Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تغلبت العوامل الجيوسياسية على العولمة؟

انتهاء حلم التكامل الاقتصادي

سفينة شحن في قناة بنما، مارس 2026 (رويترز)

ملخص

تتراجع العولمة من قوة توحيد اقتصادي إلى ساحة صراع جيوسياسي مع تصاعد الحمائية وتفكك سلاسل الإمداد، وفشلها في توزيع المكاسب بعدالة غذى الشعبوية والتنافس بين القوى الكبرى، خصوصاً بين واشنطن وبكين، وهو ما يهدد الاستقرار العالمي ويحول الترابط الاقتصادي من عامل تهدئة إلى مصدر توتر.

قبل فترة ليست بالبعيدة كان الأكاديميون وصناع السياسات يعتبرون العولمة قوة جبارة تعمل للتقريب بين بلدان العالم وتعزيز الازدهار الاقتصادي والاستقرار، وكان من المفترض أن يعود التدفق المفتوح للسلع والخدمات والأموال والموارد الطبيعية والأشخاص بالنفع على البلدان كلها، وأن يتيح نقل المعرفة والأفكار والتكنولوجيا بين بلد وآخر، ذلك أن العولمة وعدت بسد الفجوات بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، والربط في ما بينها في شبكة من المصالح المشتركة، وبدا الافتراض القائل بأن هذا التطور سيعزز الاستقرار الجيوسياسي افتراضاً معقولاً، إذ إن الازدهار الجماعي سيحفز البلدان على تهدئة النزاعات التي قد تعطل علاقاتها الاقتصادية.

اليوم تتبدد هذه الآمال الكبيرة المعلقة على العولمة، وتؤدي الآثار المدمرة للعولمة في الوظائف في الاقتصادات المتقدمة دوراً في دفع كثير من الديمقراطيات، بما في ذلك الولايات المتحدة، إلى حافة الفوضى.

ويصور السياسيون الذين يسعون إلى استغلال رد الفعل العنيف المعادي للعولمة هذه الأخيرة بوصفها قوة خبيثة تعرض شركات بلدانهم وعمالها إلى منافسة أجنبية مدمرة، وهكذا ينحسر حلم التكامل أمام واقع من التفتت تشكل فيه أنماط التجارة وتدفقات رأس المال انعكاساً للتحالفات الجيوسياسية بدلاً من تتجاوز تلك الأنماط الخلافات بين مختلف هذه التحالفات، وبعيداً من كون العولمة الترياق المناسب للنزاعات الجيوسياسية كما كانت متصورة في البداية، تصبح العولمة نفسها مصدراً للخلافات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يؤدي فشل العولمة في الوفاء بوعدها تحقيق مزايا واسعة وعادلة إلى تشكل عالم تصبح فيه القوى الاقتصادية التي تولد مكاسب مشتركة أقل قدرة على مواجهة القوى الجيوسياسية المستندة إلى لعبة الربح والخسارة مقارنة بما كانت عليه الحال منذ تسعينيات القرن الـ 20، وهذا التحول يجسده التنافس العدواني الدائر بين الصين والولايات المتحدة منذ عقد من الزمن، وتدخل القوتان العظميان صراحة في منافسة على الهيمنة الاقتصادية والجيوسياسية، وفي غياب القوة المضادة المتمثلة في الروابط الاقتصادية والمالية المتبادلة النفع التي تمنع المنافسة من الخروج عن السيطرة، تصبح العلاقة بين البلدين مؤذية ليس فقط لبكين وواشنطن، بل أيضاً لبقية العالم الذي يتحمل الأضرار الجانبية، وهذه العلاقة المتصدعة تُعد رمزاً لعدم الاستقرار الجديد في نظام عالمي لم يعد يضبطه التكامل الاقتصادي كما كان يفعل في السابق.

لكن الطبيعة المتغيرة للعولمة ينبغي ألا تدفع إلى نعيها، وبدلاً من ذلك يجب على الاقتصاديين وصناع السياسات التفكير في الطرق التي انحرفت بها العولمة عن مسارها، فتحولت من قوة تعزز التعاون إلى قوة تغذي النزاع حتى يتمكنوا مرة أخرى من توجيه آثارها الإيجابية في صورة مثمرة، ولا شك في أن تسخير إمكانات العولمة لتحسين النتائج الاقتصادية وحياة الناس مع التخفيف من آثارها المدمرة أمر ضروري أكثر من أي وقت مضى لمواجهة التشرذم الذي يفاقم في شكل متواصل احتمالات اندلاع نزاعات خطرة بين الدول.

