Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تخاض الحروب الاقتصادية

دليل يهتدى به في عالم مقطع الأوصال

سباق التسلح الاقتصادي والسعي المحموم نحو الأمن الاقتصادي يعيدان تشكيل الجغرافيا الاقتصادية اليوم (خوان برنابيو/ فورين أفيرز)

ملخص

تصاعدت الحرب الاقتصادية لتطيح بوهم العولمة، وتحول التكامل إلى أداة صراع تستخدم فيها الدول سلاسل الإمداد والعملات والتكنولوجيا كنقاط اختناق للضغط. وتتصدر الولايات المتحدة والصين هذا السباق عبر تطوير ترسانات اقتصادية والتحصن ضد خصومهما. لكن الإفراط في استخدام النفوذ يهدد بتآكله ويدفع الآخرين إلى تقليل الاعتماد. ويتطلب النجاح موازنة دقيقة بين القوة الاقتصادية والقدرة على الصمود والتنسيق مع الحلفاء. فمن دون ذلك، يتجه العالم نحو تفتت اقتصادي فوضوي ونظام أقل استقراراً.

نادراً ما يكون المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس ساحة لحدوث انقسامات جيوسياسية. لكن هذا العام، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام حشد من المسؤولين التنفيذيين وكبار الشخصيات ليعلن نهاية حقبة. فالعولمة، من خلال وعدها بالتعاون الذي يحقق مكاسب للجميع، قد أفسحت المجال لتصاعد حرب اقتصادية محتدمة. وقال كارني: "لقد بدأت القوى الكبرى تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها. لا يمكن العيش في وهم المنفعة المتبادلة من خلال التكامل، عندما يصبح التكامل مصدر خضوعك".

وبحسب رواية كارني، فإن الجبابرة [القوى العظمى] تتقدم، ولا تترك أمام الآخرين خياراً سوى التكتل والتكاتف للدفاع عن أنفسهم. إلا أن سرده، مهما كان مؤثراً، يخفي واقعاً أكثر تقلباً: ففي عصر الحرب الاقتصادية هذا، حتى القوى العظمى تشعر بتزايد انعدام الأمن. لقد أدركت الدول، كبيرة كانت أو صغيرة، مدى هشاشتها أمام الإكراه الاقتصادي الخارجي، وقد أدى الخوف الذي أثاره هذا الإدراك إلى دفع السياسات في اتجاهات غير متوقعة.

بعد أسبوعين من خطاب كارني، حشد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وزراء من أكثر من 50 دولة في الاجتماع الوزاري الأول للمعادن الحيوية، في محاولة لكسر احتكار الصين للعناصر الأرضية النادرة. وقبل ذلك بأيام، نشرت مجلة "تشيوشي" Qiushi، وهي المجلة الرسمية للحزب الشيوعي الصيني، خطاباً للزعيم الصيني شي جينبينغ يدعو فيه إلى أن "يحقق الرنمينبي [الاسم الرسمي لعملة اليوان] مكانة عملة احتياطية"، بينما حث المنظمون الصينيون البنوك على الحد من شراء سندات الخزانة الأميركية. فصحيح أن إدارة ترمب لا تُبدي أي ميل إلى التعددية، وأن جينبينغ كثيراً ما تعامل بحذر مع تدويل اليوان، لكن بالنسبة إلى كل من واشنطن وبكين، أصبح التحصن من الترسانة الاقتصادية للطرف الآخر ضرورة استراتيجية.

إن الدعوة التي أطلقها فانس إلى التحرك وخطاب شي جينبينغ يجسدان عمليتين متوازيتين تعيدان تشكيل الجغرافيا الاقتصادية اليوم، وهما سباق التسلح الاقتصادي والسعي المحموم نحو الأمن الاقتصادي. فالحكومات تحدد مصادر نفوذها وتعمل على تطوير أدوات جديدة لاستخدامها ضد المنافسين، وكأنها تتسلح، في الواقع، لحرب اقتصادية. في الوقت نفسه، تُشيّد هذه الدول تحصينات ضد الأسلحة الاقتصادية التي قد يستخدمها الآخرون ضدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتفتقر الولايات المتحدة إلى دليل إرشادي للتعامل مع هذا الواقع الجديد. فعلى مدى العقدين الماضيين، طور المسؤولون الأميركيون استراتيجيات للحرب الاقتصادية في عالم أحادي القطب. وبحكم اعتيادها على الهجوم، لم تولِ واشنطن اهتماماً كبيراً لخطر الرد أو الهجمات المفاجئة. لكن ذلك العالم قد انتهى. والعالم الجديد يتسم بهشاشة متبادلة وبحث دائم عن أدوات النفوذ وخوف مستمر من الانكشاف. وتمتلك الولايات المتحدة والصين الترسانات الأكثر فتكاً، لكن كما أظهرت الحرب في إيران، تستطيع قوى أصغر أيضاً فرض كلف هائلة على الاقتصاد العالمي من خلال استخدام نقاط الاختناق كسلاح. فقد أدى إغلاق طهران لمضيق هرمز خلال الأيام الأولى من النزاع إلى ارتفاع أسعار الطاقة بصورة حادة، مما أجبر واشنطن على تغيير أهدافها الحربية. وأظهر أيضاً كيف يمكن للخصوم تكييف منطق الحرب الاقتصادية مع الصراع العسكري، باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ للتأثير في سلوك الشركات الخاصة، تماماً كما تفعل الولايات المتحدة من خلال العقوبات المالية.

إن خوض حرب اقتصادية في هذا العالم المتصدع سيتطلب من واشنطن إعادة صياغة نهجها. عليها أن تتعلم كيفية توظيف قوتها الاقتصادية من دون تقويض أسسها. وأن تعزز نقاط ضعفها من دون التضحية بالنمو والازدهار. وأن تدير التصعيد ضد خصومها وتنسق العمل مع الحلفاء. وإلا، فإن الولايات المتحدة، غير المستعدة وغير المجهزة، ستجد نفسها تخوض حرب الأمس بينما يتشكل نظام اقتصادي جديد، وهو نظام أقل ملاءمة للمصالح الأميركية مقارنة بالنظام القديم.

