف عن أن الحاضر ليس سوى نتيجة تراكم طويل من الفقر مع عزت، والهجرة مع اسعد، والصعود الطبقي مع يونس شيحا، والانكسارات العائلية مع سونيا، والتغير الاجتماعي مع سعد. هذا البناء الدرامي والزمني يمنح النص اتساعاً ملحوظاً، ويجعل الشخصيات امتداداً لأزمنة سابقة لا مجرد أفراد معزولين في لحظتهم الراهنة.

لا يواجه القارئ مجرد حكاية لشخصيات تتنقل بين القاهرة والإسكندرية، حيث يقع بنسيون كليو، بل يدخل إلى عمل روائي يشتبك فيه التاريخ مع الذاكرة، والوطني مع الفردي، عقب لحظة يأتي فيها اتصال ليجمع الأصدقاء الثلاثة من جديد، تقول الرواية: "سمعت صوتاً غريباً ينطق اسمي، فتهيأت للخبر المشؤوم، لكن الصوت بدا مطمئنا وقال بهدوء: "آسف إني باتكلم في وقت متأخر. أنا بشارة. من فندق كليو. أستاذ أسعد اتصاب في انفجار الكنيسة، إحنا دلوقت في المستشفى، بس هو بيقول لحضرتك روح البنسيون".

تتداخل الأزمنة وتتجاور الخبرة الشخصية مع التحولات العامة للمجتمع المصري. المكان نفسه لا يبدو إطاراً محايداً للأحداث، بل كياناً حياً يحتفظ بما مر عليه من حب وخسارة وتبدلات، ويغدو حاملاً لذاكرة تتجاوز أصحابها. ومن خلال هذا البناء تقدم صاحبة " شقة البر الغربي"، نصاً سردياً ناضجاً يستدعي التاريخ المصري الحديث، لا عبر المباشرة أو الشعارات، بل من خلال مصائر إنسانية دقيقة تكشف أثر الأحداث الكبرى في الحياة اليومية. يقول سعد: "لم أعد أمتلك فضول الشباب الذي يجعلني أسأل أي شخص عن أسباب أي شيء إن لم يتطوع صاحب الشأن بسرد حكايته كاملة... في إحدى الزوايا، تلفاز أبيض وأسود على طاولة خشبية صغيرة بدا أنه يعود إلى عقود مضت... يا سعد ليس كل الأبطال يصنعون التاريخ. البعض يكفيه أن يصمد وأن ينجو من عبث الأيام، ليكون بطله الخاص".

المكان بطلاً

إذا كان الزمن هو البطل الخفي للرواية، فإن بنسيون كليو هو بطلها المرئي. فالمكان هنا لا يؤدي وظيفة الخلفية السردية، بل يتحول إلى وعاء للذاكرة، ومستودع للأسرار، وشاهد على ما تبدل في البشر والمدن. الغرف المرقمة، المفاتيح النحاسية، الأثاث القديم، النوافذ المطلة على البحر، الممرات الصامتة، كلها عناصر تبنى بعناية لتجعل البنسيون أكثر من فندق قديم، إنه صورة مصغرة لمصر نفسها.

في هذا المكان تتقاطع طبقات اجتماعية مختلفة، وتلتقي أجيال متباعدة، وتعود الشخصيات إلى ماضيها كما لو كانت تعود إلى غرفة مهجورة في داخلها. وتمنح الإسكندرية الرواية بعداً خاصاً، فهي ليست مدينة سياحية أو مجرد فضاء بحري، بل مدينة ذات طابع حزين، تحمل آثاراً من زمن كوزموبوليتاني تراجع، لكنها لا تزال محتفظة بجماله وأشباحه.

تصف الكاتبة البنسيون قائلة: "ترك البنسيون إرثه كما سلمته جينا: صالة تتنفس عبق الماضي، كأنها صلاة قديمة تردد دون انقطاع... نثرت المصابيح المعلقة نوراً أصفر خافتاً، ألقى حناناً رقيقاً على المكان، كأنها تحنو على الأرواح التي مرت هنا".

هذا الوصف يمنح المكان روحاً وحياة، كما لو أن البنسيون يتنفس ويحمل ذاكرة ويشبه صلاة مستمرة. هكذا يصبح المكان شاهداً على العابرين، يحتفظ بأرواحهم وآثارهم، ويستدعي في الوقت المناسب ما أخفته السنوات في مستودع الزمن. في موضع آخر تصف البنسيون قائلة: "كل زاوية من المكان نبضت بجزء من روح أبيها". فالمكان ينتقل إلى جيل جديد، والذاكرة تجد من يرعاها، وكأن الرواية تقول إن ما يتبقى من المدن ليس الحجر وحده، بل من يواصل العناية بالحكايات التي توشك على الزوال.