الأيام الخوالي غير الطيبة

بدأت التجارة الدولية والتدفقات المالية في التوسع بسرعة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي مع إزالة الحكومات العوائق القائمة بين بلدانها، وأدت التطورات التكنولوجية، بما في ذلك الاستخدام الواسع النطاق لحاويات الشحن البحري والتحسينات التي أُدخلت على اللوجستيات التجارية إلى خفض كُلف النقل وتعزيز التجارة الدولية، ولم يعد مفهوم سوق السلع والخدمات العالمية الموحدة، التي يستطيع من خلالها كل بلد أن يتخصص في ما يتميز عن غيره نسبياً في إنتاجه، يبدو بعيد المنال، وقد ظهر إجماع واسع على أن المصالح التجارية الحريصة على بناء سلاسل إمداد عالمية وبيع منتجاتها وخدماتها في أنحاء العالم، كلها ستكون بمثابة الرابط الذي يربط بلدان العالم ببعضها بعضاً في صورة أوثق.

جمع هذا الترتيب الاقتصادات المتقدمة والناشئة في شبكة من العلاقات المتبادلة النفع، وساعد الطلب الأجنبي على السلع كثيراً من البلدان ذات الأسواق الناشئة في بناء قطاعاتها الصناعية، مما أدى إلى تضخم الطبقات الوسطى فيها، ومع توسع التجارة حققت كثير من هذه البلدان فوائض تجارية، إذ صدرت سلعاً أكثر مما استوردت، وفي الوقت نفسه بدأت بعض البلدان الغنية، بما في ذلك أستراليا وإسبانيا والمملكة المتحدة، وفي مقدمها الولايات المتحدة، في اقتراض الأموال من بقية العالم لتمويل عجزها التجاري.

لكن إعادة تشكيل العولمة للاقتصادات المحلية في الدول الغنية لم تحظ بترحيب الجميع، فالمكاسب الإجمالية الكبيرة التي أتاحتها التجارة الحرة لم تتوزع بالتساوي، ولقد قُوضت بعض الصناعات التي تعتمد في شكل مكثف على العمالة، مثل صناعات الأحذية والأثاث والمنسوجات، بينما اضطرت صناعات أخرى إلى تقليص أعمالها تحت ضغط المنافسة الأجنبية، وعلى سبيل المثال أدى فتح أسواق السيارات الأميركية أمام الواردات من اليابان في سبعينيات القرن الـ 20 إلى تحقيق مزايا كبيرة للمستهلكين الأميركيين تمثلت في خيارات أكثر وأسعار أقل، لكن الأمر لم يبدُ كذلك بالنسبة إلى عمال صناعة السيارات في ديترويت الذين فقدوا وظائفهم مع إزاحة الشركات الأجنبية المنافسة الشركات الأميركية، وفي الواقع لا تتوافر طريقة بسيطة لمن يستفيدون من العولمة يعوضون من خلالها أولئك الذين يتحملون كُلفها المباشرة، وازدادت معاناة العمال بسبب تآكل شبكات الأمان الاجتماعي في البلدان الغنية، ناهيك عن سماح التقدم التكنولوجي لشركات التصنيع بتقليص قواها العاملة.

وقد دفعت حال الاستياء الشعبي إلى تحول خطابي حاد في السياسات الداخلية للدول الغنية، وأصبح إلقاء اللوم على العولمة، أو على شركاء تجاريين محددين، بدلاً من السياسات الداخلية المعيبة أو التكنولوجيا، وسيلة سياسية ملائمة للسياسيين للاستفادة من غضب الناخبين الذين تأثرت حياتهم بانحسار التصنيع، وأسهمت السياسات الضريبية المنحازة للأثرياء، إضافة إلى أطر تنظيمية متساهلة، في تركز الثروة، فيما غذت خفوض الإنفاق الاجتماعي مشاعر الإحباط الاقتصادي.

أصبحت العولمة بمثابة كبش فداء مناسب لتفاقم معدلات التفاوت وتقلص فرص العمل والسياسات الحكومية التي فشلت في التخفيف من الشعور بالإحباط الاقتصادي المصاحب لذلك، وأدت التداعيات المحلية لرد الفعل العنيف ضد العولمة في الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى انتخاب دونالد ترمب رئيساً.

شعر السياسيون الذين وصلوا إلى السلطة من خلال ركوب موجة السخط المناهض للعولمة بضغوط لتحويل الخطابات إلى سياسات، فاستلهموا ترمب واتبعوا سياسات حمائية مثل فرض رسوم جمركية على الواردات، زعموا أنها ستنعش الصناعة التحويلية المحلية وتزيد فرص العمل، لكنها في الواقع لم تؤد إلا إلى رفع الأسعار وتقليص الخيارات المتاحة أمام المستهلكين، إضافة إلى تعطيل التجارة وإلحاق الضرر بالنمو الاقتصادي، وبالتزامن مع فشل العولمة في تحقيق مزايا واسعة النطاق ومنصفة، فقد أدى التحول المناهض للعولمة في الممارسة السياسية الداخلية إلى توتر العلاقات بين البلدان، مما دفع إلى اشتداد التنافس الجيوسياسي.

عقيدة الصدمة

تجسد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين على مدى العقدين الماضيين من الزمن التحول في المكانة السياسية للعولمة من قوة إيجابية إلى قوة خبيثة، وبعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، الذي دعمته الولايات المتحدة، تبنى البلدان فكرة مفادها بأن علاقتهما التجارية يمكن أن تصبح ذات محصلة إيجابية ومفيدة للطرفين، فحققت التجارة نمواً كبيراً وسرعان ما أصبحت الولايات المتحدة السوق الرئيسة لصادرات الصين، وازدادت التدفقات المالية من الولايات المتحدة إلى الصين بعد عام 2010، عندما بدأت بكين في فتح اقتصادها وأسواقها أمام المستثمرين الأجانب، وكانت الشركات الأميركية حريصة على إنشاء أجزاء من سلاسل الإمداد الخاصة بها في الصين للاستفادة من انخفاض كُلف العمالة وكُلف أخرى وبيع منتجاتها في أسواقها السريعة النمو، وعرضت المؤسسات المالية الأميركية خدماتها على الطبقة الوسطى الصينية السريعة التوسع التي طالبت بخدمات أعلى جودة من تلك التي كانت المصارف المملوكة للدولة تقدمها.

ومع ذلك كانت المشكلات تتفاقم، وسجلت الولايات المتحدة عجزاً تجارياً في السلع مع الصين بلغ 83 مليار دولار عام 2000، وشهد العجز ارتفاعاً مطرداً ليصل إلى 418 مليار دولار عام 2018، قافزاً من 0.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي إلى اثنين في المئة خلال تلك الفترة.

تمويل العجز التجاري الأميركي من قبل الصين الذي بدا سخياً (من خلال شراء بكين سندات الخزانة الأميركية) تحقق إلى حد كبير من أرباح الشركات الصينية التي تصدر سلعاً رخيصة إلى الولايات المتحدة، وسرعان ما تسبب صعود الصين الصاروخي من اقتصاد صغير منخفض الدخل إلى أكبر البلدان التجارية في العالم بإظهار التوترات التي كانت كامنة تحت هذه الحقبة من الود.

في ما عُرف لاحقاً بـ "صدمة الصين"، انهارت وظائف التصنيع الأميركية ذات الأجور المرتفعة وتآكل قطاع التصنيع، فاستسلمت كثير من الشركات الأميركية وأغلقت أبوابها عاجزة عن منافسة سيل السلع الرخيصة الواردة من الصين، وتشير تقديرات إلى أن خسائر الوظائف الأميركية التي تُعزى إلى "صدمة الصين" بين عامي 1999 و2011 تجاوزت مليوني وظيفة، بما في ذلك نحو مليون وظيفة في قطاع التصنيع، وأدت عوامل أخرى، مثل التغير التكنولوجي، دوراً في ذلك، ولم تكن الصين البلاد الوحيدة ذات الأجور المنخفضة التي نافست الصناعة التحويلية الأميركية، ومع ذلك لم يستطع السياسيون الأميركيون مقاومة إلقاء معظم اللوم على الصين في تراجع الصناعة التحويلية الأميركية.

الطبيعة المتغيرة للعولمة ليست سبباً لنعيها

وأسهمت شيطنة الصين باعتبارها منافساً غير منصف في تآكل العلاقة التي كان قادة البلدين يعتبرونها في السابق مفيدة للطرفين، ومع ذلك لا تستحق واشنطن اللوم كله على تدهور العلاقة التي كانت واعدة في يوم من الأيام، وفي حين تحدث القادة الصينيون عن "التعاون المربح للجانبين" الذي أتاحته العولمة، مالوا بميزان القوى لمصلحة الشركات الصينية، وقدمت بكين مجموعة متنوعة من أشكال الدعم، بما في ذلك القروض المصرفية الرخيصة والأراضي والطاقة المدعومة، إلى شركاتها الصناعية (الخاصة والمملوكة للدولة على حد سواء)، بينما رفضت منح الشركات الأميركية وصولاً حراً وخالياً من القيود إلى أسواقها المحلية، وكان على الشركات الأجنبية التي تسعى إلى تأسيس عمليات لها في الصين أن تنشئ مشاريع مشتركة مع شركات محلية، مما سمح للشركات الصينية باستغلال التكنولوجيا والمعرفة التقنية من شركائها الأجانب والتنافس معهم في صورة مباشرة في نهاية المطاف.

ومع مرور الوقت ازداد إحباط الشركات الأميركية في قطاعي التصنيع والخدمات على السواء، من عجزها عن العمل بحرية داخل السوق الصينية، ونتيجة لذلك لم تعد المصالح التجارية تمثل قوة استقرار متينة في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، ونتيجة لذلك لم تعد المصالح التجارية تمثل قوة استقرار فاعلة في العلاقة الأميركية -الصينية، وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا كان رد فعل مجتمع الأعمال الأميركي محدوداً نسبياً عندما فرض دونالد ترمب رسوماً جمركية على الواردات الصينية عام 2018 ثم رفع نسبتها في الأعوام التالية، ولماذا أبقت إدارة جو بايدن تلك الرسوم مع إضافة قيود جديدة على التجارة والاستثمار، فاليوم لم تعد الشركات الأميركية تدافع بالحماسة نفسها عن الحفاظ على توازن العلاقة، مكتفية بمقاومة خافتة في مواجهة تحول العداء تجاه الصين إلى ملف يحظى بإجماع حزبي في واشنطن.

لم تصبح جوانب العلاقة بين الصين والولايات المتحدة كلها تنافسية في صورة صارمة، كان كلا البلدين على استعداد في بعض الأحيان للتعاون في مسائل مثل تغير المناخ، غير أن تآكل عوامل التوازن واتساع ساحات الصراع جعلا التعايش أقل ودية، ويجسد اعتماد بكين وواشنطن المتزايد على ضوابط التصدير هذا التوازن الجديد غير المستقر، وكانت الولايات المتحدة في السابق تتبع مع الصين سياسة تكنولوجية أكثر تعاوناً، وإن ظلت تنافسية، تتميز بالتدفق الحر في الاتجاهين للمعرفة التقنية والموظفين والمعدات والتمويل، وحاولت إدارة بايدن الحد من وصول الصين إلى التكنولوجيا وشرائح الكمبيوتر المتطورة، وهو إجراء كثفت منه إدارة ترمب، وبعد أعوام من تطبيق الولايات المتحدة ضوابط التصدير، باتت الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب في أبريل (نيسان) 2025 القشة التي قصمت ظهر البعير في نظر الصين: ردت بكين بتقييد صادراتها من المعادن النادرة التي تحتاج إليها بشدة مصانع المنتجات التكنولوجية المتقدمة في الولايات المتحدة.

ومع كل خطوة ورد فعل تتراجع أكثر احتمالات وجود علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة في ظل العلاقة الجيوسياسية التنافسية بطبيعتها بين البلدين، وفي غياب ثقل اقتصادي موازن لتلك المنافسة يأتي النفوذ المتزايد لأحد البلدين بالضرورة على حساب الآخر.

لعبة التقليد

شرعت الحكومات، إضافة إلى الشركات، في محاولة التكيف مع نظام اقتصادي جديد يتسم بارتفاع العوائق في إعادة توجيه التدفقات التجارية والمالية بما ينسجم مع اصطفافاتها الجيوسياسية، غير أن هذا المسار لا يؤدي سوى إلى تفاقم المشكلات القائمة.