مفهوم نقطة الاختناق

تتمثل المهمة الأولى في رسم خريطة نقاط الاختناق، أي المجالات في الاقتصاد العالمي الأكثر عرضة للتحول إلى أداة ضغط. وكثيراً ما كانت النقاط الجغرافية مثل مضيق هرمز مراكز قوة محورية. أما نقاط الاختناق الاقتصادية، فبرزت على نحو أكبر في الآونة الأخيرة. لقد تشكل معظمها خلال ذروة العولمة، عندما تبنت الشركات سلاسل التوريد "في الوقت المناسب" (just-in-time supply chains) [نظام التوريد اللحظوي وهو نموذج إداري في إدارة الإمداد يقوم على إنتاج أو توريد المواد فقط عند الحاجة إليها، وليس قبل ذلك] ونظاماً مالياً يتمحور حول الدولار سعياً وراء الكفاءة. لكن عودة التنافس الجيوسياسي حولت هذه السمات حسنة النية إلى نقاط ضعف واضحة، بعد أن تعلمت الدول كيف تقطع الطريق على خصومها لتمنعهم من الوصول إلى نقاط الاختناق التي تسيطر عليها.

لكن ليس كل اعتماد اقتصادي يمثل نقطة اختناق. وإذا تعاملت واشنطن مع كل منها على أنها تهديد للأمن القومي، فإنها ستضحي بالنمو والازدهار من دون تحسين ملموس لأمنها. وبالمثل، فإن محاولة تحويل ميزة لا ترقى إلى مستوى نقطة اختناق إلى أداة للضغط ستفشل، وقد تدفع الأعمال بعيداً من الشركات الأميركية وتضعف النفوذ الأميركي من دون داعٍ.

وتشترك نقاط الاختناق الحقيقية في ثلاث خصائص: أولاً، امتلاك دولة واحدة أو ائتلاف من الحلفاء المقربين حصة سوقية مهيمنة ومركزة. ثانياً، عدم توافر بدائل على المدى القصير. ثالثاً، قدرة الدولة أو التحالف على استخدام هذا الموقع كسلاح لفرض ضغط غير متكافئ، مما يلحق ضرراً بالغاً بالجهة المستهدفة مقابل تكبد الحد الأدنى من الأذى الذاتي.

فالريادة وحدها لا تكفي. ومن أجل السيطرة على نقطة اختناق، يجب أن تمتلك الدولة احتكاراً شبه كامل للسوق المعنية. لنأخذ مثلاً نقاط الاختناق التي تستعملها واشنطن وبكين بكثرة. إن العقوبات المالية الأميركية تستغل مركزية الدولار الذي يُستخدم في نحو 90 في المئة من جميع تعاملات الصرف الأجنبي. كما أن ضوابط التصدير الأميركية على أشباه الموصلات المتقدمة تعتمد على ديناميكية مماثلة: إذ تستحوذ شركة واحدة في "وادي السيليكون"، "إنفيديا"، على أكثر من 85 في المئة من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي. أما الصين، فتقوم بمعالجة نحو 90 في المئة من العناصر الأرضية النادرة في العالم. وفي كلتا الحالتين، لا تُعد الولايات المتحدة أو الصين مجرد رائد للسوق، بل في الواقع هي أقرب إلى المحتكر.

وعندما تفتقر دولة ما إلى هذه الدرجة من التركز والهيمنة على مجال معين، تصبح قدرتها على التأثير محدودة. لنأخذ مثلاً الرسوم الجمركية الأميركية التي تضغط على الدول الأجنبية من خلال تقليل تنافسية صادرات تلك الدول في السوق الأميركية. عندما أعلن ترمب فرض رسوم شاملة على معظم دول العالم في أبريل (نيسان) عام 2025، ادعى أنهم سيخضعون لإرادته لأن الولايات المتحدة تمتلك "أكبر سوق في العالم". من حيث الحجم، كان ترمب محقاً: فالولايات المتحدة هي أكبر مستورد في العالم. لكنها لا تمثل سوى نحو 13 في المئة من الواردات العالمية. وحتى لو مُنعت دولة ما بالكامل من دخول السوق الأميركية، فستظل قادرة على البيع في نحو 90 في المئة من الاقتصاد العالمي. أما في نقاط الاختناق الحقيقية، فالمعادلة معكوسة، إذ عادة ما تسيطر الدولة المهيمنة على ما يقارب 90 في المئة من السوق المعنية، مما يترك للدول المستهدفة إمكان الوصول إلى نسبة بالكاد تصل إلى 10 في المئة.

ويساعد ذلك في تفسير سبب فشل الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب في كثير من الأحيان في إكراه الدول الأخرى. فالعام الماضي، وعلى رغم أن الرسوم الجمركية الأميركية خفضت بصورة حادة صادرات كل من البرازيل والصين إلى الولايات المتحدة، فإن البلدين نجحا إلى حد كبير في زيادة مبيعاتهما في أسواق أخرى، لدرجة أنهما سجلا أرقاماً قياسية سنوية في إجمال الصادرات.

وحتى إذا كانت دولة ما تمتلك حصة مهيمنة، فلن تعمل السوق كنقطة اختناق ما لم يكُن إيجاد البدائل شبه مستحيل على المدى القصير. فعلى سبيل المثال، في بداية جائحة كورونا، في يناير (كانون الثاني) عام 2020، استوردت الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثة أرباع أقنعتها الطبية من الصين. ولم يوفر المنتجون المحليون سوى أقل من 10 في المئة من الطلب. ومع الانتشار السريع للفيروس في الصين، حدّت بكين من الصادرات لضمان الإمدادات لشعبها. وكانت النتيجة رفوفاً فارغة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وكان النقص حاداً لدرجة أن سلطات الصحة العامة الأميركية ثنت الأميركيين عن ارتداء الكمامات لضمان توافرها للأطباء والممرضين.

لكن المصنعين الأميركيين سرعان ما زادوا إنتاجهم. وبحلول الصيف، أصبحت الأقنعة متوافرة بما يكفي لفرض حكومات الولايات والسلطات المحلية ارتداءها على نطاق واسع. وخلال عام واحد من تفشي الجائحة، ضاعفت المصانع الأميركية إنتاجها من كمامات "أن 95" أربع مرات. وعلى رغم هيمنة الصين على الإنتاج في بداية عام 2020، لم تشكل الكمامات نقطة اختناق نظراً إلى سهولة استبدالها. وينطبق المنطق نفسه على سلع أخرى بسيطة نسبياً ولا تتطلب رأس مال كبير لإنتاجها مثل الملابس والأثاث. فحتى لو احتكرت دولة واحدة سوق هذه المنتجات، فسيكون من الصعب عليها استخدامها كأسلحة اقتصادية فاعلة.

أما المنتجات التي تتطلب كثافة في رأس المال مثل العناصر الأرضية النادرة المكررة، فيصعب كثيراً إيجاد بدائل لها، إذ يستغرق مشروع تعدين نموذجي للعناصر الأرضية النادرة تسعة أعوام للوصول إلى مرحلة الإنتاج. وحتى لو صح التقدير الأكثر تفاؤلاً لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة قادرة على كسر هيمنة الصين على سلسلة توريد العناصر الأرضية النادرة في غضون عامين، فإن هذه فترة طويلة للبقاء عرضة للإكراه الصيني.

وفي قطاع الخدمات، فإن تأثيرات الشبكة التي تزداد فيها قيمة المنتج مع ازدياد عدد المستخدمين، قد تقلل أكثر من إمكان إيجاد بدائل. ولهذا السبب تُعد الخدمات المالية الأميركية نقطة اختناق شديدة الفاعلية، إذ إن الانتشار الواسع للدولار يجعل من الصعب للغاية إنشاء بديل قابل للتطبيق.

في كثير من الأحيان فشلت الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب في إكراه الدول الأخرى

ولكي تعمل السوق كنقطة اختناق، يجب أيضاً أن تكون الدولة المسيطرة على السوق قادرة على استخدامه لإلحاق ضرر غير متكافئ. وتوضح الرسوم الجمركية الأميركية على كندا ما يحدث عندما تفتقر الدولة المسيطرة إلى هذه القدرة. فكندا ترسل أكثر من 75 في المئة من صادراتها إلى الولايات المتحدة، وبسبب الجغرافيا ومواقع البنية التحتية الثابتة مثل خطوط أنابيب النفط والغاز، لا يمكنها تنويع أسواقها بسرعة بعيداً من السوق الأميركية. وإدراكاً لهذه الحقيقة، ادعى ترمب أن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً غير محدود على كندا. وقال: "لسنا بحاجة إلى أي شيء لديهم. لسنا بحاجة إلى أخشابهم، ولا إلى طاقتهم. لدينا أكثر مما لديهم. لسنا بحاجة إلى أي شيء... لكنهم في المقابل يحتاجون إلينا".

وعلى رغم أن الرسوم الجمركية الأميركية قد تلحق ضرراً كبيراً بكندا، فإنها لا تستطيع فعل ذلك من دون إلحاق ضرر كبير بالولايات المتحدة أيضاً. فقد قدر الاقتصادي ديفيد هندرسون من "معهد هوفر" أن فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على كندا سيكلف الأميركيين نحو 700 دولار لكل أسرة. وسيؤدي ذلك أيضاً إلى تعطيل صناعة السيارات وارتفاع أسعار البنزين والكهرباء، نظراً إلى اعتماد مصافي التكرير وشبكات الكهرباء الأميركية على الإمدادات الكندية. فليس من المستغرب إذاً أن تُستثنى غالبية الواردات من كندا من التعريفة الجمركية البالغة 25 في المئة التي فرضها ترمب بعد توليه منصبه بفترة وجيزة. وبحلول ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، بلغ المعدل الفعلي الإجمالي للرسوم الجمركية الأميركية على كندا 3.1 في المئة فقط، وهو الأدنى بين الشركاء التجاريين الرئيسين لواشنطن.

أما المعادن الأرضية النادرة الصينية، فتقدم مثالاً أوضح. فعام 2024، حققت الصين نحو 3.4 مليار دولار من صادرات هذه العناصر والمغناطيسات. وفي المقابل، قدر باحثون في "الهيئة الأميركية للمسح الجيولوجي" بأن تعطيلاً بنسبة 30 في المئة فقط في إمدادات عنصر النيوديميوم إلى الولايات المتحدة، وهو أحد العناصر الأرضية النادرة، سيؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 2.2 في المئة، أي ما يزيد على 600 مليار دولار. بعبارة أخرى، قد تضحي الصين ببضعة مليارات فقط من عائدات التصدير لتلحق ضرراً يتجاوز نصف تريليون دولار بالاقتصاد الأميركي. وهذا التفاوت هو ما يمنح ضوابط التصدير الصينية قوتها. ويسلط ذلك الضوء على حقيقة أوسع في الحرب الاقتصادية، وهي أن الدول، عندما تمتلك خياراً، فإنها لا تحول الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى سلاح، بل تجعل الاعتماد الأحادي سلاحاً.

لماذا نخوض الحرب؟

القاعدة الأولى في الحرب الاقتصادية بسيطة: لا تستخدم نقاط الاختناق الزائفة كسلاح. ولكن حتى لو التزم صناع السياسة الأميركيون ذلك، فإنهم يواجهون حلقة تصعيد متبادلة خطرة. ففي كل مرة تستخدم فيها واشنطن نقطة اختناق كسلاح، تتخذ الدول الأخرى خطوات لتحصين نفسها ضدها. وقد يكون تآكل القوة الأميركية محدوداً في كل حال على حدة، غير أن الأثر التراكمي مع مرور الوقت قد يضعف الثقة بالدولار الأميركي ويقلص الطلب على التكنولوجيا والطاقة والمنتجات الأميركية الأخرى. لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى خطة لاستخدام نفوذها بفاعلية من دون تدمير هذا النفوذ في الوقت نفسه.

ويعتمد التصميم الأمثل للعقوبات وضوابط التصدير وغيرها من التدابير الاقتصادية كلياً على الهدف المراد تحقيقه. وبصورة عامة، تخدم هذه السياسات والتدابير ثلاثة أهداف متميزة. أقلها طموحاً هو الوصم، ما يسميه المسؤولون الأميركيون "التسمية والتشهير". فلا أحد يتوقع أن تحول العقوبات الديكتاتوريين الفاسدين ومنتهكي حقوق الإنسان إلى قديسين، لكن واشنطن غالباً ما تستهدفهم على أية حال لإظهار استيائها وتلبية الضغوط السياسية التي تطالب باتخاذ إجراءات. والعقوبات الرمزية ليست سيئة في جوهرها، لكنها ليست بريئة أيضاً. فقد تُثني البنوك عن العمل في الدول النامية، مما يقلل النفوذ الأميركي ويسبب أضراراً إنسانية. وعندما يستخدمها المسؤولون الأميركيون كسلاح رئيس خلال الأزمات، فإنهم يخاطرون، عن غير قصد، بإظهار ضعف في العزيمة، من خلال الكشف عن عدم رغبة في خوض مواجهة اقتصادية أوسع قد تلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي أيضاً.

والخطوة التالية والأكثر تشدداً من الإجراءات هي تلك التي تهدف إلى إضعاف الخصوم من خلال حرمانهم من الوصول إلى التكنولوجيا أو رأس المال أو الأسواق مثل ضوابط التصدير الأميركية على الرقائق الإلكترونية المتجهة إلى الصين. وكما قال مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جيك سوليفان، فإن الهدف كان الحفاظ على "أكبر قدر ممكن من التفوق" الأميركي في سباق تطوير أشباه الموصلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي. وخلال عهدي إدارتي بايدن وترمب، شكلت ضوابط التصدير استراتيجية استنزاف، لا تهدف إلى تغيير سلوك بكين بقدر ما تهدف إلى احتواء القدرات التكنولوجية الصينية.