النساء والفقد

من يقرأ الرواية يلاحظ أن النساء يشكلن عمودها الإنساني الأمتن. فبين رقية، وزهيرة، ونادية، وجينا، وسونيا، ترسم مي خالد شخصيات نسائية تبني عالمها بقوة، تنسب إلى سلسلة إنسانية وعائلية تمتد عبر الأجيال. تحضر الشخصيات النسائية في عدة وجوه وحالات، تارة متمردة على السياق الاجتماعي كما هي سونيا شقيقة سعد، أو متحدية بعناد وجافة المشاعر مثل نادية زوجته، أو تملك شخصية قيادية مثل زهيرة عمته. لنقرأ: حين جلست هناك وحدها في الصمت، أحست أن والدها يحيط بها، هو وعمتها زهيرة... القوة التي تسكنها اليوم هي ميراثهم الأخير". في المقابل يبدو الرجال أكثر هشاشة، مثقلين بالماضي أو عاجزين عن التعبير أو منسحبين أمام الزمن، وهذا يتضح بصورة جلية في اختياراتهم جميعهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الرؤية لا تطرح مباشرة، بل تتجسد عبر السرد نفسه. النساء هن من يحملن البيوت على أكتافهن ويحتفظن بالأسماء، ويرممن ما تكسره الخسارات. ولهذا لا يبدو غريباً أن تنتهي الرواية عند امرأة تجلس في البنسيون، تنظر إلى البحر، وتدرك أن ما عاشته لم يكن خاتمة، بل بداية جديدة، تأتي هذه الرؤية، من دون إغفال حضور الموت بقوة في الرواية: تفجير، غياب، شيخوخة، مرض، وأشباح ذاكرة لا تهدأ.

لكن الكاتبة لا تجعل الموت نهاية مغلقة، بل معبراً إلى تحول آخر. سعد يرحل، لكنه يترك أثراً من المصالحة، وجينا تمضي، لكنها تورث المكان، والماضي يظل موجعاً لكنه يصبح مادة لفهم الذات لا سجناً لها. لنقرأ ما تقوله جينا: "حين تسلمت رسالة سونيا، شعرت أن القدر أخيراً يمنحني تعويضاً صغيراً عن كل ما فقدت. كان الورق خفيفاً، لكنه حمل ثقلاً أسقط عن كتفي سنوات من الحيرة والعجز. همست لنفسي، لم يذهب جهدي هباءً".

غير أن هذا الحضور النسائي القوي في النص يبدي حاجة إلى التعميق حين يتعلق الأمر بشخصية سونيا، وتحديداً في مرحلة منفاها الأوروبي عقب الهرب القسري. فعلى رغم أن هذه المرحلة تمثل المحور النفسي الذي تتشكل منه علاقتها بالبنسيون ومصيرها المرتبط به، تبدو التفاصيل المتعلقة بها مقتضبة، احتاج النص هنا إلى فرصة لتعميق تطور المسار النفسي لسونيا لأن القفزات الزمنية والدرامية المتلاحقة لحكايتها، أفقدت الحضور اللاحق ثقله الدرامي الكامل.

رواية "بنسيون كليو" تنهض على رهان مزدوج: استحضار الزمن وهو يترك أثره في البشر وعليهم، واستنطاق المدن بوصفها ذاكرة تحفظ ما يتناساه أصحابها. وتقوم لغة مي خالد بدور محوري في إنجاز هذا الرهان، إذ تجمع بين الشاعرية الهادئة والغنى الحسي، فتجسد المكان والوجوه والبحر والضوء بتلقائية تخلو من الافتعال. وتسهم النقلات الرشيقة بين الأزمنة المتباعدة في إحكام البناء السردي، فيما يعمل السرد الدائري على تجنب الميلودراما من خلال الكشف التدريجي عن الشخصيات بدلاً من الإفصاح المباشر عن مآزقها. وكأن مي خالد تذكرنا بأن الزمن لا يمضي حقاً، بل يتراكم طبقة فوق طبقة في الجدران والوجوه والأشياء، وأن مهمة الرواية الحقيقية هي أن تعيد للقارئ ما نسيه عن ذاته الأعمق.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة