Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا تخسر سباق الابتكار

لماذا قد يكون مستقبل العلوم صينياً؟

اختبار روبوتات شبيهة بالبشر في بكين، مارس (آذار) 2026 (رويترز)

ملخص

تتقدم الصين بسرعة في سباق الابتكار بعد أن بنت منظومة متماسكة تربط بين البحث العلمي الأساسي، وتدريب الكفاءات، والتصنيع، وتحويل المعرفة إلى منتجات وصناعات تنافسية. وفي المقابل، يهدد تراجع تمويل البحث العلمي في الولايات المتحدة، وإضعاف الجامعات، وصعوبة الاحتفاظ بالمواهب، وغياب الدعم طويل الأجل للتقنيات الصعبة، مكانتها في صناعات المستقبل.

لطالما نُظر إلى الصين باستخفاف بوصفها مجرد مصنع العالم، بلداً يتفوق في تصنيع تقنيات ابتُكرت في أماكن أخرى، لكنه عاجز عن ابتكار أي شيء جديد جذرياً من تلقاء نفسه. لكن العقد الماضي أثبت أنها قادرة على أن تكون قوة ابتكار كبرى. فالصين تتقدم اليوم كثيراً على الولايات المتحدة في تصنيع ونشر واعتماد التقنيات المتقدمة، مثل المركبات الكهربائية، والبطاريات، ومعدات الاتصالات اللاسلكية، والروبوتات الشبيهة بالبشر، والجيل المقبل من الطاقة النووية. كما أن قطاع الأدوية الصيني سريع النمو بات قريباً من اللحاق بنظيره الأميركي في وتيرة طرح الأدوية الجديدة في الأسواق. وأصبح لدى الجيش الصيني قدرات تكنولوجية تفتقر إليها الولايات المتحدة، بما في ذلك ما يسميه البنتاغون "ترسانة الصواريخ فرط الصوتية الرائدة عالمياً".

ويعود نجاح الصين إلى ضخها الموارد في جميع حلقات منظومة الابتكار، من البحث العلمي الأساسي إلى تعليم العلماء والمهندسين، وصولاً إلى تحويل المنتجات الجديدة إلى سلع قابلة للتسويق. وفي عام 2015، أطلقت بكين خطة طموحة باسم "صنع في الصين 2025" لتسريع سعيها إلى أن تصبح قوة تكنولوجية عالمية. ومن خلال تقديم دعم حكومي ضخم للشركات العاملة في قطاعات رئيسة، مثل تكنولوجيا المعلومات، والروبوتات، والفضاء، سعت القيادة الصينية إلى تقليل المخاطر الاقتصادية والأمنية القومية الناجمة عن اعتماد الصين على الشركات الأجنبية، وجعل شركاتها التكنولوجية أكثر قدرة على المنافسة.

وبعد مرور عشر سنوات على إطلاق "صنع في الصين 2025"، حققت الصين إلى حد كبير أهداف هذه الخطة. فابتكاراتها في مجال المركبات الكهربائية، على سبيل المثال، كانت لافتة إلى درجة أن الرئيس التنفيذي لشركة "فورد"، جيم فارلي، وصف صناعة السيارات الكهربائية الصينية العام الماضي بأنها "أكثر ما أدهشني على الإطلاق"، لما تتمتع به من تفوق كبير في التكنولوجيا داخل المركبات، والكلفة، والجودة. وحتى في القطاعات التي لم تنجح الصين في الهيمنة عليها، فقد حققت تقدماً كبيراً. ففي أشباه الموصلات، لم تتمكن من تصنيع الشرائح المتطورة اللازمة لتدريب أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً، لكنها بنت أكبر طاقة إنتاجية في العالم للشرائح التقليدية المستخدمة في السيارات والأجهزة الإلكترونية العادية. وفي تقريرها السنوي لعام 2025 إلى الكونغرس، خلصت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، التي تدرس التداعيات الأمنية القومية للعلاقة الاقتصادية بين البلدين، إلى أن "الصين تمتلك الآن قاعدة صناعية موجَّهة من الدولة ومفرطة القوة، لا سابقة تاريخية لها". والأخطر من ذلك أن اللجنة قدرت أن "الصين أصبحت الآن في موقع يمكّنها من تطوير التقنيات الجديدة وتوسيع نطاقها، وتحقيق أفضلية السبق في كثير من صناعات المستقبل".

أما الولايات المتحدة، فقد فقدت تركيزها. فبعد أكثر من 80 عاماً بوصفها قوة الابتكار الأولى بلا منازع في العالم، أخفقت واشنطن في تقدير حجم التهديد الذي يمثله تزايد هيمنة الصين على سلسلة الابتكار، من البحث الأساسي إلى التصنيع عالي التقنية. والأسوأ أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الساسة الأميركيون تزيد المشكلة تفاقماً. فبدلاً من الارتقاء إلى مستوى هذا التحدي، تعمل الإدارة الحالية على تقويض عناصر القوة الأميركية في الابتكار، من دون أن تعالج مواطن الضعف.

وتحتاج الولايات المتحدة إلى أن تعود فترى في العلم والابتكار ركناً أساسياً من أركان قوتها. وهذا يتطلب الاستثمار في العلوم الأساسية، التي توسع المعرفة الجوهرية وتمثل مصدر التقنيات الثورية حقاً. ويعني ذلك أيضاً استقطاب أفضل المواهب العالمية في العلوم والهندسة، وتأهيلها، والحفاظ عليها. ويتطلب أيضاً استكشاف سبل جديدة لتحويل الأبحاث المتقدمة إلى منتجات قابلة للتسويق، وتوسيع إنتاجها بسرعة أكبر. تمضي الصين قدماً، وإذا لم تصحح الولايات المتحدة مسارها، فإنها تخاطر بالتفريط بالمستقبل لمصلحة أكبر خصومها الجيوسياسيين.

العودة إلى الأساسيات

كان الالتزام بالعلوم الأساسية في صميم القيادة التكنولوجية الأميركية منذ منتصف القرن العشرين. فأفضل الابتكارات تظهر عادة حيث يوجد أفضل علم. وعلى رغم أن البشر ابتكروا تقنيات جديدة على امتداد التاريخ، فإن التكنولوجيا لم تبدأ في دفع نمو اقتصادي مستدام إلا مع الثورة الصناعية. وكما أوضح المؤرخ جويل موكير، فإن العامل الحاسم وراء هذا النمو كان التقدم العلمي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وثقافة العلم في الغرب، التي نشرت معرفة المبادئ المفسرة للظواهر الطبيعية. وقبل ذلك، كما كتب موكير، كان العالم "عالم هندسة بلا ميكانيكا، وصناعة حديد بلا تعدين، وزراعة بلا علم تربة". فالمجتمع الذي يفهم لماذا ينجح شيء ما، يستطيع بسهولة أكبر أن يحسن كيفية عمله، وهي عملية يبني فيها كل تقدم على ما سبقه، بما يسرع التطور التكنولوجي.

وفي الولايات المتحدة، تعد الجامعات أكبر الجهات التي تجري أبحاث العلوم الأساسية، فيما تعد الحكومة الفيدرالية أكبر ممول لها. وقبل الحرب العالمية الثانية، كانت الجامعات تجري قدراً محدوداً نسبياً من الأبحاث العلمية، إذ كانت تركز أساساً على مهمتها التعليمية. لكن الحرب فرضت تحولاً جذرياً. فقد جنّد فانيفار بوش، المستشار العلمي للرئيس فرانكلين روزفلت، علماء أكاديميين لتطوير تقنيات جديدة، من بينها تقنيات كانت حاسمة في تحقيق النصر، مثل الرادار الميكروي، والقنبلة الذرية، والبنسلين. وبعد انتهاء الحرب، حث بوش قادة الولايات المتحدة على مواصلة دعم البحث العلمي في الجامعات. وكتب قائلاً: "إن المنتجات والعمليات الجديدة لا تولد مكتملة النمو، بل تقوم على مبادئ ومفاهيم جديدة، وهذه بدورها تنبثق من البحث العلمي الأساسي". وكان يرى أن الجامعات هي المكان الأنسب لتطوير هذه المبادئ والمفاهيم الجديدة، لأنها أقل تعرضاً لضغوط النتائج السريعة والملموسة من المختبرات الصناعية، كما أنها البيئة التي يجري فيها إعداد العلماء الشباب. وفي السنوات الأولى من الحرب الباردة، أنشأ المسؤولون الأميركيون مؤسسات مثل "المؤسسة الوطنية للعلوم" لتمويل هذا النوع من الأبحاث الاستكشافية.

وقد أفضت هذه الشراكة بين الحكومة والجامعات إلى إنشاء أكبر وأكثر منظومة متنوعة من الجامعات البحثية في العالم. ولم تكتف الولايات المتحدة بقيادة البحث الأساسي، بل نجحت أيضاً في تحويل الأفكار الجديدة إلى تقنيات تأسيسية، مثل الإنترنت والهواتف الذكية. كما أن التمويل الذي وفرته "المعاهد الوطنية للصحة" للأبحاث الطبية الحيوية في الجامعات وكليات الطب والمراكز الطبية الأكاديمية الأميركية أسهم في تطوير ما يقرب من كل دواء وافقت عليه "إدارة الغذاء والدواء" بين عامي 2010 و2019. وبعد أن أتاح "قانون بايه-دول" لعام 1980 للجامعات امتلاك الاكتشافات الناتجة من أبحاث ممولة فيدرالياً وترخيصها وتقاسم عوائدها مع الباحثين المخترعين، تحولت الجامعات إلى بؤر ريادة أعمال، وخرجت منها شركات عالمية مثل "غوغل" و"موديرنا". وأظهرت دراسات أجريت في العقد الثاني من هذا القرن على جامعة ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن الإيرادات التراكمية للشركات التي أسسها خريجوهما من رواد الأعمال كانت ستضع كل مؤسسة منهما بين أكبر عشرة اقتصادات في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي.

الحكومة الأميركية تحول الجامعات من شركاء إلى خصوم

 

ولا تزال الولايات المتحدة تستثمر في العلوم الأساسية أكثر من أي بلد آخر. ففي عام 2023، وبحسب بيانات "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، أنفقت 78 مليار دولار على الأبحاث الأساسية التي أُجريت في الجامعات والمختبرات الحكومية. ولهذا السبب حقق العلماء في الولايات المتحدة عدداً كبيراً من الاكتشافات التأسيسية، من تقنية "كريسبر" لتحرير الجينات، التي فتحت الباب أمام علاجات محتملة للأمراض الوراثية، إلى الشبكات العصبية الاصطناعية التي تقوم عليها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لكن مزايا الولايات المتحدة في البحث الأساسي باتت مهددة. ففي عهد الرئيس دونالد ترمب، أخذت الحكومة تحول الجامعات من شركاء إلى خصوم. وبعد فترة وجيزة من تنصيبه لولاية ثانية في يناير (كانون الثاني) 2025، أضعفت الإدارة وكالات تمويل الأبحاث، وجمدت أو ألغت منحاً بحثية في الجامعات. وحتى بعد أن أُجبرت على إعادة آلاف من هذه المنح، أظهر تحليل نشرته مجلة "نيتشر" في يناير 2026 أنها عطلت مشاريع بقيمة 1.4 مليار دولار. وتحاول الإدارة أيضاً تفكيك النظام الذي تُمنح بموجبه الأموال البحثية على أساس الجدارة، وغالباً بعد مراجعة الأقران. وبدلاً من ذلك، تريد إقامة نظام قائم على المحاباة السياسية، يمنح الأفضلية للجامعات التي تنصاع لمطالبها الأيديولوجية. وأصبحت موضوعات بحثية مهمة لا تروق للإدارة الأميركية لأسباب سياسية، مثل علم المناخ وتطوير لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال  (mRNA)، شبه محظورة عملياً على الباحثين الساعين إلى دعم فيدرالي.

وفي المقابل، أدرك قادة الصين أن الضعف النسبي لبلادهم في العلوم الأساسية يشكل عقبة أمام الابتكار المحلي، فسعوا إلى معالجته. وقد زادت بكين استثماراتها في الأبحاث الأساسية في الجامعات والمختبرات الحكومية: فبين عامي 2013 و2023، رفعت تمويلها لهذه الأبحاث بنحو أربعة أضعاف ليصل إلى 57 مليار دولار، بعد احتساب تعادل القوة الشرائية. ولا تنوي الصين التوقف الآن. فقد شدد الرئيس شي جينبينغ مراراً على أن تعزيز العلوم الأساسية هو مفتاح هدفين من أهم أهداف الصين: الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والقدرة التنافسية الدولية. وتضمنت مسودة موازنة الصين لعام 2026، التي صدرت في أوائل مارس (آذار)، زيادة بنسبة 16.3 في المئة في إنفاق الحكومة المركزية على الأبحاث الأساسية.