أما الهدف الأكثر طموحاً فهو الإكراه، أي استخدام الضغط الاقتصادي لتغيير سياسات حكومة أخرى. ويمكن أن تتخذ العقوبات الإكراهية شكل الردع (منع دولة من تجاوز خط أحمر) أو الإجبار (إرغامها على تغيير سياسة قائمة). وكانت تحذيرات إدارة بايدن عام 2022 من "عواقب وخيمة وسريعة" في حال غزو روسيا لأوكرانيا تهدف إلى الردع، في حين سعت استراتيجية "الضغط الأقصى" التي انتهجتها إدارة ترمب ضد إيران إلى إجبار طهران على كبح برنامجها النووي ودعمها لوكلائها.

ونادراً ما يُحدد صانعو السياسة الأميركيون أهدافاً واضحة عند شنهم حرباً اقتصادية. لكن التمييز بين الأهداف في بداية أية حملة ضغط اقتصادي يجب أن يكون أولوية، لأن كل هدف قد يدفع الاستراتيجية في اتجاهات متعارضة. لنأخذ على سبيل المثال غزواً صينياً محتملاً لتايوان. إذا كانت واشنطن تنوي استخدام الحرب الاقتصادية كأداة ردع لا تُفعل إلا إذا تجاوزت بكين خطاً أحمر، فإن الاستراتيجية المثلى هي تعزيز النفوذ من خلال زيادة اعتماد الصين على التكنولوجيا الأميركية والاحتفاظ بذلك كورقة ضغط تُستخدم لاحقاً. وبهذه الطريقة، عندما يفكر شي جينبينغ في التحرك، يمكن للولايات المتحدة التهديد بضربة اقتصادية شديدة لثنيه. وعلى النقيض من ذلك، إذا كان الهدف هو إضعاف القدرات الصينية، بالتالي تقليل احتمال غزو ناجح، فإن الخيار الأفضل هو استخدام النفوذ الآن، من خلال خنق وصول الصين إلى التكنولوجيا الأميركية قبل اندلاع الحرب. فبمجرد بدء الأعمال العدائية، يصبح الاستنزاف الاقتصادي عديم الجدوى ما لم يكُن النزاع طويلاً.

إن تذبذب إدارة دونالد ترمب في شأن ضوابط التصدير يلخص أخطار خوض حرب اقتصادية من دون هدف واضح. فأحد التيارات داخل الإدارة، يضم مسؤولين أكثر تشدداً تقليدياً مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، قد دفع نحو فرض قيود أشد لإبطاء تقدم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي. في المقابل، دعا تيار آخر إلى تخفيف القيود لجعل الصين "مدمنة" على الرقائق الأميركية، على حد تعبير وزير التجارة هوارد لوتنيك. ولكل من الرأيين منطقه، لكن الخيار الصحيح يعتمد على الهدف.

وأيّاً كان الهدف، فغالباً ما يكون من غير الحكمة تشديد القيود بصورة تدريجية. فيميل صانعو السياسات الأميركيون إلى اتباع هذا النهج بدافع الحذر، مفضلين التريث ومراقبة تأثير الإجراءات قبل التصعيد. لكن الضغط الاقتصادي لا يعمل بمعزل عن عوامل أخرى. فبمجرد فرض عقوبة جديدة أو فرض قيود على الصادرات، تبدأ الدولة المستهدفة بالتكيف، من خلال ابتكار حلول بديلة وبناء علاقات مع موردين جدد والاستثمار في الاكتفاء الذاتي. والدول التي تتعرض لضغوط كبيرة تتجه بصورة متزايدة إلى تحويل مهارات التكيف هذه إلى عمل متقن واحترافي، بل إن إحدى أعرق الجامعات في روسيا أطلقت حديثاً برنامج ماجستير متخصص في التهرب من العقوبات. ولهذه الأسباب، فإن تشديد الإجراءات تدريجاً غالباً ما يؤدي إلى نتائج متناقصة. فالضغط لا يزداد بصورة متناسبة، بل يبلغ في أفضل الأحوال حالاً من الثبات.

إهمال متهور

ليس من المهم وحسب استخدام القدر المناسب من النفوذ في الوقت المناسب، بل من المهم أيضاً الحفاظ على هذا النفوذ، فيكون متاحاً عندما تكون الولايات المتحدة في أمس الحاجة إليه. فكلما استخدمت واشنطن نقطة اختناق كسلاح، زاد الحافز لدى الدول الأخرى لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، مما يجعل تلك النقطة أقل فاعلية في المستقبل.

وهذا الحافز لا يقتصر على الجهات المستهدفة مباشرة بل يمتد ليؤثر في أطراف أخرى غير مستهدفة، فبعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، فرضت واشنطن عقوبات على موسكو حالت دون وصول الشركات الروسية إلى أجزاء من النظام المالي الأميركي. واستخلصت بكين درساً واضحاً: إذا كان بإمكان واشنطن التعامل مع موسكو بهذه الطريقة، فقد تفعل الشيء نفسه يوماً ما مع الصين. وأدى ذلك إلى دفع قادة الصين إلى تطوير أنظمة محلية للمدفوعات من أجل تقليل تعرض البلاد للعقوبات المالية الأميركية. فعام 2015، أطلقت الصين نظاماً للمدفوعات بين المصارف عبر الحدود (اختصاراً سيبس) Cross-Border Interbank Payment System (CIPS) والمصمم لتسوية التعاملات وإجراء المدفوعات بالرنمينبي من دون الاعتماد على وسطاء غربيين. ومنذ ذلك الحين وسعت بكين نطاق هذا الجهد، فأطلقت عملة رقمية للبنك المركزي، هي اليوان الرقمي الصيني (e-CNY)، ومنصة دفع رقمية "أم بريدج" mBridge، تتيح للبنوك المركزية تسوية التعاملات مباشرة في ما بينها.

ولا تشكل هذه المبادرات تحدياً جدياً لهيمنة الدولار. لكن هدف الصين ليس إنشاء بديل عالمي ينافس نظام تسوية المدفوعات بالدولار، بل إقامة بنية تحتية موازية يمكن توسيعها بسرعة في أوقات الأزمات، كنوع من بوليصة التأمين وليس بديلاً كاملاً. ونما نظام "سيبس" نمواً سريعاً، ويضم الآن نحو 1700 مؤسسة مشاركة في أكثر من 120 دولة، وهو أصغر بكثير من نظام جمعية الاتصالات المالية العالمية بين المصارف "سويفت"، ولكنه كبير بما يكفي لدعم تسوية المدفوعات بالرنمينبي على نطاق واسع إذا ما تم فصل الصين عن الدولار. ويحرز اليوان الرقمي الصيني ومنصة "أم بريدج" تقدماً مماثلاً. وعلى رغم التهديد الذي تمثله هذه الجهود على نفوذ الولايات المتحدة، فإن واشنطن لم تُعِرها اهتماماً يذكر. وينبغي عليها أن تأخذ مستقبل المدفوعات على محمل الجد، من خلال تطوير سياسات تبطئ جهود الصين كلما أمكن، وتحدث الأنظمة الغربية لضمان بقائها أسرع وأقل كلفة وأكثر جاذبية للاستخدام.

وقد يأتي تحدٍّ أكثر منهجية من مصدر أقل وضوحاً. فعملية تدويل الرنمينبي تعوّقها ضوابط رأس المال الصينية وعدم اليقين المرتبط بممارسة الأعمال في دولة تفتقر إلى سيادة القانون. في المقابل، يُعد اليورو عملة قابلة للتحويل وذات سيولة عالية [سهلة التداول]، ومدعومة بحكومات ديمقراطية مستقرة. وفي مجال المدفوعات، حيث تعتبر السهولة والموثوقية أمرين في غاية الأهمية، يتمتع اليورو بمزايا واضحة. واليورو هو بالفعل ثاني أكثر العملات استخداماً في تعاملات الصرف الأجنبي، وتحتفظ البنوك المركزية بنحو 20 في المئة من احتياطاتها باليورو، بعد الدولار الذي تبلغ نسبته 57 في المئة.

وفي معرض دعوتها إلى إصدار نسخة رقمية من اليورو، أكدت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أن المشروع يمثل "موقفاً سياسياً في شأن سيادة أوروبا". والمنطق نفسه يحرك الجهود المتأخرة لتوحيد سوق رأس المال المجزأة في الاتحاد الأوروبي. ومع تقدم هذه المبادرات، قد يجذب اليورو مستخدمين من خارج أوروبا، بخاصة أولئك الذين يخشون أن تحول الولايات المتحدة الدولار إلى سلاح ضدهم.

أما بالنسبة إلى صناع القرار في الولايات المتحدة، فالخلاصة هي أنه يتعين عليهم، كلما أمكن، تنسيق العقوبات مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين. ولا تكمن أهمية هذا التنسيق في أنه ضروري لجعل العقوبات مؤثرة، إذ إن الإجراءات الأحادية غالباً ما تكون فاعلة بفضل نقاط الاختناق التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، بل لأنه يمنع أن يُنظر إلى الدولار على أنه عملة تنطوي على أخطار جيوسياسية إضافية مقارنة بالعملات الاحتياطية الأخرى. وخلال الأعوام الثلاثة التي تلت تجميد "مجموعة السبع" لاحتياطات البنك المركزي الروسي رداً على غزو أوكرانيا في فبراير 2022، ازداد استخدام الدولار في المدفوعات الدولية، مكتسباً حصة على حساب عملات أخرى من "مجموعة السبع" مثل اليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني التي اعتُبرت عرضة للاستخدام كأداة ضغط بالقدر نفسه.

والمشكلة الأكبر بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي أن جزءاً كبيراً من العالم بات يعتقد بأنه بعد عقدين من تصاعد الحرب الاقتصادية بدعم من الحزبين، قد تلجأ واشنطن في النهاية إلى استخدام كل ما تملك كسلاح ضد أي طرف. وأصبح يُنظر بصورة متزايدة إلى "تقليل الأخطار" من خلال خفض الاعتماد على الولايات المتحدة، بما في ذلك في المجالات التي لم تستغلها واشنطن بعد، على أنه خيار بديهي، حتى بين الحكومات التي لم تكُن أهدافاً مباشرة. لنأخذ على سبيل المثال خدمات الحوسبة السحابية التي تستحوذ فيها شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة "أمازون" و"مايكروسوفت" و"غوغل" و"أوراكل" مجتمعةً على حصة سوقية عالمية تزيد على 70 في المئة. إن المخاوف من احتمال استعمال واشنطن لهذه الهيمنة كسلاح دفعت الحكومات الأوروبية إلى تمويل البنية التحتية التكنولوجية المحلية (المستويات المختلفة من الأجهزة والبرمجيات التي تدعم الخدمات الرقمية)، واستبدال البرمجيات الأميركية في الوكالات الحساسة، وبناء "سُحب سيادية" محصنة من النفوذ الأميركي.

في هذه المرحلة، لا يمكن لإدارة ترمب أن تفعل أموراً كثيرة لتهدئة هذه المخاوف. فمنذ أن حذر وزير الخزانة الأميركي السابق جاك لو للمرة الأولى من "الإفراط في استخدام العقوبات" عام 2016، دق المسؤولون الأميركيون من الحزبين ناقوس الخطر في شأن اعتماد واشنطن على النفوذ الاقتصادي. وحتى ترمب نفسه قال خلال حملته عام 2024 إنه يأمل في استخدام العقوبات "بأقل قدر ممكن". ومع ذلك، لم تُترجم هذه التصريحات إلى ضبط للنفس. ففرض كل رئيس أميركي في القرن الـ21 عقوبات بمعدل يقارب ضعف ما فرضه سلفه، وتشير كل الدلائل إلى استمرار هذا الاتجاه.

والحل الوحيد القابل للتطبيق هو وضع قيود تشريعية واضحة. فالقوانين الحالية تقيد سلطة الرئيس في فرض عقوبات على الغذاء والدواء والمواد الإعلامية. لكن الرئيس لا يزال يتمتع بسلطة واسعة للغاية لفرض عقوبات لأي سبب تقريباً. فالعام الماضي وحده، فرض ترمب عقوبات على قاضٍ في المحكمة العليا البرازيلية، ألكسندر دي مورايس، وزوجته، لمقاضاتهما الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو، وعلى الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو وزوجته وابنه لتورطهم المزعوم في تجارة المخدرات الدولية، وعلى عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية بسبب تحقيقهم وإصدارهم مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين متورطين في حرب غزة. وفي مارس (آذار) الماضي، هدد بـ"قطع جميع أنواع التجارة" مع إسبانيا بعد أن رفضت حكومتها السماح للجيش الأميركي بالوصول إلى قواعدها خلال الحرب مع إيران. وعلى خلاف الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب بموجب "قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية" التي أبطلتها المحكمة العليا في فبراير الماضي، فإن معظم هذه الإجراءات تستند إلى أسس قانونية متينة.

ولمنع إساءة استخدام العقوبات، يتعين على المشرعين إنشاء قطاعات "معفاة من العقوبات" أوسع نطاقاً، من خلال تحديد قطاعات إضافية يُحظر استخدامها كسلاح من دون موافقة الكونغرس. كذلك ينبغي اعتماد نهج مماثل لتقييد قدرة الرئيس على فرض عقوبات على حلفاء الولايات المتحدة بموجب المعاهدات. ومن شأن هذه الضوابط المؤسسية أن تسمح لواشنطن باستخدام نفوذها عند الحاجة، لكنها تمنع الإجراءات الاعتباطية التي تقوض أسس القوة الاقتصادية الأميركية.

التوازن هو الحل

قبل بضعة أعوام من اندلاع الحرب العالمية الأولى، قام ألفريد هارمسورث، مالك صحيفة "ديلي ميل" البريطانية، بجولة في المدن الألمانية التي كانت تشهد تصاعداً صناعياً سريعاً، وانتابه القلق مما رآه. وكتب في رسالة إلى أحد صحافييه: "كل مدخنة في هذه المصانع هي بمثابة بندقية موجهة نحو إنجلترا، وفي كثير من الحالات هي بندقية قوية للغاية".

ويشعر كثير من الأميركيين الذين يزورون المدن الصينية اليوم بقلق مماثل. فكتب الرئيس التنفيذي السابق لشركة "غوغل"، إيريك شميدت، وزميلته سيلينا شو، بعد رحلاتهما الأخيرة إلى الصين: "إن الصين وصلت إلى مستوى تضاهي فيه الولايات المتحدة أو تتفوق عليها في مجموعة متنوعة من التقنيات، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي". وفي الواقع، إن هيمنة الصين على قطاع التصنيع وقدراتها التكنولوجية المتسارعة، فضلاً عن ترسانة بكين الاقتصادية سريعة التطور، تشكل تحدياً استراتيجياً هائلاً لواشنطن.

وفي أبريل عام 2025، أظهرت الصين قوة هذا المزيج من خلال فرض قيود صارمة على تصدير العناصر الأرضية النادرة، في رد قاسٍ على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب. وفي غضون أسابيع، بدأت سلاسل التوريد الأميركية تتعثر. وأغلقت شركة "فورد" (Ford) موقتاً مصنعاً ينتج سيارات الدفع الرباعي "إكسبلورر" بعد نفاد مخزونها من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة، وسارعت شركة "رايثيون" (Raytheon) لإيجاد مصادر بديلة لمعدن أساسي لصواريخ "توماهوك". وسارعت إدارة ترمب إلى طاولة المفاوضات ووافقت على تخفيض الرسوم الجمركية مقابل تعليق القيود المفروضة على العناصر الأرضية النادرة.

وبعد أشهر قليلة، عندما شددت وزارة التجارة الأميركية ضوابطها على الصادرات، أعلنت بكين خطة شاملة لتقييد بيع المنتجات العالمية التي تحوي عناصر أرضية نادرة صينية. وهذه المرة، لم تكتفِ واشنطن بسحب الإجراءات الاستفزازية، بل بدأت أيضاً بتخفيف القيود المفروضة على بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة من شركة "إنفيديا"، وفي دلالة واضحة على تحولات موازين القوى، بدأ ترمب يشير إلى الولايات المتحدة والصين بمصطلح "مجموعة الدولتين" (جي-2).

القاعدة الأولى في الحرب الاقتصادية بسيطة: لا تستخدم نقاط الاختناق الزائفة كسلاح

وأظهرت أزمة العناصر الأرضية النادرة أهمية ترتيب الأولويات في حماية الأمن الاقتصادي الأميركي. فبدلاً من اتباع سياسة عشوائية تهدف إلى إعادة توطين الإنتاج في مختلف الصناعات، ينبغي لواشنطن تحديد المجالات التي تمتلك فيها الصين نفوذاً حقيقياً على الولايات المتحدة وحلفائها، ومعالجتها من خلال العمل الجماعي. وإضافة إلى العناصر الأرضية النادرة، تشمل هذه القائمة نقاط اختناق خطرة في سلاسل إمداد الأدوية وتقنيات الطاقة النظيفة، ولا سيما البطاريات. فعندما فرضت بكين عقوبات على شركة "سكايديو" Skydio، أكبر مصنع للطائرات المسيّرة في الولايات المتحدة، اضطرت الشركة إلى ترشيد استخدام البطاريات، إذ لا يسمح للعملاء إلا ببطارية واحدة لكل طائرة مسيّرة. وتستحوذ شركات صناعة السيارات الصينية الآن على أكثر من ثلاثة أرباع مبيعات السيارات الكهربائية العالمية، مع تفوق شركة "بي واي دي" BYD على منافستها الأميركية "تيسلا" لتصبح الشركة الرائدة عالمياً في مبيعات السيارات الكهربائية.

وقللت إدارة ترمب من أهمية هذا التحول، مؤكدة وفرة الوقود الأحفوري الأميركي. وقد تتمكن الولايات المتحدة من تجاوز هذه المرحلة من دون وجود قطاع محلي قوي للطاقة النظيفة. لكن بقية العالم يتجه بسرعة نحو الكهرباء، وهو اتجاه ستعززه بلا شك أزمة النفط الناجمة عن سد مضيق هرمز. وإذا تنازلت واشنطن عن سوق التكنولوجيا النظيفة العالمية لمصلحة بكين، فإنها ستمنح الصين نفوذاً اقتصادياً هائلاً على بقية العالم.ومع ذلك، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى استبدال المنتجات الصينية بالكامل. فالاستبدال الشامل سيكون مكلفاً للغاية، ويستغرق وقتاً طويلاً، وربما يكون غير ضروري في نهاية المطاف. بدلاً من ذلك، ينبغي لصناع السياسات السعي إلى إنشاء مصادر إمداد موازية يمكن توسيع نطاقها بسرعة عند الحاجة، على غرار ما تحاول الصين فعله في القطاع المالي. ويمكن لواشنطن على سبيل المثال الحد من نفوذ الصين في مجال العناصر الأرضية النادرة، من خلال تنويع مصادر الإمداد بما يكفي لكسر احتكار بكين.

وهنا، يصبح التنسيق بين الحلفاء أمراً لا غنى عنه. فأظهرت بحوث الاقتصاديين كريستوفر كلايتون وماتيو ماجيوري وجيسي شريغر أن سعي الدول إلى الحد من مواطن الضعف بصورة منفردة يعرضها لخطر الوقوع في "دوامة تفكك كارثية"، إذ يؤدي انسحاب أية دولة من سوق مشتركة إلى انخفاض قيمة هذه السوق بالنسبة إلى الدول الباقية، مما يشجع دولاً أخرى على الانسحاب بدورها. ويظهر تبني واشنطن لسياسات "شراء المنتجات الأميركية" في عهد إدارتي بايدن وترمب كيف يمكن للجهود الأحادية الرامية إلى تعزيز الأمن الاقتصادي أن تنتشر بسرعة. ففي فبراير الماضي، طرح قادة الاتحاد الأوروبي إجراءات مماثلة لـ"شراء المنتجات الأوروبية". ومن دون تنسيق، قد ينزلق الحلفاء نحو نوع من أنواع الاكتفاء الذاتي المغلق يُلحق الضرر بالجميع.

ويُعد مقترح إدارة ترمب لإنشاء منطقة تجارية للمعادن الحيوية مساراً واعداً أكثر. فبموجب هذه المبادرة، سيقوم الاتحاد الأوروبي واليابان وغيرهما من الحلفاء بوضع حد أدنى للأسعار، وتنسيق تمويل مشاريع التعدين والمعالجة، والاتفاق على استيراد المعادن من بعضهم بعضاً بشروط مستقرة. وإذا نجح هذا النموذج، فمن الممكن أن يطبق على قطاعات استراتيجية أخرى أيضاً. لكن تقليل الاعتماد ليس سوى جزء من المعادلة، أما الجزء الآخر فهو كيفية استجابة المنافسين، وما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ردع التصعيد.

مَن سيتنازل أولاً؟

في أبريل الماضي، جادل الخبير الاقتصادي آدم بوسن في مجلة "فورين أفيرز" بأن الصين تمتلك "قدرة تصعيدية متفوقة" على الولايات المتحدة في الحرب الاقتصادية، مما يعني أنه أيّاً كان السلاح الذي تلجأ إليه واشنطن، فبإمكان بكين دائماً استخدام سلاح أقوى. ونظراً إلى سيطرة الصين على نقاط الاختناق في السلع الحيوية، خلص بوسن إلى أنه ينبغي على الولايات المتحدة السعي إلى الانفراج الدولي إلى أن تتمكن من تقليل اعتمادها عليها. وأصبحت حجته القائلة إن الولايات المتحدة لا تملك حلاً سريعاً لسلاح العناصر الأرضية النادرة الصين، رأياً سائداً في واشنطن. بل إن بعض مسؤولي إدارة ترمب استشهدوا بمقولة الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ "أخفِ قوتك وانتظر الوقت المناسب لإظهارها" [أخفِ قدراتك حتى تلوح الفرص] لتبرير تجنبهم المواجهة مع الصين.

إلا أن هذا المنظور يقلل من شأن النفوذ الأميركي. فنقاط الاختناق الأقوى لدى واشنطن، بما في ذلك الدولار وتكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة ومحركات الطائرات النفاثة، يصعب تجاوزها أكثر بكثير من نقاط الاختناق الصينية. وصحيح أن معالجة العناصر الأرضية النادرة تتطلب رأسمالاً كثيفاً وتخلف أضراراً بيئية، لكن تفوق الصين في هذا المجال ليس منيعاً من الناحية التكنولوجية. وإذا استطاعت الولايات المتحدة الحفاظ على ريادتها في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن النماذج التي تنتجها شركات "وادي السيليكون" قد تصبح ركيزة أساسية للأعمال التجارية العالمية، مما يمنح واشنطن نقطة اختناق إضافية ذات نطاق تأثير هائل. إن التسليم مسبقاً بعدم جدوى خوض جميع أنواع الحرب الاقتصادية يعني منح بكين حق نقض فعلياً على السياسة الأميركية في ما يسميه الباحث راش دوشي "العقد الحاسم" في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

بإمكان واشنطن استعادة زمام المبادرة في سياستها تجاه الصين من خلال ترسيخ ردع فاعل ووضع خيارات تصعيد موثوقة قد تجبر بكين على التراجع. ومن الأمثلة المفيدة على ذلك، فرض الولايات المتحدة قيوداً على صادرات شركة "زد تي إي" (ZTE) الصينية العملاقة في مجال الاتصالات، عام 2018. فمن خلال قطع وصول "زد تي إي" إلى المكونات الأساسية، بما فيها رقائق كوالكوم، دفعت إدارة ترمب الأولى الشركة إلى حافة الانهيار. وفي غضون أسابيع، أعلنت الشركة أن "الأنشطة التشغيلية الرئيسة للشركة توقفت". ولم تنجُ الشركة إلا بعدما طلب شي جينبينغ شخصياً من ترمب مهلة، وافق عليها هذا الأخير.

إن نقاط الاختناق الأكثر قوة لدى واشنطن يصعب تجاوزها أكثر بكثير من نقاط الاختناق الصينية

واليوم، كما عام 2018، تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً كافياً لمواجهة الصين أو أية دولة أخرى في سيناريو تصعيدي. لكن ما افتقرت إليه واشنطن هو الإرادة السياسية لتحمل الخسائر الاقتصادية. ففي أعقاب حربي أفغانستان والعراق، اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة على الحرب الاقتصادية كبديل للقوة العسكرية التي اعتبرتها مكلفة سياسياً. والآن، يبدو أن واشنطن تفتقر حتى إلى الجرأة والقدرة على تحمل أعباء الحرب الاقتصادية. فاتبعت تعريفات ترمب خلال ولايته الثانية نمطاً مألوفاً: يتراجع البيت الأبيض بمجرد تراجع الأسواق أو تزايد المخاوف من الركود. وأدرك العالم أن نقطة ضعف واشنطن في الصراعات الاقتصادية هي انخفاض قدرتها على تحمل الألم.

والحرب الاقتصادية لا تتعلق فقط بمن يستطيع إلحاق أكبر ضرر بالناتج المحلي الإجمالي للطرف الآخر، بل بمن يمتلك قدرة أكبر على الصمود وتحمل ذلك الضرر. بإمكان واشنطن تعزيز قدرتها على الصمود من خلال معالجة نقاط الضغط الداخلية التي غالباً ما تؤدي إلى ردود فعل سياسية عكسية. فعلى سبيل المثال، أعاقت المخاوف من ارتفاع أسعار النفط حملات العقوبات ضد روسيا وإيران. ففي مارس الماضي وفي محاولة لخفض أسعار النفط بعد إغلاق إيران مضيق هرمز، خففت إدارة ترمب العقوبات المفروضة على النفط الروسي، مما حقق أرباحاً طائلة غير متوقعة لموسكو من دون انتزاع أية تنازلات في شأن أوكرانيا. ورفعت العقوبات عن نحو 140 مليون برميل من النفط الإيراني، ممولة بذلك خصمها فعلياً خلال الحرب سعياً وراء أسعار أقل. إن تقليل اعتماد الولايات المتحدة على النفط من شأنه أن يمنع أسعار الوقود من فرض إيقاعها على استراتيجية واشنطن خلال الأزمات الجيوسياسية.