وعلى رغم تاريخها الطويل في تبني التجارة الحرة باتت الاقتصادات المتقدمة تميل إلى سياسات صناعية تقوم فيها الحكومات، لا الأسواق، بتحديد الرابحين والخاسرين، فبعد أن كانت هذه السياسات مرفوضة في الدول ذات الاقتصادات الموجهة نحو السوق أصبحت اليوم تُعد، في نظر كثر، أداة مشروعة لتعزيز تنافسية الشركات المحلية في الأسواق الداخلية والدولية، ويبرز في هذا السياق "قانون خفض التضخم" الذي أقرته إدارة جو بايدن ودخل حيز التنفيذ في أغسطس (آب) 2022، وبهدف معلن يتمثل في الحفاظ على التفوق التكنولوجي الأميركي وتشجيع الاستثمار المحلي في التكنولوجيات الخضراء وغيرها من التكنولوجيات الجديدة، استخدمت الإدارة الإعانات والإعفاءات الضريبية لتحفيز إنتاج السيارات الكهربائية ومكونات الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة، وبذلك أقامت فعلياً عوائق أمام التجارة الحرة.

عند عودته للبيت الأبيض ألغى ترمب أجزاء من "قانون خفض التضخم"، لكن بدلاً من التراجع عن السياسات الصناعية أقامت إدارته مزيداً من العوائق الخاصة بها، فعلى سبيل المثال تتضمن مبادرة التصنيع المسماة "صُنع في أميركا" تدابير لتعزيز الشركات المحلية وتشجيع المشتريات المحلية على حساب الشركات الأجنبية في صورة مباشرة، وكذلك تستخدم الإدارة السياسات التجارية سلاحاً لانتزاع تنازلات من الشركاء، وذلك في الغالب في شأن مسائل لا علاقة لها بالتجارة، ويؤدي نظام الرسوم الجمركية الذي فرضه ترمب إلى مزيد من عدم اليقين في خصوص مستقبل التجارة العالمية.

الشكل الجديد من العولمة قد يؤدي إلى تفاقم التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية

على صعيد الشركات التي أصبحت تعتمد على حرية حركة السلع والخدمات، كان الأثر اضطراباً كبيراً وأصبحت الشركات التي تعمل خارج بلدانها ضحية لحروب تجارية متزايدة، إذ يمكن أن تتحول بسرعة الرسوم الجمركية التي تفرضها دولة ما، إضافة إلى الإجراءات الانتقامية المتتالية التي تتخذها دول أخرى، إلى عداء اقتصادي أوسع نطاقاً، ويمكن أن تؤدي انقطاعات تصيب حلقة واحدة فقط في سلسلة الإمداد العالمية المتشابكة بدقة إلى توقف صناعات بأكملها.

استجابة لهذه الأخطار الجديدة تتبع الشركات المتعددة الجنسيات إستراتيجيات "المرونة"، ويحاول كثير منها تركيز مرافق الإنتاج في مواقع توفر أماناً نسبياً من الأخطار الجيوسياسية: إعادة الإنتاج إلى البلدان الأم، أو "الانتقال إلى مواقع صديقة" في بلدان تُعتبر حليفة جيوسياسياً، أو إنشاء مرافق إنتاج في بلدان متعددة لإمداد الأسواق المحلية الخاصة بكل من تلك البلدان، أو مزيج من هذه الخيارات الثلاثة، وتحاول شركات أخرى تنويع مواقع منشآت الإنتاج أو مصادر المواد الخام أو أسواق المنتجات النهائية، فعلى سبيل المثال بدأت شركة "أبل" تستثمر في الهند، فنقلت بذلك جزءاً من إنتاج هواتفها بعيداً من الصين، وزاد المصنعون الصينيون الذين يحاولون تجنب الرسوم الجمركية الأميركية استثماراتهم في المكسيك وفيتنام وبلدان أخرى تتمتع بوصول أكبر إلى الأسواق الأميركية، ولم يعد تقليل الكُلف، بما يشمل كُلف العمالة والأراضي والطاقة، العامل الرئيس الذي يحرك القرارات في شأن مكان إنشاء المصانع الفعلية أو العمليات التجارية الأخرى.

ومن المفارقات أن تحول الشركات نحو أشكال التجارة العالمية التي تُعد أقل خطورة، في الأقل لناحية تقليص تعرضها إلى الاضطرابات الجيوسياسية، من المرجح أن يزيد من أشكال الأخطار الأخرى بالنسبة إلى العالم بأسره، فالعولمة في صورتها الأولى سعت إلى تقليص الصراعات الجيوسياسية عبر تشابك الاقتصادات، انطلاقاً من فكرة أن العالم المندمج أقل ميلاً إلى الصدام، لكن مع انسحاب الشركات من أسواق البلدان التي تُعتبر منافسة جيوسياسية لبلدانها الأصلية، لم تعد الشركات بمثابة جسور تساعد في الحفاظ على العلاقات الجيدة، وفي غياب الشبكات التجارية ذات النفع المتبادل التي كانت موجودة خلال أعوام العولمة الأولى، فقد يؤدي هذا الشكل الجديد من العولمة في نهاية المطاف إلى تكثيف التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية بدلاً من تخفيفها.