وباتت الجامعات الصينية تتصدر اليوم تصنيفات جودة الأبحاث التي كانت الجامعات الأميركية تهيمن عليها سابقاً. ففي عام 2016، كان خمس من أكثر عشر جامعات إنتاجاً بحسب "مؤشر نيتشر" أميركية، في حين كانت جامعة واحدة فقط صينية. أما في تصنيف 2025، فكانت تسع من أول عشر جامعات صينية. وأصبحت الصين الآن على مشارف تصدر تطوير التقنيات الناشئة. ففي عام 2025، ووفق "المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية"، تصدرت الصين العالم في الأبحاث عالية الجودة في 66 من أصل 74 تقنية استراتيجية مهمة، بما في ذلك تلك المعرضة لخطر الاحتكار من دولة واحدة.

الصين تملك المواهب

إحدى نقاط قوة منظومة الابتكار الأميركية أنها تجتذب أفضل العلماء والمهندسين من مختلف أنحاء العالم. فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، كان 38 في المئة من درجات الدكتوراه في العلوم والهندسة التي منحتها الجامعات الأميركية من نصيب طلاب دوليين في المتوسط. ويحصل الطلاب الدوليون على غالبية الدكتوراه في علوم الحاسوب والمعلومات، والهندسة، والرياضيات. وهم عنصر أساسي في الاكتشافات والاختراعات التي تخرج من المختبرات الجامعية، وكثير منهم يواصلون تقديم إسهامات بارزة في العلم وريادة الأعمال في الولايات المتحدة. كما أن 40 في المئة من الحاصلين على جائزة نوبل في الكيمياء والطب والفيزياء في الولايات المتحدة خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية كانوا مهاجرين. والمهاجرون أسسوا أكثر من نصف الشركات الناشئة الأميركية التي تبلغ قيمة كل منها مليار دولار أو أكثر.

لكن السياسات الفيدرالية تثني الجامعات عن تخريج الجيل المقبل من العلماء الأميركيين البارزين، سواء كانوا مولودين في الولايات المتحدة أو خارجها. فتجميد المنح وتقليصها يجبران الجامعات على خفض أعداد طلاب الدراسات العليا والباحثين ما بعد الدكتوراه الذين تمولهم. فقد أعلنت "هارفرد"، على سبيل المثال، أنها ستخفض إلى النصف عدد المقبولين في برامج الدكتوراه العلمية في العام الأكاديمي المقبل. كما أن التشدد في منح تأشيرات الطلاب، وحظر السفر، والمبالغة في إنفاذ قوانين الهجرة، كلها عوامل تثني الطلاب الدوليين عن الدراسة في الولايات المتحدة.

وقد دفع عدم اليقين بشأن التمويل، إلى جانب الهجمات السياسية على الجامعات، حتى الباحثين الراسخين إلى البحث عن وظائف في أماكن أخرى. وتفيد جامعات أوروبية بأنها تشهد اهتماماً غير مسبوق من أكاديميين أميركيين بالمناصب الشاغرة لديها. كما أن نزيف العقول يتجه أيضاً نحو الصين، إذ عاد عدد من كبار العلماء الأميركيين من أصول صينية للعمل هناك. ووفقاً لشبكة "سي أن أن"، انضم ما لا يقل عن 85 باحثاً أميركياً إلى مؤسسات صينية منذ بداية عام 2024. وفي مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ميدان تنافس محتدم مع الصين، يتدرب عدد متزايد من كبار الباحثين في الصين ويختارون العمل فيها. وقد خلص تحليل أجرته "ذي إيكونوميست" إلى أنه في عام 2019 لم يبق في الصين سوى ثلث الباحثين المشاركين في المؤتمر العالمي الأبرز للذكاء الاصطناعي ممّن أنجزوا دراساتهم الجامعية الأولى هناك. أما في عام 2025، فقد ارتفعت النسبة إلى أكثر من الثلثين. وخلال الفترة نفسها، تضاعفت أكثر من مرتين نسبة الباحثين الصينيين الذين حصلوا على درجات عليا في الخارج ثم عادوا إلى الصين.

والواقع أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة بالفعل في تدريب العلماء. ففي عام 2022، وهو أحدث عام تتوافر عنه بيانات، منحت الصين أكثر من 53 ألف درجة دكتوراه في العلوم والهندسة، في حين منحت المؤسسات الأميركية أقل من 45 ألفاً. ومع أن عدد سكان الولايات المتحدة لا يزيد على ربع عدد سكان الصين بقليل، فإنها لا تستطيع منافستها ما لم ترحب بالطلاب الدوليين وتيسر لهم البقاء في البلاد بعد نيل درجاتهم.

الصبر فضيلة

إلى جانب تعزيز الأبحاث الأساسية، تحتاج واشنطن أيضاً إلى معالجة إحدى نقاط الضعف المزمنة في الولايات المتحدة: غياب استراتيجية متماسكة لدعم التقنيات الجديدة الحيوية من وقت خروجها من المختبرات إلى أن تصبح قابلة للتسويق تجارياً. فكثير من التقنيات التي اخترعت وطورت في الولايات المتحدة يجري في نهاية المطاف تصنيعها على نطاق واسع في الصين. ومن هذه التقنيات بطاريات فوسفات حديد الليثيوم للمركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وأنظمة "ليدار" الثلاثية الأبعاد الفورية التي تمكّن السيارات الذاتية القيادة من "الرؤية". وتمتلك الصين الآن شبه احتكار عالمي لهذه التقنيات، مما يعني أنها قد تستخدمها سلاحاً عبر وقف الإمدادات في حال وقوع نزاع جيوسياسي.

ولا تزال الشركات الأميركية الساعية إلى تسويق التقنيات الناشئة تستفيد من ميزة أسواق رأس المال الأميركية التي لا مثيل لها في العالم. فالمستثمرون في القطاع الخاص يفرضون قدراً من الانضباط، ويساعدون في ضمان عدم تبديد التمويل على مشاريع ميؤوس منها حين يمكن توجيهه إلى فرص أفضل. لكن الاستثمار الخاص في المراحل المبكرة يتسم غالباً بالتركيز على المكاسب القصيرة الأجل. وعادة ما يفضل المستثمرون شركات مثل الشركات الناشئة البرمجية التي تحتاج إلى استثمارات محدودة وتعد بعوائد سريعة. وليس من قبيل المصادفة أن ما يقرب من نصف تمويل رأس المال المغامر الجديد في عام 2024 ذهب إلى شركات البرمجيات.

 

غير أن هذا المنطق القصير الأجل لا يناسب الشركات المبتكرة التي تحاول تصنيع منتجات مادية قائمة على اختراقات علمية وهندسية، والتي يشار إليها أحياناً بمصطلحات مثل "التقنية الصعبة" أو "التقنية العميقة". فالاستثمار المبكر في شركات التقنية الصعبة التي تطور منتجات غير مسبوقة ينطوي على مجازفة. إذ يتعين على هذه الشركات ابتكار عمليات تصنيع خاصة بمنتجاتها، وبناء سلاسل إمداد من الصفر، والتعامل مع أطر تنظيمية لم تُصمم أصلاً لمنتجات لم يكن لها وجود من قبل. وقد يتطلب إطلاق مصنع تجريبي تجاري أولي مليارات الدولارات وسنوات من العمل.

وغالباً ما تفتقر الولايات المتحدة إلى رأس المال طويل الأجل الذي تحتاجه هذه الشركات. أما في الصين، حيث تعد الحكومة أكبر مقرض ومستثمر في مجتمع الأعمال، فإن هذا النوع من التمويل متوافر بكثرة، بما في ذلك عبر أدوات استثمار مشتركة بين القطاعين العام والخاص تعرف باسم "صناديق التوجيه الحكومية". ففي ديسمبر (كانون الأول)، على سبيل المثال، أطلقت بكين صندوقاً جديداً يعتزم توجيه مئات مليارات الدولارات على مدى 20 عاماً إلى شركات التقنية الصعبة في مراحلها المبكرة. ولا يعني هذا أن النموذج الصيني مثالي. فبما أن هدف بكين هو الهيمنة على السوق أكثر من تحقيق العائدات، كثيراً ما تدعم الحكومات المحلية الصينية الشركات في القطاعات المفضلة من دون تمييز. وقد وجدت كثير من الشركات الواعدة نفسها تتنافس اليوم بشدة إلى درجة نشوء دوامة انكماشية وإفراط هائل في الإنتاج. والتمويل متوافر في الصين بوفرة في القطاعات المدعومة من الدولة، لكن مديري رأس المال المغامر والأسهم الخاصة ذوي الأداء العالي هناك لا يحبذون التمويل المرتبط بالحكومة، لا سيما الحكومة المركزية، بسبب خطر التدخل السياسي. وفي الأعوام الأخيرة، شدد قادة الحزب الشيوعي الصيني القيود على رواد الأعمال، وحاولوا ضمان أن توجه أهداف الدولة قرارات الشركات، وهو ما قد يتعارض مع الابتكار على المدى الطويل. لكن حتى الآن، فإن استثمارات الصين الهائلة في جامعاتها ومختبراتها وشركاتها الناشئة المبكرة عوضت أكثر من عيوب نموذجها الاقتصادي.

محرّك التقدم

عندما كنت رئيساً لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كنت أرى مراراً أن اكتشافات واختراعات خرجت من مختبرات المعهد، وكان يمكن أن يكون لها أثر اجتماعي هائل، تفشل في الوصول إلى السوق بسبب نقص التمويل. وكان الأمر نفسه ينطبق على جامعات بحثية كبرى أخرى في الولايات المتحدة. واستجابة لذلك، أنشأ المعهد في عام 2016 حاضنة ومسرّعة أعمال باسم "ذي إنجن" لتقديم تمويل من مستثمرين طويلَي الأجل مهتمين بالمساعدة في حل التحديات العالمية. كما وفرت "ذي إنجن" للشركات الناشئة مساحات مختبرية، وإمكانية الوصول إلى معدات متخصصة، وشبكة من الخبراء تساعدها على بلوغ المرحلة التي تتدخل فيها شركات رأس المال المغامر التقليدية.

وقد برهنت "ذي إنجن" على أن دعم التقنية الصعبة يمكن أن يدفع تقنيات قد تغير العالم إلى السوق. ومن أوائل الشركات في محفظتها "كومنولث فيوجن سيستمز". فالاندماج النووي، الذي تندمج فيه ذرات أخف لتكوين ذرات أثقل مع إطلاق طاقة هائلة، هو ما يغذي الشمس والنجوم. ولطالما اعتُبر الاندماج النووي الهدف الأسمى في مجال الطاقة النظيفة، لأنه، بخلاف الانشطار المستخدم في محطات الطاقة النووية الحالية، لا ينتج نفايات مشعة طويلة الأجل، ولا يمكن أن يؤدي إلى تفاعلات متسلسلة خارجة عن السيطرة. لكن الاندماج يتطلب تسخين بلازما الهيدروجين إلى ما يقرب من عشرة أضعاف حرارة الشمس مع إبقائها محصورة في الوقت نفسه. ويتمثل الابتكار الثوري للشركة في مغناطيس فائق التوصيل عالي الحرارة قادر على احتواء هذه البلازما، ما يتيح إنتاج طاقة أكبر في جهاز أصغر. لكن لغياب سلسلة إمداد لهذه المغناطيسات، كان على الشركة أن تبني مصنعها الخاص لتصنيعها. وبفضل الدعم الأولي من "ذي إنجن"، اجتذبت "كومنولث فيوجن سيستمز" حتى الآن ثلاثة مليارات دولار من التمويل، ووافقت "غوغل" على شراء نصف الطاقة التي ستولدها أول محطة اندماج نووي للشركة على مستوى الشبكة في فرجينيا.

ولدى الحكومة الفيدرالية أيضاً برامجها الخاصة لدعم الشركات الناشئة المبتكرة، منها شركة رأس المال المغامر غير الربحية "إن-كيو-تل" التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية وتركز على الاستخبارات والدفاع، و"مكتب برامج القروض" التابع لوزارة الطاقة، الذي بات يعرف الآن باسم "مكتب تمويل هيمنة الطاقة"، وبرنامجا "أبحاث الابتكار في الأعمال الصغيرة" و"نقل التكنولوجيا في الأعمال الصغيرة". وقد حققت هذه البرامج نجاحات كثيرة. ففي عام 2010، أتاح قرض من وزارة الطاقة بقيمة 465 مليون دولار لشركة "تيسلا" تطوير منشأة تصنيع في فريمونت بولاية كاليفورنيا، وقد سددت القرض مع فوائده بعد ثلاث سنوات. ومن دون هذا التمويل، ربما لم تكن "تيسلا" لتنجو.