والأهم من ذلك، يتعين على الرؤساء بذل جهد أكبر لكسب التأييد الشعبي عند شنهم حرباً اقتصادية. فالأميركيون أكثر استعداداً لتقبل التضحيات الاقتصادية عندما يؤمنون بأن القضية عادلة والاستراتيجية سليمة. وأحياناً، لا يواكب الرئيس توجهات الرأي العام. فبعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، امتنع الرئيس الأميركي جو بايدن عن فرض عقوبات قاسية على النفط الروسي، على رغم أن استطلاعات الرأي أشارت إلى استعداد معظم الأميركيين لدفع أسعار وقود أعلى لمعاقبة موسكو. ولكن في غالبية الأحيان، فإن الرأي العام هو الأبطأ في استيعاب السياسات وتقبلها، بالتالي لا يجاري واشنطن بقراراتها، بخاصة إذا لم تبذل الإدارة جهداً يُذكر من أجل إقناع الشعب. فتهديدات ترمب في يناير الماضي بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين ما لم تبِع الدنمارك غرينلاند للولايات المتحدة اصطدمت بمعارضة شعبية واسعة، مما قيد قدرة الرئيس على استخدام الضغط الاقتصادي بتهور. ومع تذكير الحرب في إيران الأميركيين بكلف العمل العسكري، قد يجد القادة المنتخبون أنه من الأسهل إقناع الرأي العام بأن الحرب الاقتصادية بديل أفضل، حتى إن كانت تنطوي على كلف مالية.

إذا كانت واشنطن تنوي التهديد بالرد الاقتصادي للمساعدة في ردع أي هجوم صيني على تايوان، فإن الصدقية ستكون عاملاً حاسماً. وستطرح بكين سؤالاً بسيطاً: هل الولايات المتحدة مستعدة لتحمل التداعيات الاقتصادية للتصعيد؟ لقد منح العام الماضي القادة الصينيين أسباباً للشك. وما لم يتغير هذا التصور، فقد يستنتجون أن الترسانة الاقتصادية الأميركية تبدو هائلة نظرياً، لكنها غير فاعلة عملياً.

السلام الاقتصادي

بُني النظام الاقتصادي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية من خلال مؤتمرات واتفاقات دولية مثل "اتفاقات بريتون وودز" و"الاتفاق العام للتعريفات والتجارة" (غات) ومنظمة التجارة العالمية. أما اليوم، فتتشكل بنية جديدة لتحل مكانه، ولكنها لا تقوم على مخطط متماسك، بل تُبنى من خلال تدخلات اقتصادية أحادية الجانب، فتضيف كل عقوبة وكل تعريفة جمركية وكل قيد على الصادرات وكل سياسة صناعية جديدة، حجراً آخر إلى الأساس بصورة عشوائية.

وغالباً ما يقلق صانعو السياسات من خطر التفتت الاقتصادي الذي قد ينجم عن ذلك. ففي صفحات "فورين أفيرز" عام 2023، حذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من أن الاقتصاد العالمي قد ينقسم إلى كتل متنافسة، مما يبدد عقوداً من التكامل. لكن التاريخ يشير إلى أن الكتل ليست أسوأ النتائج الممكنة. فالخطر الأكبر يكمن في التفتت الفوضوي، ذلك النوع من التنافس المحموم بين الدول القائم على مبدأ "كل دولة لنفسها" [أي كل دولة تعمل بمفردها ولمصالحها] الذي دمر الاقتصاد العالمي خلال ثلاثينيات القرن الـ20 وأدى إلى الحرب العالمية الثانية. في المقابل، وخلال الحرب الباردة، مكنت الروابط الاقتصادية الوثيقة والكثيفة داخل الكتلة الغربية من تحقيق أسرع توسع اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة.

إن الأمن الاقتصادي والازدهار ليسا متناقضين بطبيعتهما، بل يتصادمان فقط عندما تسعى الدول إلى تحقيق الأمن بصورة منفردة. أما التفتت المنسق الذي تنشئ فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها سلاسل إمداد موثوقة وتنسق العقوبات والسياسات الصناعية، فيمكنه الحفاظ على الحجم الذي تتطلبه الاقتصادات الحديثة، مع تحييد القوة القسرية للمنافسين مثل الصين وروسيا.

وكما أيدت الولايات المتحدة موجة العولمة خلال تسعينيات القرن الـ20، فهي بحاجة إلى رؤية إيجابية للنظام الاقتصادي الجديد الذي تسعى إلى بنائه. إن تحالفاً للأمن الاقتصادي، يركز على معالجة نقاط الضعف المشتركة في قطاعات مثل الأدوية والمعادن الحيوية وتكنولوجيا الطاقة النظيفة وغيرها من القطاعات التي تسيطر فيها الصين على نقاط اختناق، يمكن أن يشكل أساساً متيناً. ويمكن لاقتصاد عالمي قائم على التكتلات أن يخدم مصالح كل من الولايات المتحدة وشركائها إذا كان تكتلهم كبيراً ومتماسكاً بما يكفي.

دشنت الولايات المتحدة عصر الحرب الاقتصادية من خلال تحويل نقاط الاختناق إلى سلاح. واليوم، تعلمت دول أخرى فعل الشيء نفسه. ولم تتراجع قوة واشنطن وتفوقها لأن الآخرين بنوا أدوات نفوذ منافسة وحسب، بل أيضاً لأنها كثيراً ما استخدمت مزاياها بتهور. ولكي تزدهر واشنطن خلال هذه المرحلة الانتقالية وتشكل النظام الذي سينبثق منها، عليها أن تخوض حرباً اقتصادية بطريقة أكثر انضباطاً وتنسيقاً واستدامة من الناحية الاستراتيجية. أما البديل، فهو الانزلاق نحو تفتت اقتصادي سيجعل الولايات المتحدة أقل ازدهاراً وأقل أماناً.

 

إدوارد فيشمان هو باحث بارز ومدير "مركز موريس آر. غرينبرغ للدراسات الجيو-اقتصادية" التابع لمؤسسة الأبحاث "مجلس العلاقات الخارجية". وهو مؤلف كتاب "نقاط الاختناق: القوة الأميركية في عصر الحرب الاقتصادية".

مترجم عن "فورين أفيرز"، عدد مايو (أيار)/ يونيو (حزيران) 2026

المزيد من آراء