عندما تتلاشى العولمة

العولمة لم تنتهِ، لكن نسختها الأخيرة تخاطر بالتحول إلى عامل مسهم في الاضطرابات الجيوسياسية بدلاً من أن تكون ترياقاً لها، وتحتاج البلدان المنخفضة الدخل خلال المراحل الباكرة من التنمية إلى الوصول إلى الأسواق العالمية لبناء قطاعاتها الصناعية، ولا يزال بإمكان قطاع صناعي متوسع، يوفر وظائف بأجور أعلى مقارنة بوظائف الزراعة وقطاعات الإنتاج الأولية الأخرى، أن يساعد البلدان في بناء طبقة متوسطة تستطيع أن تدعم اقتصاداً محلياً نابضاً بالحياة، ومع ذلك فإذا واصلت التجارة العالمية والتدفقات المالية التفتت فقد يُغلَق مسار التنمية هذا تاركاً نسبة كبيرة من سكان العالم محرومة من مزايا العقود الأولى المزدهرة من الزمن التي شهدتها العولمة، وقد تجعل الآثار السياسية المترتبة على تراجع اقتصادي كهذا رد الفعل العنيف الذي شهده أوائل القرن الـ 21 يبدو غريباً بالمقارنة.

وحتى في حاله المتدهورة، يستحق مشروع العولمة الإنقاذ، فبدلاً من التراجع عنها انطلاقاً من شعور خاطئ بأن الخطوة ستجعل البلدان أكثر أماناً وأقل عرضة إلى الأخطار الخارجية والتقلبات، يتعين على صناع السياسات إيجاد سبل لمعالجة آثاره الأقل إيجابية، ويجب على البلدان ذات الاقتصادات المتقدمة وضع آليات أقوى لدعم دخل العمال الذين فقدوا وظائفهم، إضافة إلى برامج لإعادة التدريب وإعادة التأهيل تمكنهم من الاستفادة من فرص اقتصادية جديدة، وفي بعض البلدان ذات الأسواق الناشئة، حيث لا تزال الحكومات تمارس رقابة صارمة على الاقتصاد والمصارف، سيتطلب الأمر إعادة صياغة التنظيمات الحكومية التدخلية وإصلاح الأنظمة المالية المعطلة حتى تتمكن الشركات المحلية من المنافسة في صورة أكثر فاعلية على الساحة الدولية، وكذلك يجب على المؤسسات الدولية التي تشرف على الأنشطة التجارية والمالية العالمية إيجاد سبل لتجديد نفسها، وللحفاظ على شرعيتها يجب على المؤسسات التجارية مثل منظمة التجارة العالمية أن تبذل جهوداً أكبر لفرض قواعد تنظيمية بطريقة متسقة وشفافة، وفضح الممارسات التجارية غير المنصفة لدى البلدان كلها، بما في ذلك القوى العظمى مثل الصين والولايات المتحدة، وكذلك يمكن للمؤسسات المالية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، استعادة ثقة الدول الناشئة من خلال إعادة هيكلة أنظمة الحوكمة فيها لمنح تلك الدول حصص تصويت عادلة تتناسب مع ثقلها الاقتصادي.

ولا شك في أن تحقيق ذلك لن يكون سهلاً، لكن إذا ما أُديرت العولمة على نحو فعال فلا تزال قادرة على الارتقاء إلى ما وُعدت به ذات يوم كقوة موازنة للتفتت والصراع العالميين، أما التخلي عنها الآن فلن يفضي إلا إلى إبقاء العالم عالقاً في حلقة هلاك تُبرز فيها القوى الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية أسوأ ما في بعضها بعضاً.

 

إشوار براساد هو أستاذ بارز في سياسات التجارة بكلية دايسون للاقتصاد التطبيقي والإدارة في جامعة كورنيل، وزميل بارز في معهد بروكينغز، ومؤلف كتاب "حلقة الهلاك: لماذا ينزلق النظام الاقتصادي العالمي إلى الفوضى".

مترجم عن "فورين أفيرز"، 31 مارس (آذار) 2026

اقرأ المزيد

المزيد من آراء