لكن هذه البرامج جهود متفرقة ومجزأة، وهي شديدة الارتهان للسياسة. فالسياسات الابتكارية التي تطبقها إدارة ما يسهل على الإدارة التالية إلغاؤها. ومن الأمثلة على ذلك شركة "سَبلايم سيستمز"، وهي شركة ناشئة خرجت من "ذي إنجن". فقد حصلت "سَبلايم" على منحة بقيمة 87 مليون دولار من وزارة الطاقة عام 2024، في عهد إدارة بايدن، لتسويق عملية كهروكيميائية لإنتاج الإسمنت تستهلك طاقة أقل وتطلق كميات أدنى من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالإنتاج التقليدي. ونظراً إلى أن الإسمنت مسؤول عن ثمانية في المئة من الانبعاثات الكربونية العالمية، فإن هذه التقنية تنطوي على أهمية استراتيجية هائلة. لكن وزارة الطاقة، في عهد إدارة ترمب، ألغت المنحة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ضمن سحب واسع لتمويل مشاريع مرتبطة بالمناخ، ما أجبر "سَبلايم" على وقف بناء أول مصنع لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أن سياسات صناعية أخرى تفشل بدورها في دعم الابتكار والتسويق المطلوبين. فقد أظهرت أبحاث صادرة عن "الاحتياطي الفيدرالي" أن الرسوم الجمركية، التي تقول إدارة ترمب إنها ستشجع إعادة التصنيع في قطاعات التكنولوجيا الحيوية والناشئة، تقلص الابتكار على المدى الطويل. فهي تضعف حوافز الشركات المحلية إلى الابتكار، وتقلص الأسواق المتاحة لمنتجاتها. كذلك بدأت الحكومة في تملّك حصص في شركات خاصة، وهو أمر لم تلجأ إليه الولايات المتحدة في السابق إلا خلال الأزمات الكبرى، مثل الكساد الكبير والأزمة المالية العالمية في 2008-2009. فمنذ عام 2025، أخذت الحكومة حصة في شركة "إنتل"، وتفاوضت على ما يسمى "السهم الذهبي" في شركة "يو أس ستيل"، بما يتيح لها نقض قرارات لا ترضى عنها، وطالبت بحصة من مبيعات "إنفيديا" و"إيه إم دي" في الصين شرطاً لمنح تراخيص تصدير لرقائق ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً. وهذا النوع من الملكية الحكومية المباشرة قد يشوه الأسواق، إذ يجعل نجاح الشركات رهناً بالصلات السياسية أكثر من الجودة أو الإمكانات. وعندما تكون الحكومة في الوقت نفسه جهة تنظيمية ومالكة، تتكاثر تضاربات المصالح. فقد تطلب حصصاً في الشركات مقابل الموافقات التنظيمية، أو تطبق معايير أكثر تساهلاً على الشركات التي تملكها.

فكرة في رأس المال

لا تستطيع هذه السياسات والبرامج أن تحل محل استراتيجية متماسكة لبناء الصناعة الأميركية ومنافسة الصين على امتداد سلسلة الابتكار. وما تحتاج إليه الولايات المتحدة هو كيان شامل واحد معني بالتنافسية، يستطيع المساعدة في تمويل صناعات المستقبل. ويمكن لهذا الكيان أن يحدد التقنيات الحيوية ويوفر للشركات الناشئة الواعدة فيها أفقاً زمنياً طويلاً. كما يمكنه أن يرصد الشركات الناشئة في المجالات الصاعدة التي قد تمثل تقنيات غير مسبوقة في نوعها. وسيكون الهدف تقديم رأس المال الأولي عندما لا يكون القطاع الخاص مستعداً لذلك. ويمكنه أن يكمل وينسق البرامج الحكومية القائمة الداعمة للشركات الابتكارية الناشئة، وأن يساعد في تمويل تقنيات تقع خارج نطاق هذه البرامج. وبكلمات أخرى، سيقدم على المستوى الوطني ما تقدمه "ذي إنجن" وشركة "إنجن فينتشرز" المنبثقة عنها: برنامجاً واسع النطاق من الدعم طويل الأجل لإخراج الأفكار الحيوية من المختبر إلى السوق.

وقد يتخذ هذا الكيان شكل شركة حكومية، أي هيئة اتحادية مستقلة ينشئها الكونغرس، لها مهمة عامة لكنها تستطيع تحقيق إيرادات وربما تصبح مكتفية ذاتياً. فـ"بنك التصدير والاستيراد"، على سبيل المثال، شركة حكومية توفر التمويل للمصدرين الأميركيين حين لا يكون المقرضون في القطاع الخاص راغبين أو قادرين على دعمهم. وبما أن الكونغرس يستطيع أن يحدد تفاصيل الشركة الحكومية وحدود مهمتها، فيمكن للمشرعين توجيه هذه الشركة الجديدة المعنية بالتقنيات الناشئة نحو تلبية احتياجات البلاد على المدى الطويل. وإحدى طرق تحقيق ذلك أن يُعين لها مجلس إدارة بولايات ثابتة مستقلة عن الدورات السياسية، ويضم قادة أعمال، ومستثمرين، وأكاديميين بارزين.

ولتعظيم أثرها، يمكن لهذه الشركة الحكومية أن تقدم استثمارات، وقروضاً، وضمانات قروض للشركات الناشئة في أخطر مراحل التطوير، بما في ذلك صنع النماذج الأولية، وبناء المصنع الأول، أو التوسع. ومن شأن ذلك أن يشجع رأس المال الخاص على الاستثمار عبر إظهار إمكان الجدوى التجارية لهذه الشركات. ويمكن للشركة أيضاً أن تنظم ضمانات شراء حكومية، أي التزام الحكومة بشراء كمية معينة من المنتج حال تصنيعه، مما يضمن وجود سوق مسبقاً ويخفض المخاطر على المستثمرين في القطاع الخاص. كما يمكنها مساعدة الشركات الناشئة الواعدة في تجاوز العقبات التنظيمية على المستوى الاتحادي وعلى مستوى الولايات، وإسداء المشورة إلى الكونغرس في شأن السياسات الضريبية التي تعزز الاستثمار الخاص في التقنية الصعبة.

تحتاج الولايات المتحدة إلى كيان شامل يساعد في تمويل صناعات المستقبل

 

وينبغي لهذا الكيان أن يعمل بعقلية رأس المال المغامر. فعليه أن يتوقع أن بعض رهاناته لن تنجح، لكن حتى عدداً محدوداً من النجاحات قد يدر مكاسب هائلة على تنافسية البلاد. ويمكن لهذا النوع من الشركات الحكومية أن يساعد في ضمان أن تعود التقنيات المبتكرة في الولايات المتحدة بالنفع على الأميركيين، عبر خلق وظائف عالية الأجر داخل البلاد وزيادة الصادرات. وإذا ثبت أنه يتعذر تصنيع تقنية ناشئة مهمة في الولايات المتحدة بسبب نقص البنية الصناعية أو الإمدادات أو المهارات، فإن مثل هذا الكيان يمكنه، في الحد الأدنى، أن يضمن تصنيعها لدى حليف للولايات المتحدة.

ولهذا النوع من الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص تاريخ طويل في الولايات المتحدة في مجال تطوير تقنيات ثورية. فخلال الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، سيطرت اليابان على البلدان الآسيوية المنتجة للمطاط، وقطعت إمدادات المطاط الطبيعي عن الولايات المتحدة. فقامت "مؤسسة التمويل لإعادة الإعمار"، التي أُنشئت خلال الكساد الكبير لتقديم قروض طارئة إلى البنوك وغيرها من الشركات ثم تحولت إلى تمويل الإنتاج الصناعي الدفاعي، بإنشاء صناعة مطاط اصطناعي عبر دفع شركات المطاط والنفط والكيماويات إلى تقاسم براءات الاختراع والأبحاث. وفي الوقت نفسه تقريباً، طلب الجيش من شركة "جنرال إلكتريك" البدء في تصنيع محركات نفاثة، وهي ابتكار بريطاني، ما أطلق صناعة لا تزال الولايات المتحدة مهيمنة عليها بعد أكثر من 80 عاماً. وفي وقت أقرب، قاد برنامج "وورب سبيد" الممول حكومياً إلى اكتشاف سريع للقاحات خلال جائحة "كوفيد-19"، وتطويرها وتوزيعها.

تحتاج الولايات المتحدة اليوم إلى قدر مماثل من الإبداع المؤسسي. فلا يمكنها أن تجلس وتنتظر تعثر الصين. وإذا لم تستخلص دروس تاريخها، وتحشد الموارد العامة والخاصة معاً لإطلاق تقنيات المستقبل وتصنيعها وتوسيعها من جديد، فإنها ستتراجع. وعندئذ ستكون الصين في موقع يتيح لها بناء احتكارات جديدة على أساس نقاط الضعف الأميركية.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز" 1 أبريل (نيسان) 2026

إل. رفائيل رايف هو الرئيس الفخري لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب لكرسي راي وماريا ستاتا في المعهد

اقرأ المزيد

المزيد من آراء